روايات

لم يكن “أحمد” يرى في بيته سوى جدران صامتة

لم يكن “أحمد” يرى في بيته سوى جدران صامتة ومكانٍ يلقي فيه بجسده الإرهاق نهاية اليوم. سنوات قليلة كانت كفيلة بأن تحوله من زوج وشريك إلى مجرد غريب يشارك “سارة” سقفاً واحداً. كان يتجاهل تفاصيل يومها، لا يدري في أي صف دراسي صار أبناؤه، ولا يذكر متى كانت آخر مرة جلس فيها يتحدث معهم دون أن تكون عيناه معلقة بشاشة هاتفه. كانت سارة تحاول ترميم هذا الصمت يومياً، لكنها كانت تتلقى دائماً إجابات جافة وأعذاراً جاهزة عن ضغط العمل والمسؤوليات.
وفي إحدى الليالي، خلع أحمد ثياب العمل الروتينية، وارتدى أفضل ما لديه، واعتنى بعطره بشكل أثار ريبة سارة.

وقبل أن تسأله، التفت إليها بنبرة حادة وباردة: “عندي اجتماع مهم جداً مع عملاء جدد ومش هعرف أرجع قبل الفجر.. متستنيش ومتتصليش عشان مش هعرف أرد.” خرج مسرعاً، يسبقه عطره، بينما كانت الحقيقة أبسط وأبشع من ذلك بكثير؛ لم يكن هناك اجتماع ولا عملاء، بل كان ذاهباً للقاء فتاة أخرى في أحد الكافيهات البعيدة، يمارس طيشه ويهرب من مسؤولياته التي ظن أن بوسعه التملص منها للأبد.
بعد ساعة واحدة فقط من مغادرته، بدأت الحرارة تلتهم جسد طفلهما الصغير “عمر”. لم تكن حمى عادية، بل قفزت المؤشرات سريعاً، وبدأ الطفل يرتجف بشدة وينتحب بصوت خافت يعتصر القلب.

حاولت سارة استخدام الكمادات والأدوية المعتادة دون جدوى. وبحس الأم المخيف، شعرت أن الخطر يحيط بصغيرها.
أمسكت سارة هاتفها، وضغطت على رقم أحمد.
في الجهة الأخرى، كان هاتف أحمد يضيء على الطاولة المظلمة في الكافيه. نظر إلى الشاشة، رأى اسم “سارة” يتردد للمرة الأولى، فابتسم بسخرية ومسح على الشاشة ليجعل الهاتف صامتاً، ثم قلبه على وجهه وقال لمرافقته: “مشاكل البيت اللي مبتخلصش.. طنشي.”
تكررت المحاولات.. عشر مرات، عشرون، ثلاثون. وسارة تنتظر على الطرف الآخر والصوت الآلي يكرر جملته المعتادة بأن صاحب الرقم لا يجيب. ومع حلول منتصف الليل، تدهورت حالة عمر تماماً؛

بدأ يتنفس بصعوبة وشفتيه تتغير ألوانهما نحو الزرقة.
لم تعد سارة تحتمل الانتظار. احتضنت طفلها المريض بكل ما أوتيت من قوة، ونزلت تهرول في الشارع الخالي في ظلام الليل وهي تبكي وتصرخ مستغيثة بأي سيارة أجرة. كانت الدموع تعمي عينيها وهي تنتقل بين مشفيين اعتذرا عن عدم وجود مكان في العناية، حتى وصلت أخيراً إلى مستشفى كبير.
أسرع الأطباء بأخذ الصغير من بين يديها إلى غرفة الطوارئ، ومنها فوراً إلى العناية المركزة. خرج الطبيب بعد فترة وجيزة مجهداً، ليقول لها بنبرة حاسمة: “ابنك كان عنده انسداد تنفسي ناتج عن التهاب حاد..

لو تأخرتي نص ساعة كمان، كان الصغير هيروح منك.”
طوال تلك الليلة الطويلة، كانت سارة تجلس بمفردها على مقعد خرساني بارد في ممر المستشفى، تعتصر ألم الخوف والخذلان. كانت تمسك هاتفها، لا لترجو منه المساعدة، بل لتوثق فقط حجم الغياب.
في الخامسة صباحاً، عاد أحمد إلى الشقة بخطوات ثقيلة وهو يشعر بالنعاس بعد ليلة طويلة. فتح الباب ليرد عليه البيت بسكون خنّاق. دخل غرفة النوم فلم يجد سارة، توجه لغرفة أطفاله فوجد الأسرّة فارغة والألعاب ملقاة على الأرض.
انتابه شعور غريب بالريبة، فأخرج هاتفه من جيبه.
هنا فقط، استوعب حجم الكارثة.

كان الهاتف يضج بأكثر من خمسين مكالمة مفقودة، وعشرات الرسائل التي تتدرج من التوسل إلى الرعب، وكان آخرها رسالة أرسلتها سارة قبل ساعتين، مكتوب فيها بخط مختصر وقاسٍ:
“عمر بين الحياة والموت في العناية المركزة بمستشفى (..) .. ومكالماتك اللي اتجاهلتها كانت عشان تجيب علاج ابنك. خليك في شغلك.. وجودك خلاص مابقاش ليه قيمة.”
سقط الهاتف من يد أحمد على الأرض ليتهشم زجاجه، وسقطت معه كل الأعذار التي كان يبنيها لنفسه. خرج يركض في الذهول نحو المستشفى، لكنه كان يعلم في أعمق نقطة بداخل أن الشيء الذي كُسر في تلك الليلة بينه وبين بيته، لن يعود كما كان أبداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى