انا وانتي هنعيش زي الإخوات وأنا هفهم حبيبتي ان ده جواز ع الورق علشان انت عارفة الغيرة وكده…..
ظل ينظر اليها هو لم يفق بعد من صدمة جمالها ليصدم بفداحة ما فعله بها
قال بصوت متقطع:
الفجر إذ أذن هنزل أاصلي وانت كمان صلي، ولما أرجع لينا كلام تاني
غادر سريعًا من أمامها
بعد أن صلت وعاد جلس على الكرسي المنفرد في غرفة الجلوس وهي كانت واقفة أمامه بكامل نقابها
ظل ينظر إليها ثم قال
اقعدي
قال بهدوء…..على الكنبة
لتقف سريعًا تنفذ أمره دون كلام أخذ نفسًا عميقًا يحاول به تهدئة ض.ربات قلبه المؤلمة المتألمة وقال
تقدري ترفعي النقاب وتبقي براحتك
أيضًا نفذت بهدوء أجلى صوته ليقول
أولًا أنا عايز أعتذرلك عن اللي قولته أنا عارف إن مكنش في إيديكي حاجة تعمليها حتى انت بنت يعني ضعيفة ومتقدريش
تعترضي لكن أنا الراجل كان لازم أقف لجدي وأرفض الجواز بالطريقة دي
كانت تنظر أرضًا بصمت تستمع إليه وهي تتألم على حالها الذي جمعها مع شخص لا يحبها وعلى حاله الذي جعله معها وهو لا يطيقها أكمل هو كلماته قائلًا
انت بنت عمي وهعملك بما يرضي الله، بس
بس أنا بحب واحدة زميلتي في الشغل وعايز أتجوزها
رفعت عينيها تنظر إليه بألم ليشعر بنفس الإحساس من جديد كأنه يغرق في المحيط فأكمل هو قائلًا :
أنا وانت هنعيش زي الإخوات وأنا طبعًا هفهمها ده علشان انت عارفة الغيرة وكده وبعد فترة هعرف جدي إني عايز أتجوزها
تكلمت أخيرًا قائلة
طيب ووقتها أنا موقفي هيكون إيه
لينظر لها ببلادة من جمال صوتها ورقته ولكنه أجابها قائلًا
هتفضلي زي ما انتي ما أكيد جدي مش هيرضى يخليني أطلقك
لتضحك بسخرية وهي تقول :
يعني انت هتعيش حياتك مع الإنسانة اللي بتحبها وهتخلف وأنا هفضل عايشة هنا لوحدي من غير حد يحبني ويبقى معايا ويكون عندي أولاد صح
ليقطب جبينه وهو يفكر في كلماتها التي أشعرته بالخوف ولا يفهم السبب ولكنها معها حق كم هو أناني لم يفكر بها أنها صغيرة ومن حقها الحياة بطبيعية مع زوج يقدرها ويسعدها لكن ماذا عليه أن يفعل
قطعت أفكاره وهي تقف على قدميها وتتقدم من مكان جلوسه لتجثو على ركبتيها أمامه وقالت
أنا مش نحس ومش أنا اللي ق.تلت أبويا وأمي وياريت متنساش إني بقيت يتيمة ومليش سند في الدنيا دي لا يقف جنبي ولا
يقفلك فارجوك حكم ضميرك في كل حاجة تخصني وربنا ما بيني وبينك
وقفت لتغادره بعد أن قالت له
تصبح على خير
ظل جالسًا في مكانه يفكر في كلماتها إنها تشهد الله عليه ليس لها أحد غير الله هي وحيدة وجدي ظلمها وأنا أكمل ذلك الظلم البين وهي وكلت الله بيني وبينها
تنهد وهو يقول
ونِعم بالله يا رب ألهمني الصواب
كانت أيامهم هادئة لأنها بطبعها هادئة صوت القرآن لا ينقطع من المنزل وجباته في مواعيدها لم تسأله يومًا أين يذهب أو متى يعود كانت تخلع عنه حذاءه وتريح قدمه في بعض الماء الدافئ كانت لا
تتحدث كثيرًا إلا إذا سألها هو عن شيء
كل من بالبيت يظن أنهم سعداء سويًا من كثرة ابتسامها وقول الحمد لله لم تشتكي منه يومًا لأحد ولم يعرف أحد ما حدث بينهم من يوم زفافهم
حين أخبر نرمين بما حدث ثارت وغضبت وانفعلت عليه كان ينظر إليها باندهاش وهو يقارن رد فعلها برد فعل منه الله ولكنه برر لها ذلك بحبها له ولكن ما حدث بعدها بأسبوعين لم يمر مرور الكرام… كان عائدًا من العمل سعيدًا، فقد صالحته نرمين وعادت كما كانت معه من قبل.
ولكن حين دلف إلى المنزل واستقبلته منه بنفس الاستقبال، ولكن بعيون حمراء من كثرة البكاء، اندهش كثيرًا وسألها ما حدث، أجابت باقتضاب: تذكرت والدي.
صمت، ولكنه لم يقتنع، حتى بعد انتهائه من تناول غدائه الذي لم تشاركه فيه، ذهب إلى غرفته ليستريح قليلًا، ليجد علبة حمراء غريبة الشكل، فتحها ليصدم بما فيها بعض الصور له هو ونرمين وورقة مكتوب عليها
حتى أبقى معك دائمًا…… الرواية كاملة في الأسفل هتعجبكم اووي
وظل ينظر إلى تلك الورقة والعلبة المفتوحة في يده، والدم يغلي في عروقه. “حتى أبقى معك دائمًا”… كانت العبارة مكتوبة بأسلوب يقطر بخبثٍ لم يعهده في نرمين من قبل، ومعها صور لم تكن مجرد التقاطات عفوية في العمل، بل كانت صورًا تم التقاطها بعناية لتُظهر قربًا غير منطقي، وكأن من أرسلها كان يهدف لكسر قلب تلك المسكينة التي في الخارج. سار بخطوات ثقيلة ومضطربة نحو صالة الشقة. كانت «منه» تجلس على السجادة، تحتضن مصحفها الصغير وتسند رأسها إلى الحائط، وعيناها المنتفختان تعكسان كمية الألم الذي حاولت خفاءه طوال اليوم.
وقف أمامها، والعلبة في يده، وقال بصوت حاد يحاول به مدارية حيرته وجرمه: منه… إيه ده؟ ومين اللي جاب العلبة دي هنا؟ رفعت عينيها المجهدتين إليه، خالية منأي غضب، بل كانت مليئة بنظرة انكسار جعلت قلبه ينقبض بقوة. قالت ببطء ونبرة خافتة: الباب رن الصبح بدري، وواحد قال إنه دليفري ومشي بسرعة. فتحت العلبة عشان افتكرتها حاجة تخصك في الشغل… بس لقيت الصور دي. سكتت لحظة، ثم أردفت وهي تغلق المصحف بحنو:
متقلقش… أنا مش زعلانة إنك بتحبها، أنا عارفة موقعي كويس. أنا بس… وجعني قلبي لما حسيت إنك استرخصتني، وإنها جاية لحد بيتي عشان توريني إن ملهاش أمان ولا ليّا قيمة عندك. كتم أنفاسه، كان يظن أنها ستصرخ، ستعاتبه، أو تطلب منه التوضيح، لكن هدوءها كان أشد قسوة من أي عاصفة. حاول الدفاع عن نفسه وعن نرمين قائلاً: أصل… أكيد دي مش نرمين، أكيد حد عايز يعمل مشكلة بيني وبينها، أو بيني وبينك!
ابتسمت منه ابتسامة مريرة، مررت يدها على وجهها الباهت وقالت: خط إيدها أنا شفته قبل كده في أوراق الشغل اللي بتجيبها معاك… والصور دي هي اللي مصوراها بنفسها وموجودة على تليفونها. على العموم، ربنا يريح قلبك يا ابن عمي. أنا دخلت أجهزلك العشا، ومتشغلش بالك بيا… أنا اتعودت على الوجع. قامت ببطء وانصرفت إلى غرفتها الصغيرة، تاركة إياه يقف بمفرده في منتصف الصالة، والعلبة تثقل كاهله كأنها جبل من الحديد.
في تلك الليلة، لم يستطع النوم. ظل يتقلب في فراشه، وصوت كلماتها “أنا اتعودت على الوجع” يتردد في أذنيه كالصدى. قارن في عقله بين نرمين التي ملأت الدنيا صراخًا وغضبًا عندما أخبرها بأنه سيبقي منه على ذمته، والتي نسجت هذه المكيدة الصبيانية لتهين بنت عمه في بيتها… وبين منه التي تخدمه بكل رضا، وتتحمل ظلمه بابتسامة، وتلجأ للقرآن كلما ضاقت بها الدنيا. في الصباح الباكر، ذهب إلى الشركة وعيناه تشتعلان غضبًا. فور أن دخلت نرمين إلى مكتبه بابتسامتها المعتادة لتسأله عن حاله، ألقى الصور والعلبة على المكتب أمامه بغل.
تغيرت ملامحها وارتبكت، لكنها حاولت التصنع: إيه ده يا أحمد؟ في إيه؟ قال بصوت خفيض ونبرة حاسمة كالسيف: إنتي فاكرة إني عبيط؟ فاكرة إن الحركة دي هتخليني أطرد منه أو أهينها؟ دي بنت عمي يا نرمين، ومن دمائي! حتى لو مفيش بيني وبينها مشاعر، كرامتها من كرامتي. اللي عملتيه ده بينلي قد إيه إنتي إنسانة مريضة بالأنانية والغل! ثارت نرمين وصاحَت: أيوا أنا اللي بعتتها! عشان تفهم إنك ليا أنا وبس! عشان تعرف حجمها وما تصدقش نفسها إنها بقت مراتك! إنت نسيت إنك مغصوب عليها؟
نظر إليها أحمد وكأنه يرارها لأول مرة على حقيقتها، خالية من أي جمّال كان يراه سابقًا. قال ببرود قاتل: أنا فعلاً كنت مغصوب عليها… بس اكتشفت إن ربنا كان انقذني بيا من واحدة شبهك. اللي بيننا انتهى يا نرمين، وأتمنى تنقلي فرع تاني من بكرة. تركها وخرج من الشركة كلها، وأقدامه تقوده دون شعور نحو البيت. عندما فتح باب الشقة، استقبلته رائحة بخور هادئة وصوت الشيخ الحصري يرتل القرآن. كانت منه تجلس ترتق إحدى قمصانه بمهارة وهدوء. رفعت رأسها بدهشة لرؤيته في هذا الوقت المبكر:
أحمد؟ إنت رجعت بدري ليه؟ فيك حاجة؟ أطلبلك الدكتور؟ تقدم منها بخطوات ثابتة، وجلس على ركبتيه أمامها تمامًا، بنفس الوضعية التي جثت هي بها أمامه في ليلة زفافهما. صدمت منه من منظره، ونزلت عيناها لمستواها وهي تقول بارتباك: أحمد… إنت بتعمل إيه؟ قم يا ابن عمي ما يصحش كده! أمسك بيديها الصغيرتين الباردتين بين يديه الدافئتين، وقال وعيناه تترقرقان بالدموع: أنا اللي جيت أطلب منك تسامحيني يا منه… أنا كنت عمى، كنت فاكر الحب كلام وحركات وسيطرة، وما شوفتش إن الحب الحقيقي هو الأمان، والهدوء، والأصل الطيب اللي أظهرتيه في أكتر وقت أنا ظلمتك فيه.
اتسعت عيناها بحيرة وذهول، فأكمل هو بنبرة صادقة نابعة من أعمق نقطة في قلبه: أنا قفلت صفحة نرمين للأبد… والنهاردة أنا مش بطلب منك تفضلي معايا عشان جدي، ولا عشان إنتي يتيمة وملكيش حد… أنا بطلب منك تديني فرصة أكون أنا سندك وأبوكي وأخوكي وحبيبك… إدي فرصة لقلبي اللي بدأ يتعلم الحب على إيديكي من جديد. انهمرت الدموع من عيني منه، لكن هذه المرة لم تكن دموع وجع أو انكسار، بل كانت دموع عوض من الله، لتسقط قطرة منها على يده الممسكة بها، وتبدأ معها حكاية جديدة بُنيت على الأصل والضمير.