روايات

“إنتي تخ.ينة ومش حلوة… احمدي ربنا إن لقيتي واحد صنايعي محترم وافق يتجوزك!

“إنتي تخ.ينة ومش حلوة… احمدي ربنا إن لقيتي واحد صنايعي محترم وافق يتجوزك!”.. قالت الأم لبنتها قبل الفرح.
— إنتي تخ.ينة ومش حلوة… احمدي ربنا إن لقيتي واحد صنايعي في مصنع وافق يتجوزك! — قالت أمينة وهي بتشد سوستة الفستان بع.نف، لدرجة إن نفس ندى اتق.طع.
حكايات منــال عـلـي
— إشفطي بطنك يا بنت! هو مين أصلاً هيبصلك وإنتي عندك سبعة وعشرين سنة، شغالة موظفة في دار المحفوظات، وكل يوم بالليل تاكلة كام قطعة بسبوسة ولا فطير!
ندى بصت لنفسها في مراية الدولاب القديم وقالت بصوت واطي:
— يا ماما… كفاية بقى.

الدولاب ده كان موجود من أيام وهي في ابتدائي. والفستان اللي لابساه كان بسيط جدًا، لونه أوف وايت، اشترته من محل في العتبة بنص تمنه عشان كان فيه قطع صغير عند الديل. هي بنفسها خيطته بمنتهى الدقة، لكن أمها برضه كانت بتبصله وكأنه خرقة.
حصري على صفحه روايات واقتباسات
— كفاية إيه؟ أنا بقول الحقيقة. احمدي ربنا إن محمود محترم، لا بيشرب ولا بيقعد على القهاوي زي أبوه الله يرحمه. راجل شغال فني صيانة في مصنع وبيقبض آخر الشهر. صحيح هدومه كلها زيت وشحم……
بس راجل بيعرف يجيب فلوس. إنما إنتي؟ عايشة في الأحلام، ولا كأنك أميرة!

في اللحظة دي جرس الشقة رن.
أمينة عدلت إيشاربها بسرعة وقالت بابتسامة مصطنعة:
— أهو جم… يلا يا عروسة.
حكايات منــال عـلـي
ندى فضلت واقفة لوحدها في الأوضة.
قلبها ما بقاش بيتوجع من كلام أمها… لأنها اتعودت.
من وهي صغيرة وهي كل يوم تسمع إنها مش جميلة… مش رفيعة… محدش هيحبها.
بقت الكلمات دي زي صوت المروحة… موجودة لكنها ما بقيتش تهزها.
هي عارفة شكلها كويس…
وشها مدور… جسمها مليان شوية… شعرها البني دايمًا بيهرب من الكحكة… لكن عينيها كانوا هاديين وفيهم طيبة.

وكانت بتحب شغلها جدًا في دار الوثائق، وسط الملفات القديمة والورق الأصفر وريحة الزمن الجميل.
بعد شوية محمود دخل الأوضة وهو مكسوف.
لابس بدلة لأول مرة تقريبًا، والكرافتة خنقاه.
في إيده تلات وردات حمرا ملفوفين في سلوفان.
مدهم لها وقال:
— ألف مبروك يا ندى.
ابتسمت بخجل.
— الله يبارك فيك… تسلم.
وقفوا قدام بعض وساكتين.
كل واحد فيهم مش عارف يقول إيه.
من تلات شهور بس، جارتهم أم فاطمة هي اللي عرفتهم على بعض.
قالت لأمينة:
— محمود ابن أخت جوزي…

راجل محترم، شغال، وعنده شقة تمليك في شبرا… بس هادي شوية.
أمينة ما صدقت.
ومن ساعتها وهي بتزق ندى ناحية الجواز.
خروجات في الجنينة…
قعدة على النيل…
كل مرة محمود يجيب لها آيس كريم أو عصير قصب، ويقعدوا ساكتين أغلب الوقت.
ندى كانت شايفة إنه قليل الكلام.
ومحمود كان شايف إنها بنت محترمة ومؤدبة.
وبس.
وفي الآخر وافقت
قالت لنفسها:
“المهم أمي تبطل تسمعني كلام كل يوم.”
#حكايات_منــال_عـلـي
بعد كام ساعة كانوا واقفين في مكتب المأذون.
المأذون خلص الإجراءات بسرعة.
الشهود مضوا.
ومحمود لبسها الدبلة.

والكل سقف.
أما فرحهم فكان بسيط جدًا.
عملوه في شقة أم ندى.
ترابيزة سفرة مليانة أكل.
حمام محشي.
مكرونة بالبشاميل.
فتة.
ومشروبات.
كانوا حوالي عشر أفراد.
خالة ندى…
عم محمود…
وكام جار قريب.
وأول ما خلصوا الأكل…
أمينة بدأت توصّي بنتها قدام الكل:
— اسمعي كلام جوزك… أول ما يرجع من الشغل يبقى الأكل جاهز… متزعجيهوش… ومتطلبيش منه يغسل طبق ولا يعمل حاجة… الراجل شغلته بره البيت… فاهمة؟
ندى هزت راسها وسكتت.
أما محمود… فكان باصص في الأرض ومش بيتكلم.
بعد ما الضيوف مشيوا…

ركبوا تاكسي رايح لشقة محمود في شبرا.
ندى كانت شايلة علبة جاتوه وأكل بعتته أمها معاها.
أما محمود فكان باصص من الشباك طول الطريق.
الشقة كانت بسيطة جدًا.
صالة صغيرة.
أوضتين.
مطبخ قديم.
وكل حاجة باين عليها إن راجل عايش لوحده.
دخل وقال بإحراج:
— معلش… الشقة مش أحسن حاجة… من ساعة أمي ما توفت وأنا لوحدي… اعمليها بيتك.
ندى ابتسمت لأول مرة براحة.
قلعت الكعب وقالت:
— أعمل لك كوباية شاي؟
ابتسم محمود وقال:
— ياريت… نفسي فيها من الصبح.
دخلت المطبخ…

وووو
لو إنتي مكان ندى… هتنسى كلام أمها وتبدأ حياة جديدة؟ ولا الكلام ده هيفضل مأثر فيها؟ …
برأيكم… الحب ممكن ييجي بعد الجواز؟ ولا لازم يكون موجود من الأول؟
لو نفسك تشوف الجزء الجديد… أثبت وجودك!
اعمل لايك وسيب كومنت ، وما تنساش تصلي على سيدنا النبي ﷺ. قصة جامده مستنياك… تابعها من هنا

دخلت ندى المطبخ الصغير، وكانت المية في الحنفية بتنزل بصوت هادئ ومتقطع. فتحت الدرفة القديمة، لقت كيس شاي وسكر في برطمان إزاز قديم، وبراد صغير مطبق شوية من الجنب. وقفت لحظة، وبصت لإيدها اللي لسه لابسة فيها الدبلة الجديدة… تلمع في النور الأصفر الباهت للمطبخ. تنهدت براحة عميقة لأول مرة تحسها من سنين. صوت أمها، رغم قسوته اللي فضلت ترن في ودانها سنين، بدأ يغيب تدريجياً، وكأن جدران الشقة البسيطة دي في شبرا شكلت عازل حقيقي بينها وبين الماضي.

في الصالة، كان محمود قاعد على الكنبة، فك زرار القميص ووسع الكرافتة اللي كانت خنقاه طوال اليوم، ورفع راسه يبص حواليه في السكون. حياته كلها كانت ماشية على وتيرة واحدة: الشغل الصبح بدري في المصنع، صيانه الماكينات، ريحة الزيت والشحم اللي بتبقى لازقة في هدومه، ويرجع بالليل يلاقي الشقة ظالمة وفاضية. ما كانش بيفكر في الجواز كتير، لحد ما خالته فتحت عينه على ندى، ووصفتهاله ببنت الحلال الهادية اللي بتعرف ربنا. شافها في القعدة الأولى لابسة دريس بسيط وساكتة، حس إنها شبهه… مش بتاعة مظاهر ولا كلام كتير.

