رفعت المسـ,ـدس في وشه وإيدي بتتخض من كثر الغضـ,ـب والشك، والدـ,ـم كان بيغلي في عروقي. صرخت فيه بصوت يرعب: “انت مين وبتعمل إيه هنا؟!” الراجل اتخض ورجع لورا بسرعه، ورفع إيديه الاتنين فوق وهو بيلعثم: “يا بيه اهدى الله يخليك! أنا أحمد السباك!” في اللحظة دي طلعت مراتي تجري من المطبخ وهي ماسكة جردل وفوطة، وأول ما شافت المسـ,ـدس في إيدي اتسمرت مكانها وصرخت: “إيه ده يا مجنون؟! منين جبت المسـ,ـدس ده؟!”
وقفت مذهول، عيني اتنقلت بين المسـ,ـدس وبين الراجل اللي واقف مرعـ,ـوب، وبعدين بصيت على الأرض… لقيت السباك حاطط شنطة عدته مفتوحة جنبه، والأرض غرقانة مية، والراجل كان طالع من الحمام وهدومه كلها مية وطين! ـ,ـالسباك اتكلم بصوت يترعش: “يا باشا الحنفية والماسورة الرئيسية ضـ,ـربوا في الحمام من امبارح، ومدام سمر كلمتني الصبح عشان ألحق الشقة قبل ما تغرق وتغرق الجيران! والله ما عملت حاجة غلط!” افتكرت المكالمة بتاعة امبارح… لما سألتها بتكلمي مين وقالتلي “واحدة صاحبتي”.
مراتي بصتلي بغضب وحزن وقالت: “امبارح كنت بكلم ندى صاحبتي عشان باخد منها رقم سباك كويس ومحترم، لأن المية كانت بتخر وأنا مكنتش عوزة أنكد عليك وأنت في الشغل. تسيبني الشقة بتغرق، وتروح تشتري مسـ,ـدس عشان تقـ,ـتل الراجل اللي جاي يصلح السباكة؟!” في اللحظة دي حسيت بالحـ,ـرج والصدمة في نفس الوقت. الشك اللي كان عاطي لعقلي غشاوة اتفك في ثانية، ونزلت المسـ,ـدس بسرعة وأنا مش عارف أودي وشي فين.
نظرت للسباك وقلتله ونفسي مقطوع: “أنا… أنا آسف يا أستاذا أحمد، حقك عليا، العيل الصغير كان سايب لعبة على شكل مسـ,ـدس ف افتكرتك حرامي دخل الشقة غدر!” (طبعاً ما قدرتوش أقوله إني اشتريته عشان شاكك!). السباك اتنفس الصعداء ومسح عرقه وقال وهو بيضحك بقلة حيلة: “ولا يهمك يا بيه، بس أبقى اتأكد الأول بعد كده عشان كدت توديني في داهية بسبب مواسير مكسورة!” دخلت الأوضة وأنا حاسس بقمة الندم، حطيت المسدس (اللي اكتشفت إني اتسرعت جداً في خطوة زيه) ووعدت نفسي إني عمري ما هسيب الظنون والشكوك تهدم بيتي وتوصلني للمرحلة دي تاني.
رجعت الصالة وأنا حاسس إن رجليا مش شايلاني، الشك لما بيدخل بين زوجين بيبقى زي السوس، بياكل في القواعد لحد ما يهد البيت فوق دماغ أصحابه. مراتي كانت واقفة جنب السباك بتمسح المية اللي مالية الأرض، بس نظراتها ليا كانت أشد من أي طلقة ممكن تخرج من المسدس ده. نظرة فيها خيبة أمل ومفيهاش ذرة أمان. السباك حاول يلطف الجو عشان يخلص شغله ويمشي من الشقّة اللي أصحابها مجانين دول، قال وهو بيشيل الشنطة:
“أنا غيرت الجلدة وعالجت الماسورة يا مدام، بس ياريت الباشا يهدى شوية المرة الجاية.. أنا عندي عيال عاوز أربيها والله!”
طلعت من جيبي مبلغ أضعاف اللي يستحقه من كتر الخجل، واديتوا له وأنا بكرر اعتذاري. الراجل أخد الفلوس وهو مش مصدق، وأول ما الباب اتقفل وراه، ساد في الشقة هدوء مرعب.. هدوء أصعب بكتير من صوت الصريخ اللي كان من شوية. قربت من “سمر” وبدأت أتكلم بصوت واطي ومخـ,ـنوق:
— “سمر.. أنا مش عارف أقولك إيه، أنا…” قطعت كلامي وهي بترفع إيدها، وعينيها مليانة دموع حبساها بالعافية:
— “أنت كنت فاكر إيه يا حازم؟ كنت فاكر إني بخـ,ـونك؟ للدرجة دي أنا رخيصة في نظرك؟ للدرجة دي مفيش بيننا أي ثقة؟”
— “والله العظيم الموضوع مش كده! أنا الفترة اللي فاتت الشغل كان ضاغطني، والتغيير اللي شفته فيكي وتلفوناتك المتأخرة خلاني…” ردت بصوت حاد ومجـ,ـروح:
— “خلتك تروح تشتري مسدس؟! أنت مستوعب أنت عملت إيه؟! أنت كنت هتقـ,ـتل بني آدم بريء في بيتك! ولو مكنش هو.. كنت هتقـ,ـتلني أنا؟!” الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. “كنت هتقـ,ـتلني أنا؟” الكلمة دي كانت الطـ,ـعنة الحقيقية اللي فوقتني من غيبوبتي. أنا فعلاً سمحت لأفكاري السودا والشـ,ـيطان إنه يخليني أتصرف زي المجرمين.
حاولت ألقي السـ,ـلاح الفاسد اللي في إيدي وأقرب منها، بس هي رجعت خطوة لورا وكأنها خايفة مني. اللحظة دي كسرتني بجد. أنك تشوف نظرة الخوف في عين أكتر إنسان بتحبه، وتعرف إنك أنت السبب في الخوف ده.. ده أصعب شعور ممكن يمر بيه راجل. سابتني ودخلت الأوضة وقفلت الباب على نفسها بالمفتاح. قعدت على أقرب كرسي في الصالة، وبصيت على بقايا المية اللي على الأرض، والمواكبة اللي أحدثتها في لحظة غضب وطيش.
عدت الساعات وأنا قاعد مكان في الضلمة، مش قادر أنام ولا قادر أتحرك. الصبح طلع، وسعت صوت الباب بيتفتح، طلعت سمر وهي لابسة هدوم الخروج وماسكة شنطة هدوم صغيرة. قمت وقفت بسرعة وقلبي بيلف:
— “سمر! أنتِ رايحة فين؟” بصتلي بنظرة هادية، بس هدوء يخوف، وقالت:
— “أنا رايحة عند بابا يا حازم. أنا محتاجة وقت أبعد عنك وعن البيت ده. مش عشان زعلانة من الشك بس.. أنا بقيت خايفة منك. واللي يخاف من جوزه مش هيعرف يعيش معاه.”
حاولت أترجاها، مسكت إيدها وبكيت—ولأول مرة في حياتي أبكي بالشكل ده—عشقت تراب رجلها عشان تسامحني وتديني فرصة تانية. اتعهدت لها إني هتعالج من الشك ده، وإني هرمي المسـ,ـدس ده في البحر، وإني مستعد أعمل أي حاجة عشان أرجع أمانها تاني. سمر بصت لدموعي ورقت شوية، بس قالت وهي بتسحب إيدها بالراحة:
— “لو عايز تبدأ صفحة جديدة بجد يا حازم.. يبقى لازم تتغير من جوة الأول. المـ,ـسدس ترميه، والشك اللي في قلبك تقتـ,ـله. أنا مش هطلب الطلاق، بس مش هرجع غير لما أحس إن حازم اللي اتجوزته هو اللي واقف قدامي.. مش واحد تاني شايل سـ,ـلاح وخايف من خيالاته.”
مشيت وسابت الباب مفتوح وراها. في اليوم ده، أخدت المسـ,ـدس ونزلت بيه، رميته في مكان أمن والتزمت إني أخلص منه للأبد. وبدأت رحلة علاج وتأهيل لنفسي قبل ما تكون عشانها. عرفت إن الثقة مش كلمة بنقولها، الثقة دي حيطة بنبنيها طوبة طوبة، ولما تتهد بسبب لحظة جنون.. بنايتها بياخد سنين. مرت شهور وأنا بحاول أثبتلها كل يوم بفعلي مش بكلامي إني اتغيرت، لحد ما جه اليوم اللي رن فيه جرس الباب، وفتحت ولقيتها واقفة ومبتسمة ابتسامة خفيفة وقالتلي: “الحنفية بتخر تاني يا حازم.. هتجيب السباك ولا أطلبه أنا؟”
في اللحظة دي بس، عرفت إن الحياة أديتني فرصة تانية.. وإني عمري ما هفرط فيها.