البيت القديم والغرفة المنسية
لم يكن بيت جدتي كأي بيت آخر؛ كان يتنفس غموضاً. مبنى قديم يقف بثبات في أحد أطراف قريتنا النائية، جدرانه الحجرية تهالكت مع الزمن، وأصوات الفئران والأبواب المتهالكة تعزف ألحاناً مخيفة في الليل. بعد وفاة جدتي بأسبوعين، طُلِب مني الذهاب إلى البيت لإفراده وتنظيفه تمهيداً لبيعه. كان النهار يلملم أطرافه عندما وصلت. دخلت البيت، ورائحة الرطوبة والغبار تخنق الأنفاس. تصاعد صوت خطواتي على الخشب القديم كأنه صدى لدقات قلبي المتسارعة.
توجهت مباشرة إلى العلية (الغراب)، المكان الوحيد الذي كانت جدتي تحظر علينا اقترابه نهائياً وهي على قيد الحياة. الجزء الثاني: الاكتشاف
عندما فتحت باب العلية، أطلق المفصل صريراً مرعباً. كانت الغرفة ممتلئة بأنسجة العنكبوت والأثاث المغطى بملاءات بيضاء شبحية. وفي أقصى الزاوية، تحت طبقة ثقيلة من الغبار، لاحظت شيئاً مريباً. كان صندوقاً خشبياً ضخماً، مصبوغاً باللون الأسود الداكن، ومزخرفاً بنقوش نحاسية غربية لم أرَ مثلها من قبل. وما لفت انتباهي بحق هو القفل الحديدي الضخم الذي يلتف حوله سلسلة متينة.
“طالما حذرتنا جدتي: هناك أشياء يُفضّل أن تبقى مدفـ,ـونة في الصمت.” لكن الفضول كان أقوى مني. يبحث الإنسان دائماً عن الإجابات في المكان الخاطئ! بحث فوراً عن أي شيء لكسر القفل، ووجدت مطرقة قديمة في زاوية الغرفة. ضـ,ـربت القفل بكل قوتي مرة… مرتين… وفي الضـ,ـربة الثالثة، انكسرت السلسلة وسقط القفل على الأرض بصوت مدوٍّ. الجزء الثالث: اللحظة الحرجـة
ثبتت يداي على غطاء الصندوق. كانت حرارته أبرد من البرودة العادية، وكأن الهواء حوله ينسحب إلى الداخل. رفعت الغطاء ببطء…
فاحت رائحة غريبة—رائحة تدمج بين الورد المجفف ومادة كيميائية حادة تفوح كالأدوية القديمة. في البداية، لم أرَ سوى طبقات من القماش المخملي الأسود. رفعت القماش بحذر، وما رأيته جعل الدـ,ـماء تتجمد في عروقي… صدمة العمر!
لم تكن هناك مجوهرات، ولا أموال، ولا أوراق ملكية… جوه الصندوق كان فيه:
ألبوم صور أسود قديم جداً: فتحته بخوف، وكانت المفاجأة الأولى! الصور لم تكن لجدتي في شبابها، بل كانت صوراً لي أنا! صور التقُطت لي في مراحل حياتي المختلفة—وأنا طفل أرقص، وأنا في المدرسة، وحتى وأنا أدرس في جامعتي… ولكن الغريب أن الصور أُخذت جميعها من زوايا مخفية، وكأن أحداً كان يراقبني ويلاحقني طوال حياتي دون أن أعلم! ساعة يد متوقفة: نفس الساعة التي أضاعها والدي في حـ,ـادث السير الشهير الذي أودى بحياته قبل عشر سنوات… الحادث الذي قيل لنا وقتها إنه كان مجرد “قضاء وقدر”.
مذكرة غلافها جلدي: فتحت الصفحة الأخيرة، وكانت مكتوبة بخط يد جدتي المرتجف، باللون الأحمر: “إذا كنت تقرأ هذه الكلمات الآن يا بني، فهذا يعني أنني قد رحلت، وأنك فتحت الصندوق. الحادث لم يكن قضاءً وقدر… والديتك لم تمُت بسبب المرض كما أخبروك. السر الذي خبأته عنك طوال 20 عاماً هو أنك لست…” الجزء الرابع: النهاية المفاجئة
قبل أن أتمكن من قراءة السطر الأخير، سمعت صوت خطوات ثقيلة تصعد درجات سلم العلية ببطء…
توقفت أنفاسي. لم يكن المفترض أن يكون هناك أي شخص آخر في البيت. التفتُّ بنظري ببطء نحو باب العلية الشبه مفتوح، ووجدت ظلاً طويلاً يقف في العتمة عند العتبة، وقال بصوت خفيض يعرفه قلبي تماماً: “تأخرت كثيراً في فتح الصندوق يا بني…” تنويه: القصة تُركت عند هذه اللحظة المشوقة كبداية لسلسلة أحداث أكثر غموضاً!