دخلت ندى وصينية الشاي في إيدها، وحطتها بحذر على الترابيزة الصغيرة قدامه. — تسلم إيدك يا ندى… تعبتي نفسك. — تعب إيه بس، دوت شوية شاي. قعدت ندى على الكرسي القريب، ومسك محمود كباية الشاي ورشف منها رشفة صغيرة، وبعدين بص لها بابتسامة هادية وقال بصوت صادق: — عارف إن أمك كانت قاسية في كلامها… كنت سامعها وهي بتكلمك قبل ما ننزل. وعارف إنك كنتِ متوقعة جوازة أحسن من كده، وفستان أفخم، وشقة في مجمع سكني جديد… بس أنا على قد حالي، وزي ما سمعتي، شغلي فني في المصنع. ندى بصتله باستغراب من صراحته المفاجئة، وقالت بهدوء: — محمود…

أنا طول عمري بتسمع كلام يجرح، ومش بس من أمي، من الدنيا كلها. تعودت إن الكلمة الحلوة عزيزة. بس أنا ما يهمنيش الفستان ولا الشقة الواسعة قد ما يهمني الراجل اللي هعيش معاه… يكون حنين وما يكسرش بخاطري. محمود لمعت في عيونه نظرة احترام عميقة، وقال بصوت دافئ: — أنا لا بقرأ في رومانسي ولا بعرف أقول كلام حلو زي بتوع المسلسلات. بس أقسم بالله، هعمل اللي أقدر عليه عشان أشوفك مرتاحة، وعمري ما هقولك كلمة توجعك زي اللي سمعتها النهارده. اعتبري اللي فات كله مات، واحنا دلوقتي في صفحة جديدة.

مرت الشهور الأولى على أسلوب هادئ ومستقر. ندى بدلت شكل الشقة الصغيرة بطريقتها؛ نظفتها، وعلقت ستائر بسيطة اشترتها من سوق شبرا، وبقت تعمل الأكل بحب. محمود كان بيلاحظ التغيير ده كله، وبدأ يحب يرجع البيت بدري عشان يشاهد ريحة الأكل الطازة ويلاقي مراته مستنياه بابتسامة هادية. بقا يجيب لها معاه كل خميس علبة بسبوسة من المحل اللي تحت الشغل، ويحطها قدامها ويقوله بضحكة خفيفة: “كلِي يا ستي.. مش بتحبي البسبوسة؟ ولا أنا هبقى زي أمك وأحاسبك عليها؟” تضحك ندى من قلبها، وتحس لأول مرة إن حياتها بدأت بجد.

وفي يوم، وهي في الشغل في دار الوثائق، بتنظف الغبار عن ملفات تاريخية قديمة، دخل عليها مدير القسم وبص لها بتقدير وقال: — يا مدام ندى، الشغل اللي عملتيه في فهرسة الملفات العثمانية دي هايل جداً. الإدارة بتفكر تنقلك مسؤولة عن قسم الأرشيف الرقمي الجديد، وده هيحسن مرتبك ويديكِ مكانة أكبر. فرحت ندى جداً، وحست إن ثقتها في نفسها اللي انهارت سنين بدأت ترجع حجر بحر. ولما رجعت البيت، جريت على محمود وهو لسه قالب هدومه وتعبان من الشغل، وحكت له بلهفة. محمود ما اكتفاش بس بإنه بارك لها، ده نزل جاب دستة جاتوه وقال بصوت مليان فخر:

— أنا جوز المهندسة الكبيرة… مش العادية! بكرة هتعرفي إنك أحسن ست في الدنيا، واللي ما قدركش زمان، هو اللي خسران. مع الوقت، الحب اللي ما بداش بقصص غرامية صاخبة، اتبنى على الاحترام، والأمان، والرحمة. ندى اكتشفت إن الحب الحقيقي مش اللي بييجي في الأول كبركان، ده اللي بيتبنى طوبة طوبة بالكلمة الطيبة والظهر السند وقت الشدة. وإن كلام الأم السلبي كان مجرد غيمة سودة في أول الصباح، راحت مع أول نسمة شمس حقيقية دفت قلبها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى