روايات

القصة: زوجة تدعم جوزها لحد ما يوقف على رجله، وتكتشف بالصدفة إنه متجوز عليها أقرب صديقة ليها ومأجر لها شقة بنفس العمارة.

القصة: زوجة تدعم جوزها لحد ما يوقف على رجله، وتكتشف بالصدفة إنه متجوز عليها أقرب صديقة ليها ومأجر لها شقة بنفس العمارة. كانت «سارة» تعتقد أن الحب يُقاس بحجم التضحيات. عندما تخلى الجميع عن «عمر» إثر إفلاس شركته المفاجئ وتراكم الديون عليه، كانت هي الوحيدة التي وقفت كالسد المنيع. لم تكتفِ بالدعم المعنوي، بل باعت ذهبها، واستنزفت مدخراتها الخاصة، وحتى راتبها من عملها كمهندسة كان يذهب بالكامل لسداد أقساطه ولإعادة إطلاق مشروعه الجديد.

على مدار ثلاث سنوات عجاف، كانت سارة هي العصب الذي يسند البيت. وفي تلك الأيام الصعبة، لم تكن تجد سلوى سوى في صديقة عمرها وأقرب الناس لقلبها «مريم». كانت مريم تزورها يومياً، تستمع لشكواها، تطمئنها بأنياب مستعارة: “معلش يا سارة، عمر راجل أصيل ومفيش زيّه، وبكرة يوقف على رجله ويردلك كل ده ضعف”. وبالفعل، دارت الأيام، وابتسمت الحظوظ لعمر. نجحت شركته الجديدة نجاحاً باهراً، وبدأت الأموال تتدفق من جديد. أحست سارة بتعب السنين يتلاشى وهو يعوضها مادياً، ويشتري لهما شقة جديدة وفخمة في أحد الأحياء الراقية. انتقلا إلى العمارة الجديدة، وكانت الحياة تبدو وأخيراً كصفحة بيضاء خالية من الهموم.

لكن الأقدار كانت تضمّر لها مفاجأة أشد ضراوة من الفقر. في أحد أيام الثلاثاء، عادت سارة من عملها مبكراً على غير العادة بسبب إلغاء اجتماع مفاجئ. أثناء صعودها في المصعد إلى شقتها بالدور الخامس، توقف المصعد في الدور الثالث، ودخلت إحدى جارات العمارة. تبادلا التحية، وقالت الجارة بابتسامة عفوية: ـ “أهلاً يا مدام سارة.. ما شاء الله، الأستاذ عمر متكفل بكل حاجة في العمارة، حتى لما شقة الدور الثالث جارتنا الجديدة سكنت فيها، هو اللي أشرف على كل التصليحات بنفسه.. زوج مثالي بصراحة!”

ابتسمت سارة بذهول خفيف وشكرتها، لكن كلماتها زرعت شوكة صغيرة في قلبها. شقة في الدور الثالث؟ عمر لم يذكر قط أن هناك أحداً أجر شقة في نفس العمارة، ناهيك عن أن يشرف على تصليحاتها بنفسه! نزلت سارة في الدور الثالث بدلاً من الخروج في دورها. كتمت أنفاسها ومشت بخطوات بطيئة نحو الشقة المذكورة. كان باب الشقة موارباً قليلاً، وصوت الضحكات ينساب منه بوضوح. صوت ضحكة تعرفها جرفتها بين أمواج الذهول.. إنها ضحكة «مريم».

اقتربت سارة بجسد يرتجف، ونظرت من الفتحة الصغيرة. كانت الصدمة أكبر من أن يستوعبها عقل: عمر يقف في الصالة، يحمل بين يديه أكياس الهدايا، ومريم تقف أمامه بدلال تتأنق له، وتشكره على “عش الزوجية الهادئ” الذي اختاره لها بجواره ليكون قريباً منها في أي وقت! استمعت سارة لكلماته وهو يقول لمريم: “سارة طيبة ومش بتشك في حاجة، وأنا مكنتش أقدر أبعد عنك يا مريم.. الشقة دي أمنة ومحدش هيعرف عنها حاجة، إنتي مراتي وحبيبتي اللي اخترتها بقلبي”.

في تلك اللحظة، لم تصرخ سارة، ولم تقتحم الباب. تجمّد الدم في عروقها، وشعرت وكأن خنجراً مُسموماً غُرِس في ظهرها بأيدي الشخصين اللذين وهبتهما أثمن ما تملك: سنوات شبابها، ومالها، وثقتها المطلقة. انسحبت بسكون، وصعدت إلى شقتها. جلست في العتمة لتستوعب حجم الغـ,ـدر. طعـ,ـنوها ليس فقط بالخـ,ـيانتين (الزوج والصديقة)، بل بالوقـ,ـاحة التي جعلتهم يضعون السـ,ـكينة تحت سقف واحد وفي نفس البناية، ليستغفلوا عينيها يومياً. لكن سارة التي ساندت رجلاً حتى نهض من العدم، لم تكن المرأة التي تنهار وتنوح. مسحت دموعها التي سقطت بحرقة، وقررت أن البكاء استنزاف لا يستحقانه.

بدأت سارة برسم خطة هادئة وباردة كالثلج: الجانب المالي: جمعت كل الأوراق والمستندات التي تثبت أن الأموال التي بُنيت بها شركة عمر الجديدة كانت من حسابها ومن بيع ممتلكاتها الخاصة خلال سنوات أزمته. الجانب القانوني: استعانت بمحامٍ كفء وثقة، وسجلت حركة دخوله وخروجه من شقة الدور الثالث، حتى حصلت على عقد الزواج الرسمي للزوجين الخائنين. المواجهة الأبديّة: لم تستعجل، بل انتظرت يوم ميلاد عمر. في يوم ميلاده، عزمت مريم (بصفتها الصديقة المقربة) وعمر على العشاء في منزلها. ظن عمر أن سارة تُعد له مفاجأة رومانسية، وظنت مريم أنها تلعب دور الصديقة المخلصة ببراعة.

على طاولة العشاء، وضعت سارة صندوقاً مغلفاً بجمال أمام عمر. قال عمر بابتسامة: “إيه المفاجأة دي يا سارة؟” ردت سارة بنبرة هادئة وابتسامة غامضة: “افتح الهدية يا عمر.. دي ثمن السنين اللي وقفت فيها جمبك”. فتح عمر الصندوق، ليتغير لون وجهه ويتحول إلى الأصفر الكالح. لم تكن هناك هدية، بل: نسخة من عقد زواجه من مريم. عقد إيجار شقة الدور الثالث. دعوى قضائية لاسترداد كافة أموالها وحصتها الشريكة في الشركة بناءً على التحويلات البنكية.

وإخطار بدعوى طلاق للضرر. ساد الصمت كالمقابر. اتسعت عينا مريم بالرعب، بينما وقف عمر متلعثماً: “سارة.. إنتي فاهمة غلط.. أنا…” قاطعة سارة بصوت صلب كالمعدن، ينبض بالكبرياء: “أنا فهمت صح يا عمر.. فهمت إنك كبرت ورجلك شالتك على فلوسي وتدبيري، ولما وقفت، اخترت ترمي اللي شالتك وتسكن خـ,ـيانتك في نفس العمارةتحت رجلي. وأنتي يا مريم.. كنتي بتواسين بأنيابك المسمومة.” وقفت سارة، وأشارت إلى الباب بثبات: “البيت ده بيتي، والشركة نصها بتاعي بالقانون. الشنط بتاعتك جاهزة عند الباب.. ينفع تنزل خطوتين تحت.. للدور الثالث، لعشكم اللي بنيتوه على جثـ,ـتي.”

خرج عمر ومريم يجران أذيال الخيبة والفـ,ـضاحة أمام الجيران، بينما أغلقت سارة الباب خلفهما. لم تكن خسارتها لهما سوى مكسب لذاتها؛ فقد أدركت أن الشجر المثمر لا يمـ,ـوت إذا قُطِع منه غصن خـ,ـائن، وأنها هي التي صنعت نجاحه، وقادرة على صناعة نجاحها الخاص… بعيداً عن القاع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى