روايات

“لو هتقعدي معانا في البيت ده، يبقى تفتحي جيبك وتدفعي مقابل إقامة زي أي حد

“لو هتقعدي معانا في البيت ده، يبقى تفتحي جيبك وتدفعي مقابل إقامة زي أي حد”، الجملة دي من أمي كانت عاملة زي قلم نزل على وشي فجأة، لميت كركبتي وحاجاتي في صمت ومن غير ما تنزل مني دمعة واحدة.. وبعد أسبوع بالصدفة، أختي أخيرًا استوعبت مين اللي كان شايل البيت ده كله على كتافه وبدون مقابل.

“لو عاجبك القعدة ومستنية تكملي معانا، تبدأي تدفعي مصروف شقيتك زي أي بني آدم بالغ بيفهم.” أمي رمت الكلام ده في وشي أول ما دخلت من الباب، بعد ورديتين ورا بعض في العمل الشاق. كنت طالعة تعبانة، شعري منكوش، حذائي مبلل من المطر في الشارع، وعيني حمراء من قلة النوم.. مش شايفه قدامي وشاربة المر. الصالة كانت تفتح النفس على التعاسة: أطباق غير نظيفة على الطاولة، شنطة مدرسة مرمية، حليب مسكوب على الأرض، وأولاد أختي بيضـ,ـربوا بعض عشان الحاسوب اللوحي، وأختي شيرين قاعدة على الكنبة، متزوقة ولا كأنها رايحة فرح، ونازلة رغي في الهاتف مع الزبائن عشان بتبيع وحدات سكنية.

ولا حتى رفعت عينها تبصلي وأمي بتشاور عليا وكأني العالة اللي قاعدة على قلبهم. شيرين زتت كبريت وقالت: “أخيرًا يا ماما نطقتي! مريم عندها ثمانية وعشرين سنة، مش هيفضل البيت مفتوح لها طوال العمر بالسهولة دي.”

بدون مقابل؟ الكلمة دي شققت قلبي نصين. بقالي ثلاث سنين بدفع ثمن قعدتي دي من صحتي ودمي. مين اللي كان بيشيل سيف وياسين لما شيرين تنزل تسوق ولا تخرج ولا تتععب ولا يجيلها مزاج تريح؟ مين اللي بيحضّر السندوتشات، ويغسل المريلة، ويجري بيهم على الأنشطة في نص الليل، ويشترى الاحتياجات، ويدفع الفواتير لما يقولولي “معلش يا مريم، لما نقبض هنبقى نديكي”؟ كنت بنت لما يحبوا يؤمروا، وأخت لما يحتاجوا مصلحة، ومساعدة منزلية لما يحتاجوا رعاية.. بس عمري ما كنت إنسانة متعبة ليها حق تقول “أنا خلاص طاقتي انتهت.”

أمي تربعت وضمت إيديها: “كلنا بنحط في البيت، ولازم تتعلمي الشيل والمسئولية.” بصيت على المطبخ، اللعب المرمية، الملابس المتكومة.. الحاجات دي كلها أنا اللي كنت شايلاها ومنضفاها إمبارح بالليل قبل ما أنزل نبطشيتي، وفي ثواني، كل تعبي اتبخر وكأني ما عملتش حاجة. شيرين ضحكت ضحكة صفرا وقالت: “ما تعمليش فيها الضحية يا مريم، عيلين بتمسكي إيدك معاهم مش شغلة يعني.. ده واجبك ناحية أختك.”

في اللحظة دي، حاجة جوايا اتكسرت حتت صغيرة. ما اتكلمتش.. ما صرختش.. ولا قعدت أعدلهم أنا عملت إيه وما عملتش إيه. مشيت بهدوء على غرفتي، فتحت الدولاب وطلعت شنطتي الزرقاء اللي كنت شايلاها على جنب للموقف ده. رصيت ملابسي، أوراقي، حذاء العمل، كراسة تحويشتي، وصورة أبي الله يرحمه. أمي وقفت على باب الغرفة وهي بتبرق: “إنتي بتعملي إيه يا بت؟” قفلت السوستة وبصيت لها: “رايحة أدفع لكم الإيجار.. بأغلى حاجة حيلتي: غيابي.”

شيرين جرت ورايا على الباب وهي بتصرخ: “والله ما هتكملي يومين بره وراجعة جارية!” مسكت مفاتيحي وخرجت وقفلته ورايا من غير ما ألتفت. عدى أسبوع بالظبط.. شيرين بعتتلي رسالة، وبعدها بربع ساعة فضلت ترن وترن زي المجنونة، ولما فتحت السكة ورديت، سمعت صوتها بيرتعش وبيقولي كلام خلاني أقف في مكان مش مصدقة اللي بيحصل، واللي هيقلب الشقة دي على رأسهم في ساعات… القصة الكاملة: ثمن الجحود (التكملة المشوقة)

تجمدت رنة الهاتف في أذني، وكان صوت شيرين مرتعش ومكسور، وبدل نبرة التعالي والاستـ,ـفزاز اللي كانت فيها من أسبوع، كان فيه خوف وصدمة حقيقية: — الحقي يا مريم… تعالي والنبي حالا! البيت اتقلب فوقاني تحتاني، والعيال مش بيبطلوا بكاء، والكل بيصرخ، وأمي تعبت واضطروا ينقلوها للمركز الطبي للاطمئنان عليها… والشيخ… الشيخ اللي كنتي… قطعنا الكلام، وقفلنا السكة وأنا حاسة ببرودة في أطرافي. خلال الأسبوع اللي غبت فيه، شيرين اكتشفت أخيرًا يعني إيه “مريم” تكون موجودة في البيت. لمّا خرجت وسِبت الشقة، سابت ورايا جبل من المسؤوليات اللي كانوا فاكرينها “بيجوا بالساهل”.

العيال مكنش ليهم حد يقومهم الصبح، شنط المدرسة اترمَت، الفطار متحضرش، وسيف وياسين قلبوا الدنيا صياح وبكاء لأن مافيش حد بيذاكر لهم أو بيسمع طلباتهم. شيرين، اللي كانت مفكرة إن “بيع الشقق” هو الشغل الحقيقي وإن قعدة البيت دي رفاهية، لقت نفسها مرة واحدة قدام كارثة: شغلها الحقيقي اللي بيجيب دخل تأثر، وزباينها ابتعدوا لأنها مش فاضية تتابع معاهم، والبيت بقى غير منظم بالمرة، وأمي اللي اتعودت تامر وتنهي، لقت نفسها لوحدها قدام الانهـ,ـيار ده كله، فضل ضـ,ـغطها يرتفع لحد ما احتاجت للرعاية الطبية العاجلة بنفس الطريقة اللي كنت بطلع منها ميتة كل يوم!

أما عن “الشيخ” اللي شيرين جابت سيرته في نص كلامها المخنوق، فده كان سر الصدمة الأكبر.. السر اللي جعل شيرين وأمي يندموا أشد الندم على اليوم اللي فرطوا فيا بالكلمة الجارحة دي. مفاجأة الشيخ والقصة اللي ما حدش توقعها قبل ما أرجع البيت ولا أرد على توسلات شيرين، كان فيه حكاية تانية خالص بتتم برَا جدران الشقة، حكاية مرتبطة بيا أنا شخصيا وباليوم اللي سِبت فيه البيت.

لما طلعت من الشقة وأنا شايلة شنطتي الزرقاء، مكنش قدامي مكان أروحه غير مقر العمل الذي أقيم فيه أصلًا، أو أروح أقعد في غرفة صغيرة مؤقتة مع زميلتي. وفي نفس الليلة دي، كانت صدفة غريبة بتلعب لعبتها. الشيخ ياسين آل ناصر –رجل الأعمال الخليجي المشهور– كان بيدور على شخص معين في مصر، شخص كان بيحاول يوصل له من سنين طويلة. ومن ضمن الأماكن اللي زارها لمتابعة المبادرات الإنسانية والتبرعات للجهات الكبرى.. كان نفس المكان اللي بتواجد فيه!

الشيخ حضر في زيارة غير معلنة، وكان متعب شوية ومحتاج إسعافات سريعة، وصادف إن أنا.. مريم.. كنت قاعدة باخد نفسي بعد ساعات عمل طويلة متواصلة. دخلت أقدم له المساعدة الطبية وأنا مش عارفة هو مين، وتكلمت معاه بهدوء وثقة، وساعدته بلغة عربية سليمة وجميلة زي ما علمتني جدتي الله يرحمه. الشيخ بص لي باستغراب، وسألني: — اسمك إيه يا بنتي؟ رديت بصوت متعب: — مريم عبدالرحمن يا فندم. الشيخ اتجمد مكانه، ومسك أيدي بقوة وقال بصوت متهدج: — عبدالرحمن إيه؟ قلت له اسم أبي الله يرحمه: “عادل عبدالرحمن”.

هنا كانت المفاجأة اللي هزت المكان! الشيخ ياسين طلع هو الشخص نفسه اللي كان بيدور على والدي من 18 سنة، ووالدي هو اللي كان أنقذه زمان في الصحراء الخليجية وعرض حياته للخطر عشان ينقذه، وبعدها اختفى والدي وظن الجميع إنه سافر، لكن الشيخ فضل طول عمره بيدور على عيلته عشان يرد الجميل أضعاف مضاعفة. نهاية الجحود وبداية الحياة الجديدة الشيخ ياسين ما اكتشفش سر والدي وبس، ده كمان عرف بالقصة الكاملة لما حدث معي بسبب طلب “الإيجار”! غضب غضب شديد جدا، وقرر إن الوقت أتا عشان يظهر الحق لأهله.

في اليوم اللي كلمتني فيه شيرين وهي بتعيط، وصل قدام عمارة أهلي أسطول من السيارات الفارهة، ونزل منها الشيخ ياسين بنفسه، ومعاه حراسة منظمة، وطلعوا لحد شقة أمي وشيرين. شيرين فتحت الباب وهي مفكرة إنها طرد أو زيارة عادية، لقت الشيخ ياسين قدامها بكل هيبته، وورايا أنا.. مريم.. واقفة برأس مرفوعة، لابسة لبس يليق بامرأة قوية استردت كرامتها وعزتها، ومش شايلة شنطة زرقاء قديمة، دي شايلة مستقبلها كله بين إيديها.

الشيخ ياسين بص لمدخل الشقة وأمي الراقدة بتعب، وقال بصوت حازم وصارم خلى شيرين تتهز في مكانها: — جئتُ لأرد حق ابنة العادل.. الجوهرة التي أهملتموها، والتي لا تُقدر بالمال. من اليوم ده، انقلبت حياة شيرين وأمي رأساً على عقب، واتعلموا إن الإنسان مش مجرد أداة تخدم مصالحهم، وإن الكرامة والعلم هما الحصن الحقيقي اللي محدش يقدر يسلبه من حد.. أما أنا، فبدأت حياة جديدة كلياً بجانب من عرفوا قيمتي حق المعرفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى