روايات

“البنت ما أغميش عليها من التعب… في حد حط لها حاجة في العصير!”

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ – لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ) الفصل الثالث: اعتراف الغرف الخفية وأسرار شركة العطارة صوت خطوات عساكر البوليس وهي بتملى شقة العيلة كان أشبه بموسيقى جنائية بتعلن نهاية عرض مسرحي طويل من الكذب والخيانة. الرائد مصطفى، ببدلته الميرية ونظراته الحادة اللي متعودة تلقط المجرمين من نظرة عين، وقف في نص الصالة، وبص لنهى اللي كانت قاعدة على الأرض ماسكة في ديل عباية أمي كأنها طفل ضايع، وحسام جوزها اللي وقف قدامها محاولاً يداري رعشة كفوفه بوضع إيديه في جيوبه ببرود مصطنع.

“استاذة نهى، وأستاذ حسام… تفضلوا معانا بهدوء من غير زعيق ولا فضـ,ـايح زيادة، القسم في انتظاركم عشان سدن المحضر وسماع الأقوال في بلاغ محاولة الشروع في القـ,ـتل وتسمـ,ـيم قاصر.” قالها الرائد مصطفى بصوت حاسم ما فيهوش مجال للنقاش. أمي الحجة فاطمة وقفت مفجوعة، الدموع جفّت في عينيها، وبصتلي بصوت مليان قهر وكسرة: “يا مريم… دي اختك! مهما عملت، البوليس والفضايح عار على عيلتنا! إزاي ترضي توداي اختك القسم؟!”

بصيت لأمي بعيون مليانة سنين من الظلم والتهميش، وقلت بصوت هادئ بس قاطع زي السـ,ـكينة: “لما كانت نهى بتحط السم لبنتي في كوباية العصير، مَفكرتش إنها اختي ولا إن دي بنتي! ولما كانت بتسرق أموال أبونا وتزوير توقيعه، مَفكرتش في عـ,ـار العيلة! العار الحقيقي يا أمي مش إننا نظهر الحق، العار إننا نستر مجرم بيبيع دمه عشان طمع ومال زائل.” سحبت نفسي بهدوء، وطارق كان سندني بإيده، ونزلنا وراهم عربية الشرطة، وكل عين من عيون الجيران اللي كانوا فاتحين باب الشقق بتراقب بصمت رعب وخضة.

داخل غرفة التحقيق: قناع نهى بيقع في قسم الشرطة، تحت نور اللمبة الصفرا الضعيفة في غرفة التحقيق المقفولة، كانت نهى قاعدة على الكرسي الخشب قدام مكتب الرائد مصطفى. في الأول، كانت رافعة دقنها وبتتكلم بصوت حاد: “كل ده تبلّف وهسترة من أختي! مريم من زمان وهي بتغير مني ومن شطارتي في إدارة شركة العطارة، والسـ,ـم ده أكيد هي جابته وحطته بنفسها عشان تلصقه فيا وتنفرد بالتركة!” الرائد مصطفى ماردش عليها في الأول. فتح الملف قدامه، وطلع الكيس البلاستيك اللي جوه الكوباية، ومعاه تقرير المعمل الجنائي المبدئي، وكمان “الفلاش ميموري” اللي سلمتها له فيها المستندات الموثقة.

رمى المستندات قدامها على الترابيزة وقال بصوت هادئ ومرعب: “الاستاذة نهى… تقرير المعمل الجنائي أثبت وجود مادة ‘البنزوديازيبين’ بتركيز قـ,ـاتل في بقايا العصير اللي في الكوباية، وبصمات إيديكِ اللي على الكوباية مطابقة تماماً لبصماتك. والأهم من ده كله، المستندات دي اللي أختك مريم قدمتها، بتثبت إنكِ زورتي توقيع المرحوم والدك في عقد تنازل رسمي لأصول شركة العطارة والمخازن الكبرى، وده معناه جنايتين مش جناية واحدة: محاولة قـ,ـتل عمد، وتزوير محررات رسمية واستـ,ـيلاء على مال عام وخاص.”

اللون طار تماماً من وش نهى. عينيها جحظت لبرة، وكل ثقة الكدب انهارت في ثانية واحدة. بصت لحسام اللي كان واقف بره الكابينة الزجاجية بيبص لها بيأس، وفهمت إن اللعبة انتهت خلاص. انهارت نهى تماماً، وابتديت تترعش، ونزلت دموع الندم الكداب: “أنا… أنا ماكنش قصدي أقـ,ـتلها! والله العظيم ماكنش قصدي أمـ,ـوتها! أنا كل ما في الأمر كنت عايزة أغيبها عن الوعي كم ساعة عشان تلهيني عن جلسة توقيع الأوراق النهائية بتاعة الشركة، ومريم كانت هتقرفنا وتعمل مشاكل، فقلت أديها نقط من دواء الأعصاب في العصير عشان تنام وما تحضرش الحفلة ولا تتدخل في الشغل!”

الرائد مصطفى ضـ,ـرب بإيده على المكتب بصوت عالي: “تسممي طفلة عندها سبع سنين عشان توقيع ورق شركة؟! ده اسمه ترصد وعمد يا هانم! يعني حبل المشنقة أو المؤبد مستنيكِ أنتِ وجوزك اللي كان شريكك في التخطيط!” في شركة العطارة: عودة الحق لأصحابه بعد أيام من التحقيقات اللي كشفت شبكة كاملة من التلاعب والسرقة اللي قام بيها حسام ونهى في دفاتر شركة العطارة والمواد الغذائية بتاعة العيلة، صدر قرار نيابة عامة بتحفظ أموال وممتلكات الشركة، وإعادة توزيع الحصص الشرعية بناءً على وصية الوالد الأصلي، اللي كانت بتدي لكل واحد حقه بالعدل من غير ظلم ولا احتكار.

ندى رجعت البيت، صحتها بقت أحسن بكتير بفضل ربنا وبفضل سرعة تحرك طارق في المستشفى، وبقت تبتسم تاني وهي لابسة طوقها البينك، بس حضني لها بقى أحضـ,ـن وأخاف عليها أكتر من الهواء اللي بتتنفسه. أمي الحجة فاطمة دخلت عليّ المطبخ في يوم، وكانت منكسرة، قاعدة على الكرسي وبتعيط بدموع حقيقية. مدت إيدها ومسكت كف ايدي وقالت بصوت مكسور: “حقك عليّ يا مريم… أنا ظلمتك سنين طويلة، وكنت معمية بطيبة أختك وبضحكتها المزيفة، وطلعتِ أنتِ السند والظهر اللي حمى العيلة من الكارثة.”

ابتسمت بحنان، وقعدت جنبها، وقلت: “فات الأوان على الزعل يا أمي. المهم إن الحق رجع لأصحابه، وإن بنتي بين إيديا سليمة.” وفي نفس اليوم، وأنا واقفة في مكتب والدي الله يرحمه في شركة العطارة، فتحت الدرج القديم، وطلعت الورق السليم، وبصيت لبرة من الشباك، حسيت إن كابوس السنين اللي فات وانتهى، وإن الحكاية دي ما كانتش مجرد محاولة غـ,ـدر، دي كانت اختبار قاسي أثبت لي إن الحق مهما طال ليله، مصيره يظهر ويهد كل جدران الظلم!

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى