روايات

 اخويا عايز يتجوز بنت عمي لكن ابوها وراحنا عند عمي وطلب ايد بنت عمي

اخويا عايز يتجوز بنت عمي لكن ابوها وراحنا عند عمي وطلب ايد بنت عمي لكن المفاجاة عمي قالي انا مش موافق يا ساتر يارب.. القعدة كانت مقلوبة وفضلنا رايحين جايين في الشقة لحد ما ظبطنا هدومنا وطلعنا على بيت عمي “سعيد”. أخويا “محمود” كان ماشي جنبي وعروق رقبته بارزة من كتر التوتر، وعمال يفرك في إيديه كأنه رايح على حبل المشنقة. مش ملامة عليه، أصله رايح يطلب إيد بنت عمه “بسنت”، اللي رباني ورباه البيت مع بعض في نفس الشارع.

طلعنا الدور التاني، وخبطنا الخبطة المعروفة. فتح لنا عمي سعيد بجلابيته العادية ووشه البشوش، ورحب بينا بحرارة: “يا مرحب يا ولاد أخويا.. العشا نور والله!” دخلنا الصالون، قعدنا، وكل واحد فينا بيحاول يبتسم ويخبي قلبه اللي بيطير من كتر الدقات. أم محمود -أقصدي والدتنا، ربنا يرحمها- كانت دايماً تقول “العرق دساس”، واحنا كنا رايحين ناويين على بيعة نضيفة وصلة رحم تزيد متانة. بعد ما شربنا الشاي، جه وقت الجد. محمود تنحنح، وعدل قعدته، وبص لعمي سعيد بنظرة كلها احترام وقال:

“يا عمي.. أنا جيت لحضرتك النهارده، وطالب إيد بنت عمي بسنت.. على سنة الله ورسوله، وأنا زي ابنك وعارفني كويس.” عمي سعيد سكت.. ـ,ــ,ـما ردش فوراً زي ما متوقعين. حط كوباية الشاي بهدوء على الترابيزة، وبص للأرض لثواني، وبعدين رفع راسه وبص لمحمود في عينه مباشرة وقال بصوت هادئ وثابت: “يا محمود.. أنت ابني الغالي، وبسنت أختك، وأنا ما ألقى أجدع ولا أرجـل منك عريس ليها.. بس أنا للأسف.. مش موافق!”

الكلمة نزلت على ودانا زي صـ,ـاعقة في عز الصيف. أنا بصيت لمحمود، ومحمود بص لي، وعنينا خرجت شرار من الصدمة. الجو في الصالون اتجمد، وكل حاجة وقفت. أنا حسيت الدم فرفر في راسي، وبدون ما أحس بنفسي، لقيت لساني بيسبق عقلي، وقمت واقف ونطيت في وسط الكلام وأنا بقول بعصبية محبوسة: “مش موافق إزاي بس يا عمي؟! ليه كده؟! هو إحنا غُرب؟ ولا عيبنا في إيه؟!.. ده زمان.. زمان أبوك وأنتوا عملتوا نفس الحركة.. لما أبوي الله يرحمه طلب إيد أختك.. أبوك رفضه وكسر بخاطره!”

الكلمة طلعت عفوية ومن حرقة الدم، بس أول ما نطقتها، حسيت بالصمت الرهيب اللي جه بعدها. عمي سعيد اتغير لون وشة 180 درجة. الدم فر في وشه، وبص لي بنظرة مرعبة، وفضل ساكت لفترة حسيتها سنة كاملة. بعدين.. تنحنح بصوت عالي، وقال بصوت حزين ومليان غصة: “قعدت سنين طويل، وفاكر إنكم نسيتوا.. أو إن الزمن غطى على الجرح القديم ده.” بصينا له باستغراب، وكمل وهو بيفرك في إيده بحزن:

“أبوكم.. الله يرحمه، كان الكبير وسند البيت بعد وفـ,ـاة أبويا. زمان، ولما كنت أنا شاب طايش وبحب أخت أمكم بجد، رحت طلبتها منه بكل أدب واحترام.. تدري عمل فيا إيه؟ طردني من البيت، وقفل الباب في وطي، وقال بالحرف الواحد: ‘أنت لسه عيل وفصيح ومش هندخلكم بيوتنا بالشكل ده’. كسر خاطري قدام الشارع كله.. ويومها نذرت في نفسي إني لو بقيت أب.. هعمل اللي يخليني أرد الكسر ده، أو على الأقل أحسسكم باللي حسيت بيه يومها.”

المكان بقى أهدى من القبـ,ـور. أنا بلعت ريقي بصعوبة، ومحمود كان باصص في الأرض وساكت تماماً، حزين على حاله وعلى أبوه وعلى عمه. عمي سعيد شاف حالة الانكسار اللي عشناها، فتنفس بعمق شديد، كأن جبل كبيييير نزل من على كتافه، وبص لمحمود وقال بابتسامة دافية هادية: “بس.. تدري يا محمود؟ وأنا قاعد قدامك دلوقتي، وببص في عيونك اللي شبه عيون أبوك الله يرحمه.. حسيت إن الدنيا ما تستاهلش الحقد والقلوب السودا دي. أنا جربت حرقة القلب دي، ومش هكون أنا السبب في إنها تتكرر بين ولاد الأخوات.”

وقف عمي سعيد، وفتح باب الأوضة اللي جوه، ونده بصوت عالي: “يا بسنت.. تعالي يا بنتي صبّي الشاي للعرسان!” محمود رفع راسه فجأة، وعيونه لمعت بدموع الفرحة اللي نطت في وشة، وأنا حسيت بروحنا رجعت لنا تاني، وعرفنا إن القلوب الطيبة دايماً بتصفي في الآخر، وإن العِشرة والدـ,ـم وعمري ما يهونوا أبداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى