السكرتيرة رمت شنطة سفر قدامي وقالت وهي مبتسمة باستفزاز:
— خدي حاجتك… وامشي. ومش عايزين نشوف وشك هنا تاني.
بصيت لجوزي مستنية يقول لها تسكت.
لكنه ما قالش حاجة.
بالعكس…
وقف جنبها، ومد إيده وحاوط خصرها كأنه عايز يفهمني من غير كلام إن مكاني خلاص بقى ليها.
ابتسمت.
لا صرخت، ولا عيطت، ولا حتى سألت من إمتى.
دخلت أوضتي وبدأت ألم هدومي بهدوء.
وقبل ما أقفل الشنطة، فتحت الدرج اللي في آخر الدولاب وطلعت ملف طبي مقفول كنت محتفظة بيه من سنتين.
من سنتين، وبعد شهور من محاولاتنا للإنجاب من غير نتيجة، الدكتور طلب مننا إحنا الاتنين نعمل تحاليل.
أنا عملت تحاليلي.
وهو عمل تحاليله.
لكن يوم ما النتيجة ظهرت، جوزي رجع البيت ووشه متغير.
ولما سألته الدكتور قال له إيه، رد بعصبية:
— الموضوع انتهى. ومش عايز أسمع سيرة التحاليل دي تاني.
من يومها ما فتحناش الموضوع.
بس هو ماكانش يعرف إن نسخة التقرير فضلت معايا.
رجعت للصالة وأنا شايلة شنطتي.
السكرتيرة كانت قاعدة على الكنبة، وإيدها على بطنها، وقدامها فاتورة متابعة حمل باسمها.
بصيت للفاتورة…
وبعدين بصيت لجوزي.
وفجأة فهمت سبب الثقة الغريبة اللي في عينيها.
هي حامل.
وهو مقتنع إن الطفل ابنه.
ما قلتش كلمة.
حطيت الملف الطبي فوق الترابيزة، جنب فاتورة الحمل بالضبط.
وكتبت على الغلاف بقلم أسود:
إلى إيفان… افتح ده بعد ما أمشي.
مسكت شنطتي واتجهت ناحية الباب.
قبل ما أخرج، سمعته بيناديني:
— استني… إيه الملف ده؟
لفيت له بابتسامة هادية وقلت:
— حاجة قديمة. بس أعتقد إن وقتها جه.
خرجت.
ولسه الباب ما اتقفلش ورايا…
سمعت صوت الورق بيتفتح بسرعة.
بعدها ساد صمت غريب.
ثواني…
وسمعت صوت السكرتيرة:
— إيفان؟ مالك؟
ما اتحركتش.
وقفت بره الباب أسمع.
فجأة سمعت الكرسي بيتزق بعنــ,,ـــــف.
وبعدين صوته خرج مخنوق:
— لأ…
سكت لحظة.
ثم قال بصوت أعلى:
— لأ! ده مستحيل!
بصيت من فتحة الباب.
كان ماسك التقرير بإيدين بيرتعشوا.
قرأ أول صفحة مرة.
وبعدين رجع قرأها تاني.
وشه فقد لونه.
وركبته خانته…
ونزل على ركبته فوق أرضية الصالة وهو بيهمس:
— مستحيل… مستحيل يكون ده حقيقي.
السكرتيرة قامت بسرعة:
— فيه إيه؟!
رفع عينه لها ببطء.
وبعدين بص ناحية بطنها.
لأن التقرير اللي كان في إيده بيقول بوضوح إن الفحوصات اللي عملها من سنتين أثبتت وجود مشكلة شديدة جدًا في الخصوبة عنده، وإن فرص حدوث حمل طبيعي كانت شبه منعدمة من غير تدخل طبي.
والمصيبة؟
إن السكرتيرة كانت بتقول له إنها حامل طبيعي منه.
ساعتها فقط رفع التقرير في وشها وسألها بصوت مرعب:— الطفل اللي في بطنك… ابن مين؟!”الحكاية لم تنتهِ بعد…” رابط القصة الكاملة في أول تعليق. ✍️
السكون اللي نزل على الصالة فجأة كان أثقل من أي صوت عياط أو خناق. السكرتيرة اتجمدت مكانها، ولونها هرب تماماً زي ما هرب من وشه قبل ثواني. حاولت ترسم ابتسامة مرتبكة وقالت بصوت مهزوز: — إيفان حبيبي… أنت بتقول إيه؟ التقرير ده قديم وأكيد فيه غلطة، الدكاترة بيغلطوا عادي! الطفل ده ابنك، حبنا هو اللي عمل المعجزة دي!
ضحك إيفان، بس ضحكته كانت طالعة مكسورة ومرعبة في نفس الوقت. رمى الورق في وشها وتناثرت الصفحات الطبية على الأرض بين رجليهم: — معجزة؟! نسبة الصفر في المية مفيهاش معجزات يا ميرا! أنا خبيت التقرير ده سنتين عشان كبريائي، كنت بمــ,,ـــــوت كل يوم وأنا شايف نظرة الشفقة أو الرغبة في الخلفة في عين مراتي وساكت، عشان خايف أواجه حقيقتي… وجاية إنتِ في تلات شهور تلبسيني طفل مش ابني وتطردي صاحبة البيت بيه؟!
كنت لسه واقفة بره، مراقبة المشهد من فتحة الباب الموارب بهدوء غريب. البرود اللي دخلوا بيه عليا اتقلب لنــ,,ـــــار بتاكل فيهم هما الاتنين. ميرا بدأت ترجع لورا بخطوات مرتعشة لما شافته بيقرب منها وعينيه محتقنة بالدم: — انطقي! كنتِ بتستغفليني من إمتى؟! مين أبوه؟! شريكي في الشركة؟ ولا اللي كنتِ بتسافري معاه مأموريات الشغل وتتحججي بالاجتماعات؟! انهارت ميرا على الأرض وهي بتعيط بهستيريا حقيقية المرة دي، مش تمثيل زي ما كانت متعودة: — أنا عملت كده عشانك! عشان أربطك بيا، عشان تطلقها وتكون ليا لوحدي! غلطت… أيوة غلطت، بس مكنتش أعرف إن عندك المشكلة دي! افتكرتك سليم وهي اللي عاقر!
الكلمة نزلت عليه زي الكرباج. أدرك في اللحظة دي إنه مش بس اتخان واتلعب بيه، ده خسر الإنسانة الوحيدة اللي صانت سره، اللي شالت معاه السنين بحلوها ومرها، وفضلت ساكتة على عيبه ومجرحتش رجولته بيوم، بينما هو باعها لأول واحدة ضحكت عليه بوهم الأبوة الزائفة. التفت فجأة ناحية الباب، جري وهو بينادي اسمي بصوت باكي: — سامحيني… والنبي اقفي، متسيبينيش! أنا اتعميت، والله اتعميت!
فتحت الباب على آخره، بصيت له وهو راكع تحت رجلي، ماسك طرف معطفي وبيترجاني بدموع ذل عمري ما تخيلت أشوفها في عينيه. سحبت طرف المعطف من بين إيديه بهدوء شديد، وابتسمت نفس الابتسامة الباردة اللي استقبلتهم بيها: — الشنطة اللي رمتوها في وشي مفيهاش بس هدومي… دي فيها كرامتي اللي عمري ما هسيبها هنا. البيت ده والسر ده والطفل اللي مش ابنك… كلهم بقوا يخصوك لوحدك دلوقتي يا إيفان. مبروك عليك عيلتك الجديدة.
لفيت ضهري ونزلت درجات السلم بخطوات واثقة وخفيفة، وصوت صراخه وندمه بيملا العمارة ورايا، بس ولا كلمة منهم كانت قادرة ترجع خطوة واحدة لورا. اللي انكسر مكنش مجرد ثقة، دي كانت حياة كاملة اتبنت على كدبة، وانتهت بلحظة حقيقة واحدة.