روايات

ليلة العمر (أو المفاجأة اللي مش على البال)

ليلة العمر (أو المفاجأة اللي مش على البال)
قاعدة في البيت بعد نهار طويل من الشغل والروتين، وشغالى أكل في زلط، وفجأة باب الأوضة اتفتح عليا طيران، ودخلوا عليا أخواتي البنات الأربعة زي الهوا: – “قومي يا بنتي البسي بسرعة! ورانا فرح بنت خالتي، مفيش وقت!” بصتلهم ببرود وأنا ماسكة الموبايل:
– “فرح مين يا عم إنت وهي؟ بلا فرح بلا زفت، أنا مصدقة إني قاعدة أريح شوية، روحوا إنتوا وبالهنا والشفا.”

هنا فاطمة أختي الكبيرة قعدت جنبي على السرير وبقت تحايلني:
– “يا بت عيب! دي بتقولك عزمتنا بالاسم وقالت لازم كلنا نبقى موجودين، وبعدين دة إحنا أخوات، تعالي معانا بقى وكسري الشر، دة إحنا مظبطين اللبس وكل حاجة.” فضلت تتحايلم عليا لحد ما وافقت بالعافية لمجرد إني أغير جو وأهرب من الهم. دخلت لبست فستان سهرة بسيط من اللي عندي، وحطيت ميكب خفيف، وركبنا العربية ورحنا القاعة اللي كانت مكسورة من كتر النور والزغاريط والناس.

دخلنا القاعة، والدنيا كانت زحمة مـ,ـوت والدي جي عمال يخبط. قعدنا على ترابيزة قريبة من الكوشة. بصيت حواليا بلا مبالاة لحد ما بدأت زفة العريس والعروسة تدخل. الكل وقف يسقف، وأنا كمان وقفت معاهم من باب الذوق. العريس والعروسة دخلوا، والأنوار كلها اتسلطت عليهم. بصيت قدامي… وفجأة الدم في عروقي وقف! عניا شخصت في العريس. دة مش أي حد… دة جوزي! محمود! جوزي اللي متجوزني من سنتين وقاعدين في شقة واحدة!

برقت وفتحت بوقي من الصدمة، حسيت إن الكرسي بيسحب من تحت رجلي. أخواتي لاحظوا إن دراعي بيترعش وإن وشي اصفر، وفاطمة سألتني بخضة:
– “مالك يا بنتي؟ شكلك اتفزعتي من إيه؟ إيه اللي جابرك تبصي كده؟” عرفت أنطق بالعافية وبصوت مهزوز:
– ” ده‌… ده‌ جوزي يا فاطمة!” الكل اتصدم وسكتوا في صوت واحد:
– “جوزك مين يا هبلة؟! دة عريس!” مقدرتش أستنى أكتر من كده. الدم كان بيغلي في وعي، ونـ,ـار ولعت في صدري. سحبت نفسي ومشيت وسط الترابيزات بخطوات سريعة لغاية ما وصلت قدام الكوشة بالظبط، ووقفت قدامه ووشي أحمر من الغضب.

محمود شافني، وشه جاب ألوان الطيف كلها، الفرحة اللي كانت في عينه اتقفلت في ثانية وبان عليه الرعب. بصيت له وقولت بنبرة كله قهر وعصبية:
– “مش تقولها إنك متجوز الأول ولا العروسة وأهلها المغفلين دول ملهمش ثمن عندك؟!” الناس اللي حوالينا بدأت تبص وتهمس، والعروسة اتفزـ,ـعت ومسكت في فستانها. محمود نزل من على الكوشة بسرعة ومسك دراعي وبيحاول يوطي صوته عشان الفضيحة، وقال مرتبك:
– “خد بس… تعالي هنا.. انتي مش فاهمة حاجة، استني أفهمك!”

سحبت دراعي منه بقوة، ودموع القهر كانت خلاص هتنزل بس كتمتها بالعافية، وبصيت له باحتـ,ـقار وقولت:
– “أفهم إيه يا هانم؟! هو أنا ناقصة حاجة ولا مقصرة معاك في بيتي؟ مش لم تكفي بيتك الأول وتصرف عليا وتراعي ربنا فيا، تروح تتجوز تاني وتعمل فرح وتصرف المبالغ دي كلها؟!” الناس كلها حوالينا سكتت تماماً، ومحدش كان فاهم إيه اللي بيحصل. محمود اتقفلت خالص، وشاف إن الحكاية باظت وانفضح قدام مراته الجديدة وأهلها وكل المعازيم. وفي لحظة جنون وتوتر، وبدل ما يبرر أو يكذب كدبة عدلة، صرخ في وشي وهو ملامحه كلها صدمة وخزي:

– “أنا متجوزها عشان معاه فلوس! ارتحتي كده؟! أبوها عنده مصنع وأنا كنت محتاج قرشين عشان أعمل مشروع العمر!” الكلمة نزلت زي الصـ,ـاعقة على القاعة كلها. العروسة وأبوها بقوا في حيرة من أمرهم والكل اتخض من جـ,ـرأته في البجاحة وعدم أصله. بصيت له، وضحكت ضحكة وجع، وقولت بصوت عالي سمعه القريب والبعيد:
– “على كده بقى مكنتش متجوزني أنا، انت كنت متجوز رصيد في البنك، وادي آخرة الجواز بالاسم والمظاهر الكدابة!”

لفيت ضهري ومشيت وسيبت الفرح وأهله ولعيونه وراه، وطلعت من القاعة وورايا أخواتي اللي كانوا بيجروا ورايا عشان يلحقوني، وأنا واخدة قراري إن الليلة دي هي آخر عهدي بيه للأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى