اخت جوزي سخـ,ـنت حماتي عليا لم أكن أتوقع يومًا أن البيت الذي بنيت فيه ذكريات هادئة على مدار عامين سيتتحول جدرانه إلى ساحة حرب خفية، وأن الدفء الذي كانت تغمرني به حماتي “الحاجة فتحية” سيتجمد في لحظات، لمجرد أن أخت زوجي قررت أن تضرم النـ,ـار في الحطب.
بدأت القصة عندما عادت “نهى”، أخت زوجي أحمد، لتعيش في الشقة المقابلة لنا في نفس العمارة بعد طـ,ـلاقها. في البداية، استقبلتها بكل ود، وكنت أحاول جاهدًا التخفيف عنها، لكنني لم ألاحظ نبرة الغـ,ـل التي كانت تطل من عينيها كلما رأت أحمد يعاملني باحترام، أو كلما أعدت حماتي لي طبقًا تحبه من يدها وتقول: “ده لنور حبيبتي عشان تتغدى سوى”. بدأت نهى خطتها بذكاء خبيث، لم تهـ,ـاجمني علنًا، بل اعتمدت على طريقة “القطرة التي تثقب الصخر”. كانت تجلس مع أمها يوميًا بالساعات في غيابي، وتبدأ بالهمس التدريجي:
“شفتي يا أمي، نور بقت هي اللي تمشي أحمد.. ابنك مابقاش يعبرنا زي الأول.” “أنا شفتها امبارح شايلة أكياس أشكال وألوان، وابنك الغلبان شغال طافح الدـ,ـم وهي بتصرف فلوسه على أهلها.” “دي بتقول لسلفتها إنك بتتدخلي في حياتها وإنها مستحملة بالعافية!” في البداية، كانت الحاجة فتحية تدافع عني، لكن مع تكرار “الززن” اليومي وتأليف المواقف الشبه محبوكة، بدأ قلبه يتغير. لاحظت التحول فجأة؛ المعاملة الدافئة تحولت إلى جفاف تام، الابتسامة أصبحت نظرات شزر، وكلما حاولت تقديم المساعدة أو الكلام معها، كانت ترد بجفاف: “شكراً يا بنت الأصول، مش محتاجة من حد حاجة”.
كان أصعب ما في الأمر أن أحمد بدأ يتأثر. حماتي أصبحت تشكو له مني باستمرار وبشكل غامض: “مراتك مش محترماني، مراتك بتستقل بيا”، وأحمد المحتار بين أمه وزوجته بدأ يوجه لي اللوم ويطلب مني أن “أطيب خاطر أمه” دون أن أفهم ماذا فعلت أصلاً! وصلت التوتر لقمته في يوم عزومة عائلية كبيرة. قررت نهى أن تضـ,ـرب ضـ,ـربتها القاضية لتبطش بوجودي تمامًا في العيلة. أثناء تحضير الطعام، دخلت نهى المطبخ وقالت بنبرة ناعمة: “هاتِ يا نور أنا هكمل صينية البشاميل عنك، روحي أنتِ ارتاحي ششوية”. استغربت لطفتها المفاجئة لكنني استأذنت ودخلت غرفتي. بعد نصف ساعة، سمعت صراخًا يهز العمارة!
خرجت مسرعة لأجد حماتي تبكي بحـ,ـرقة، ونهى تمسك بسلسلة ذهبية قديمة، وهي غوايش أثرية غالية على قلب حماتي لأنها ذكرى من زوجها الراحل. كانت نهى تصيح وهي تشير إليّ: “أنا مش مصدقة يا أمي! لقيتها حاطة السلسلة في شنطتها! كنت حاسة إنها هي اللي بتاخد حاجتك الفترة اللي فاتت ومستغفياكي!” اتسعت عينيّ من الصدمة. التفت لأحمد الذي كان واقفًا مشدوهًا لا يعرف ماذا يفعل، والحاجة فتحية تنظر لي بنظرة خيبة أمل وقسوة لم أعهدها، وتقول بصوت يرتجف: “كده يا نور؟ ده أنا كبرتك وعملتك زي بنتي.. تسـ,ـرقيني وتكسـ,ـري قلبي؟”
في تلك اللحظة، شعرت أن الأرض تدور بي. لم أصرخ ولم أبكِ، بل أدركت أن هذا الموقف إما أن يقضي على حياتي أو ينهي هذه المهازل للأبد. نظرت لنهى بثبات وقلت: “شنطتي كانت في الصالة يا نهى.. ومفيش حد دخل الصالة غيرك لما قولتيلِي ادخلي ارتاحي”. ضحكت نهى بهستـ,ـيريا: “أنتِ كمان بترميني أنا بالتهمة؟ أحمد، شوف مراتك بتتهم أختك السـ,ـرقة عشان تخرج نفسها!”
اقتربت من أحمد، وبمنتهى الهدوء أخرجت هاتفي من جيبي. لم تكن نهى تعلم أننا منذ شهر تقريبًا، وبعد تزايد المشاكل الغامضة، قمنا بتركيب كاميرا مراقبة صغيرة جدًا ومخفية في صالة الشقة بناءً على نصيحة صديق لأحمد لحماية الشقة بعد عدة سـ,ـرقات في المنطقة. فتحت التطبيق على الموبايل أمام أحمد وحماتي. استرجعت تسجيل الساعة الأخيرة. ظهرت الشاشة بوضوح: نهى وهي تتسلل لغرفة أمها، تأخذ السلسلة، تذهب لشنطتي اليدوية المعلقة في الصالة، تضع السلسلة فيها، ثم تخرج وتبدأ في الصراخ!
ساد صمت مرعب في المكان. تحول وجه نهى إلى اللون الأبيض الشاحب، وسقطت اللقمة من يدها. الحاجة فتحية نظرت للشاشة ثم نظرت لابنتها بصدمة أشد بمليون مرة من صدمتها فيّ. التفت أحمد إلى أخته، وصوته يرتجف من الغضب: “أنتِ تعملي كده في أخوكي ومراته؟ أنتِ عايزة تخـ,ـربي بيتي؟” انهارت نهى في البكاء وهي تحاول التبرير: “دي هي اللي أخدتك منا.. دي عشتها أحسن مني وأنا مطلقة ومكسـ,ـورة!”
اقتربت الحاجة فتحية من نهى، ولأول مرة رأيتها تصرخ في ابنتها بغضب عارم: “أنا اللي ظننت في بنت الناس سوء بسبب سمّك اللي بتدبيه كل يوم في ودني! اطلعي على شقتك وماشوفش وشك هنا لحد ما تفوقي لنفسك!” التفتت إليّ حماتي، ودموع الحقيقة والندم في عينيها، أمسكت بيدي وضمتني إليها وهي تبكي وتعتذر. أما أحمد، فقد أدرك في تلك الليلة كم كان ظالمًا باستماعه للقيل والقال دون دليل.
منذ ذلك اليوم، تغير كل شيء. نهى تعلمت درسًا لن تنساه وأصبحت تلزم حدودها تمامًا، بينما أصبحت علاقتي بحماتي أقوى من أي وقت مضى، لأنها عرفت من الصادق ومن الذي كان يشعل النـ,ـار في الخفاء.