يا ستي تعالي لي إما أحكي لك القصة دي من حارة “الخير والبركة”، وشوفي خناقة “سعاد” و”مدحت” اللي سمعت الشارع كله!
بداية القشة التي قصمت ظهر البعير كانت الساعة داخلة على ثمانية بالليل، والحر في الشقة يقطع النفس. سعاد واقفة في المطبخ بتدور في التربو، فتحت أدراج المطبخ درج درج:
بصلة واحدة مدبلة.
بطاطساية طالع لها زوايد.
ورواسب كيس مكرونة حواء مكملش كبشة!
خرجت سعاد مسكت الميزانية اللي كاتباها في كشكول قديم، بصت فيه بقلة حيلة، وطلعت الصالة.
مدحت جوزها كان ممدد على الكنبة بجلابيته البيتية، ماسك التلفون في إيده، يقلب في الفيديوهات ويفطس على نفسه من الضحك، وفي إيده كوباية شاي بنعناع!
سعاد قطعت ضحكته بصوت طالع بالعافية من الغـ,ـل: — “مدحت.. المطبخ مفيش فيه لقمة تتأكل، والواد سيف عاوز مصاريف للدرس بكرة، والكهرباء جت وقالت هتقطع لو مدفعناش الشهر ده! هنعمل إيه؟”
مدحت من غير ما يرفع عينه من الشاشة، هَز كتفه ببرود مستفز وقال: — “يعني هعمل إيه يعني يا سعاد؟ العيشة نايمة، وإنتي شايفة ظروف البلد.. اتصرفي من عندك لحد ما تفرج.”
سعاد اتعفرت: — “أتصرف منين يا مدحت؟!
هو أنا معايا مغارة علي بابا وأنا مش دارية؟ بقالك أربع شهور قاعد في البيت، سايب الشغلانة اللي في الشركة عشان ‘مش عجباك ومفيش هيبة’، وكل ما أقولك انزل دور على غيرها، تقولي السعي على العبد والرزق على الرب! إنت حتى مش بتسعى!”
شرارة الخـ,ـناقة ولحظة الصدام مدحت حط التلفون على الترابيزة ببطء، وابتسامته اختفت، وقعد نص قعدة وقال بنبرة فيها تعالٍ: — “جرى إيه يا سعاد؟ إنتي هتعملي عليا راجل ولا إيه؟ ما الستات كلها نازلة تشتغل وتساعد أزواجها! إنتي قاعدة في البيت بتعملي إيه طول النهار؟
روحي اشتغلي لك أي شغالة، انزلي حلي قسط الحضانة ولا هاتي مصاريف البيت بدل ما إنتي قاعدة تقرطميني كده! ما تنزلي تصرفي على البيت شوية وتشيلي معايا!”
هنا.. سعاد الدم غلى في عروقها، ودنها بدأت تصفر. كأن الجملة دي كانت الشرارة اللي ولعت في مخزن بارود جواها. قربت منه، ووقفت قصاده بثقة وغضب السنين طلع في صوتها:
— “أروح أشتغل عشان أصرف على البيت؟! هي مين فينا اللي راجل ومين الست يا مدحت؟!”
مدحت اتعدل وبرق لها: — “الزمي حدودك يا سعاد وأسلوبك يحسن!”
سعاد ضـ,ـربت كف بكف وصوتها علي، والشارع بدأ يسمع: — “حدودي؟!
لحد هنا وبس! أنا الست اللي شالت وفتحت البيت من اللحم الحي بقالها أربع شهور! بعت غويشتين أمي عشان ناكل ونتعلم، وسكت وقبلت القليل عشان أقول راجلي ومزنوق.. إنما توصل بيك الجرأة تقولي انزلي اشتغلي واصرفي عليا وعلى البيت؟! هو أنا الراجل ولا إنت؟!”
كdict مدحت شفايفه بغل وقال: — “الستات المحترمة بتمشي جنب رجالتم في المرة قبل الحلوة!”
ردت عليه بدبش ومن غير ما ترمش: — “الست بتمشي جنب راجل.. لما تلاقيه بيسعى وبيشق الأرض عشان يجيب القرش! بيصحى من الفجر يدور على لقمة عيش ولاده!
إنما لما ألاقيك ممدد طول النهار على الكنبة وتطلب شاي وقهوة وتقولي انزلي اشتغلي إنتي.. يبقى إنت كده مش راجل يا مدحت!” العاصفة وتدخل الجيران الكلمة نزلت على مدحت زي الصاعقة. “إنتي بتقوليلي أنا مش راجل؟!” وقف فجأة وطقطق أصابعه، وش وشه احمر من الغضب— “إنتي بتقوليلي أنا مش راجل؟!” وقف فجأة وطقطق أصابعه، ووشه احمر من الغضب لدرجة إن الشرايين نطت في رقبته.
الصوت كان جاب آخره، والكلمة رنت في الصالة وكأنها جرس إنذار حريق. مدحت قرب منها خطوتين وعينه بتطلع شرار، ورفع صوته هو كمان:
— “بقى أنا مش راجل يا سعاد؟! ده أنا اللي كنت شايل عيونكم في حضني، و.. و..” سكت لحظة وهو بيبلع ريقه لأن ما لقاش رد. كمل بعصبية وهو بيشير على نفسه: “طيب اقسم بالله ما أنا قاعدلك فيها، واديني ماشي ووريني بقى هتعملي إيه من غير الراجل اللي مش عاجبك ده!”
جرى على باب الشقة، خطف جلاليبته والشبشب، وفتح الباب ونزل طالع السلم خبط رزيع لحد ما الباب هز الحائط وراه. في اللحظة دي، باب الشقة اللي قصادهم اتفتح ببطء، وطلعت “أم حسن” جارة العُمر، ماسكة في إيدها صينية عليها كوباية مية بسكر، وفاتحة عينيها على آخرها:
— “يا ساتر يارب! إيه يا سعاد يا بنتي، صوتكم جاب أول الحارة! خير يا ستي، مدحت نزل مجنون كده ليه؟”
سعاد قعدت على أقرب كرسي، أنفاسها بتطلع وبتنزل بصعوبة، ودموع القهر والكبرياء مع بعض نزلت على خدها بس مسحتها بسرعة وقالت بصوت متهدج:
— “خليه يفيد نفسه يا أم حسن! قاعد أربع شهور حاطط إيد على إيد، ولما جيت أواجهه بالحقيقة ويقوم بمسئوليته، قالي انزلي اشتغلي وأنا اقعد في البيت! هو أنا اتجوزت راجل ولا أخدت ضرة؟!” أم حسن طبطبت على كتفها بحنان وقالت: — “معلش يا بنتي، الرجالة كبرياؤهم بيوجـ,ـعهم، وكلمة مش راجل دي بتجيبهم الأرض.. بس هو برضه غلطان، الشغل مش عيب، بس السعي على أكل العيش فرض عليه مش عليكي.”
سعاد هزت راسها بأسى وبصت للتربو الفارغ: — “فرض مين يا أم حسن.. والواد سيف ودروسه والكهربا اللي هتتقطع بكرة؟ سيبك منه، بكرة يلف ويرجع لما يعرف إن الحارة كلها مش هتأكله لقمة ولا هتدفعله إيجار.” وفي الناحية التانية.. مدحت كان نازل على السلم بخطوات سريعة وقلبه بيفور، خرج للشارع والحر لفحه، مش عارف يروح فين ولا يعمل إيه، وفضل واقف على أول الحارة ساهي، لا هو قادر يرجع بكرامته، ولا عارف يواجه الدنيا وفلوسه في جيبه صفر!