روايات

كانت ليلة خروج مريم من المستشفى بداية لكابوس لم تكن تتوقعه

كانت ليلة خروج مريم من المستشفى بداية لكابو.س لم تكن تتوقعه. العملية القيصرية كانت صعبة وطارئة، وخيوط الجرح في أسفل بطنها تشد كل عصب في جسدها، تمنعها حتى من مجرد الضحك أو السعال أو التمدد براحة. في تلك الشقة الواسعة في بيت العائلة، كانت رائحة الأدوية والمطهرات تختلط برائحة البودرة الخاصة بمولودتها الأولى “نور”. كان كل ما ترجوه مريم هو بيئة دافئة تسند ضعفها المؤقت، لكن عيني حماتها، الحاجة فاطمة، كانتا ترقبان كل أنّة تخرج منها بنظرات محتقنة تخفي غيرة وغضباً غير مبرر.
مع حلول الصباح الباكر، استعد الزوج “حازم” للذهاب إلى عمله بعد إجازة قصيرة اضطر لقطعها لظروف طارئة.

وقف بجوار السرير يقبل جبين مريم ويوصيها بالراحة التامة، ثم التفت لأمه وكرر رجاءه: “أمي، مريم لسه مكملتش خمس أيام، وجرحها مفتوح وبتتألم مع كل حركة، خلي بالك منها ومن البنت لحد ما أرجع”. رسمت الحاجة فاطمة ابتسامة هادئة وقالت بصوت ناعم: “دي بنتي يا حازم، متشلش هم، روح شغلك وبالك مرتاح، البيت كله في خدمتها”.
لم تكد تمر نصف ساعة على إغلاق باب الشقة حتى تبدلت ملامح البيت بالكامل. دخلت الحماة غرفة النوم دون استئذان، وفتحت الستائر بقسوة ليدخل ضوء النهار الساطع في عيني مريم المتعبتين من السهر طوال الليل مع بكاء الرضيعة.

وقفت فاطمة عند طرف السرير، واضعة يديها في خصرها، ونادت بصوت حاد: “إيه يا عروسة؟ هتفضلي نايمة كده للضهر والبيت يض.رب يقلب؟ ولا فاكرة نفسك جاية أوتيل هنا نتفرج عليكي؟”.
حاولت مريم رفع رأسها بصعوبة بالغة، وهمست بصوت خافت: “يا طنط، أنا منمتش من إمبارح، ونور كانت بتبكي، وعندي وجع فظيع في ضهري ومكان الجرح، يدوب قادرة أرضعها”.
لوت الحماة شفتيها بتهكم وقالت ببرود شديد: “بلا جرح بلا كلام دكاترة فاضي! إحنا ياما ولدنا في بيوتنا وقومنا من تاني يوم نخبز ونطبخ ونغسل ع الترعة، جيل مايع ميعرفش غير الدلع.

قومي انزلي المطبخ، عايزاكي تعمليلي فطار سخن وكوباية شاي مظبوطة، وتغسلي المواعين اللي من إمبارح، وأخوات حازم جايين يتغدوا والبيت عايز مسح وترتيب، مش هنفضح نفسنا قدام الناس ونقول مرات ابننا نايمة ومبتتحركش”.
حاولت مريم الاستعطاف: “أرجوكي يا طنط بس يومين لحد ما أفك السلك، والله مش قادرة حتى أقف على رجلي”. لكن الرد جاء صاعقاً وجافاً: “لو مقومتيش حالاً هكلم حازم وأقوله إنك بتقللي أدبك عليا ومش عاجبك عيشتنا، وقومتي تزعقيلي في وشي! خلصي يا هانم”.
خافت مريم من إثارة المشاكل، ولم تكن تريد أن تضع زوجها بين نارين وهو في عمله.

تحاملت على آلامها القاتلة، ووضعت يدها على جرحها لتكتم وجعه، ونهضت خطوة بخطوة تسند نفسها على الجدران. كل خطوة كانت كأنها نزول على سكاكين حادة، بينما الحماة تمشي أمامها بلا أدنى رحمة.
في المطبخ، كان المشهد شاقاً؛ أوانٍ متراكمة وأرضية باردة. وقفت مريم أمام الموقد تشعل النار، والحرارة تتصاعد لتضاعف من شعورها بالدوار والغثيان. أعدت الإفطار بيدين مرتعشتين، وقدّمت الصينية لحماتها في الصالة، لكن الحماة لم تكتفِ بذلك، بل دفعت الصينية بطرف يدها قائلة: “الشاي بارد والبيض مالح! خدي امسحي طرقة البيت دي الأول عشان التراب، وبعدين ارجعي شيلي الزفر من الفراخ واعملي شوربة عشان الغدا”.

انحنت مريم لتلتقط ممسحة الأرضية، وكان مجرد الانحناء كفيلاً بأن يفجر آلاماً غير محتملة أسفل بطنها. وفجأة، شعرت بسخونة شديدة تسري في ملابسها، وسواد كثيف يغطي عينيها، ورنين حاد في أذنيها. حاولت التشبث بحافة الباب، لكن جسدها المنهك خانها، فسقطت أرضاً وارتطمت رأسها بالأرضية، وفقدت الوعي تماماً، بينما الدماء بدأت تتسرب من موضع عمليتها.
وقفت الحماة تنظر إليها ببرود، وبدلاً من طلب الإسعاف، بدأت تصرخ بغيظ: “قومي بلا تمثيل ودلع حريم، قومي متعمليش علينا مسرحية!”.

في هذه الأثناء، كان حازم قد عاد إلى البيت بعد ساعتين فقط ليأخذ ملفاً مهماً نسيه في مكتبه، ليُصدم بصرخات طفلته الرضيعة المتروكة وحدها في الغرفة، وبمنظر زوجته الملقاة بلا حراك في صالة الشقة وغارقة في دمائها، بينما والدته تقف بعيداً تزمجر بغضب.
جن جنون حازم، وسقط بجوار زوجته يصرخ باسمها ويحاول إفاقتها، ثم حملها بين ذراعيه وهرع بها نحو سيارته متجهاً إلى أقرب مستشفى طوارئ. داخل غرفة العمليات، مكث الأطباء أكثر من ساعتين لمعالجة النزيف الحاد وإعادة تقطيب الجرح الذي انفتح بفعل الإجهاد البدني العنيف.
خرج الطبيب بملامح غاضبة وقال لحازم:

“لو اتأخرت ربع ساعة كمان كنت خسرت مراتك! الست لسه والدة قيصري وعندها هبوط حاد في الضغط ونزيف داخلي بسبب مجهود بدني مستحيل تتحمله واحدة في حالتها! إزاي تسيبوها كده؟”.
انهار حازم باكياً من شدة الشعور بالذنب والندم على ثقته العمياء. وعندما اتصلت به والدته لتبرر موقفها وتقول “دي بتتدلع وعايزة تصغرك قدام أهلك”، قاطعها حازم لأول مرة في حياته بصوت قوي وحاسم: “الدلع ده كان هيق.تل مراتي وأم بنتي يا أمي! لحد هنا وكفاية، مريم مش هترجع البيت ده تاني”.
اتصل حازم بوالدة مريم واعتذر لها بدموعه، وطلب منها أن تستقبل ابنتها لترعاها رعاية كاملة حتى تشفى.

وبعد خروج مريم من المستشفى، استأجر حازم شقة مستقلة بعيدة تماماً عن بيت العائلة، واضعاً حداً فاصلاً بين بره بوالدته في حدود المعقول، وبين حماية زوجته وابنته وكرامتهما وصحتهما التي لا تقبل المساومة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى