روايات

رماد الذاكرة: حين يعود الغائب ليجد بيته مسكوناً بغيره

رماد الذاكرة: حين يعود الغائب ليجد بيته مسكوناً بغيره
الفصل الأول: خطى نحو الماضي
كانت حقيبة السفر ثقيلة، لكنها لم تكن بحجم الثقل الذي يحمله طارق في صدره وهو يصعد درجات البناية القديمة في حي المعادي الهادئ.
سنتان كاملتان مرتا منذ أن حزم أمتعته وغادر إلى إحدى دول الخليج، هارباً من حطام زواج فاشل انتهى بطلاق بارد وصامت من نور. لم يكن بينهما كرهٌ صريح، بل كان بروداً تراكمياً، وانشغالاً مفرطاً من طارق بعمله وطموحه حتى تحولت حياتهما إلى مساكنة بين غريبين، فاختارا الانفصال بإجراءات سريعة وبدون أطفال.

خلال هاتين السنتين، لم يقطع طارق تواصله مع شقيقه الأصغر ياسين؛ كان ياسين دائماً السند، الهادئ، الحكيم، والكتف الذي يتكئ عليه طارق رغم فارق السنوات الخمس بينهما. كانا يتحدثان أسبوعياً، لكن اتصالاتهما في الأشهر الأخيرة باتت مقتضبة، ظن طارق وقتها أنها مشاغل الحياة.
عاد طارق دون إخبار أحد، أراد أن يجعلها مفاجأة لشقيقه ووالدته المسنة في بيت العائلة الكبير.
الفصل الثاني: العتبة والمفاجأة
وضع طارق المفتاح في القفل، ففوجئ بأنه قد تغير. طرق الباب خفيفاً وهو يبتسم، متخيلاً وجه والدته وفرحة ياسين بعودته المفاجئة.
فُتح الباب ببطء.

لم تكن والدته، بل كانت امرأة ترتدي ثوباً منزلياً بسيطاً، وشعرها منسدل على كتفيها، وفي يدها ملعقة خشبية تدل على أنها كانت في المطبخ.
تلاقت الأعين، وتجمدت الدماء في عروق طارق.
سقطت حقيبته الصغيرة من يده على الأرض دون وعي.
كانت هي… نور.
نفس الملامح الرقيقة، ونفس العينين العسليتين اللتين كانتا يوماً ما ملكاً له. شحب وجه نور، وارتجفت شفتيها، وتراجعت خطوتين إلى الخلف واضعة يدها على صدرها كأنها رأت شبحاً:
“طارق؟!”
وقف طارق مشدوهاً، تلفت حوله ليتأكد من رقم الشقة، ثم نظر إليها بعيون تملؤها الحيرة والارتباك:
“نور؟! إيه اللي جابك هنا؟

أمي فين؟ وفين ياسين؟”
قبل أن تنطق نور بحرف، خرج صوت مألوف من الممر الداخلي:
“مين على الباب يا حبيبتي؟”
الفصل الثالث: لحظة الصاعقة
خرج ياسين وهو يحمل منشفة صغيرة، يرتدي ملابس منزلية مريحة، لكن ابتسامته تلاشت تماماً في جزء من الثانية حين وقعت عيناه على أخيه الأكبر.
ساد صمت خانق، صمت يزن أطناناً، كأن الهواء سُحب من الصالة بأكملها.
نظر طارق إلى ياسين، ثم إلى نور، ثم لاحظ التفصيلة التي نزلت عليه كالصـ,ـاعقة: خاتم ذهبي لامع في إصبع يد نور اليسرى، وخاتم مطابق في يد ياسين.
“إيه ده؟”

همس طارق بصوت مبحوح كأنه فقد صوته.
تقدم خطوة نحو الداخل، وعيناه تنتقلان بينهما بجنون:
“إيه اللي بيحصل هنا؟ ياسين… دي بتعمل إيه في بيتنا؟ وإنت قولت لها إيه؟ حبيبتي؟”
كان ياسين يبلع ريقه بصعوبة، لكنه لم يهرب بنظراته. أشار لنور بهدوء حذر:
“نور… ادخلي جوة دلوقتي.”
تحركت نور مسرعة إلى الداخل وعيناها تفيضان بالدموع، بينما تقدم ياسين نحو أخيه ومد يده ليساعده في حمل الحقيبة:
“ادخل يا طارق… لازم نتكلم.”
دفع طارق يد أخيه بقوة وصرخ:
“أدخل فين؟! اتكلم إزاي؟! فهمني حالاً إيه المهزلة دي! إنت متجوز مين؟ متجوز طليقتي؟!

متجوز مراتي أنا؟!”
الفصل الرابع: الحقيقة المرة
جلسا في غرفة الصالون، المكان الذي شهد يوماً ما عقد قران طارق ونور قبل سبع سنوات. كانت الأجواء مشحونة لدرجة الانفجار، بينما كانت والدتهما نائمة في غرفتها بعد تناول دوائها.
بدأ ياسين حديثه بصوت منخفض، يملؤه الحزن لا الخوف:
“طارق، اسمعني للآخر. لما إنت سافرت وطلقتها، نور عاشت ظروف صعبة جداً. أهلها ضغطوا عليها عشان تتجوز أي حد عشان تخلص من لقب ‘المطلقة’، وطردوها لما رفضت. لجأت لأمي هنا… أمك هي اللي استقبلتها لأنها كانت بتحبها ومعتبرها بنتها.”
قاطعه طارق بسخرية وغضب أعمى:
“لجأت لأمي، تقوم إنت تتجوزها؟!

إنت اتجوزت لحم أخوك يا ياسين! ملقيتش في الدنيا كلها ستات غير دي؟ دي كانت مراتي! كنت بنام معاها في نفس الأوضة! كنت بتشوفها في بيتي!”
تألم ياسين من الكلمات، لكنه حافظ على نبرته الهادئة الحازمة:
“إنت رميتها يا طارق! إنت سبتها سنتين كاملين لا سألت ولا حتى فكرت هي عايشة إزاي. إنت طلقتها بإرادتك عشان كنت شايف إنها حمل على طموحك وسفرك. نور كانت محطمة، وأنا شفت فيها الإنسانة اللي تستاهل تعيش وتتحب بجد. أنا ممدتش إيدي عليها وإنت معاها، أنا وقفت جنبها لما الكل سابها، والشرع والقانون ميحرموش ده.”
“والعرف؟ والأخوة؟ والشرف؟”

صرخ طارق وهو يضـ,ـرب الطاولة بقبضته.
رد ياسين بعينين دامعتين:
“أنا مخنتكش في ضهرك يا أخويا. جوازنا كان رسمي وعلى سنة الله ورسوله، وأمي هي اللي باركت وطلبت مني ده بعد ما شافت إننا بنكمل بعض. إحنا حاولنا نوصلك كتير من ست شهور عشان نقولك، لكن إنت كنت قافل تليفوناتك ومبتكلمش غير رسايل كل شهرين عشان الشغل!”
الفصل الخامس: المواجهة الصامتة
خرجت نور من الغرفة، كان وجهها شاحباً، لكن عينيها حملتا نظرة مختلفة عن نور القديمة؛ كانت تبدو أكثر ثباتاً، أكثر أماناً.
وقفت بجوار ياسين، ولم تختبئ خلفه، ونظرت إلى طارق وقالت بصوت هادئ مرتجف:

“طارق… إنت راجل ناجح، لكنك مكنتش زوج. أنا قعدت معاك خمس سنين كنت بحس إني خيال في بيتك. لما اطلقت منك مكنتش زعلانة على خسارتك قد ما كنت خايفة من الدنيا. ياسين مش هو اللي جري ورايا، ياسين هو الأمان اللي إنت مدتهوليش في يوم من الأيام. لو شايفنا مجـ,ـرمين، فإنت اللي حكمت علينا بالبداية دي يوم ما مشيت ومدورتش وراك.”
سكت طارق.
شعر بطعنة في كبريائه، طعنة لم تكن بسبب حبه لنور، بل بسبب حقيقة أدركها فجأة: هو لم يكن يحبها يوماً بهذا القدر، لكنه كان يعتقد أنها “مُلكه” حتى بعد أن تركها.

نظر إلى يد ياسين التي امتدت لتلامس يد نور برقة في تلك اللحظة لحمايتها ودعمها، وهي لمسة لم يعطها هو لنور يوماً.
الفصل السادس: رحيل ونضج
مضت ساعة كاملة كأنها دهر. لم تحدث اشتباكات بالأيدي، ولم تسفك الدـ,ـماء، لكن روابط الدـ,ـم القديمة تآكلت وأخذت شكلاً جديداً معقداً.
استيقظت الأم، وعلمت بوجود طارق، واحتـ,ـضنته وهي تبكي، محاولة أن تشرح له بنظراتها قبل كلماتها أن ما حدث كان قدراً لا خيانة فيه.
وقف طارق عند باب الشقة مجدداً، ساحباً حقيبته خلفه.
التفت إلى ياسين، الذي كان ينظر إليه بعينين ترجوان المغفرة وتطلبان بقاء الأخوة:

“أنا مش هقدر أشوفكم مع بعض يا ياسين… مش هقدر أجي هنا تاني قريب.”
رد ياسين بحزن:
“حقك يا أخويا… بس افتكر إن الباب ده مفتوح ليك طول العمر، وإنك هتفضل أخويا الكبير.”
الخاتمة
نزل طارق درجات السلم بخطوات ثقيلة، لكنها كانت أهدأ. ركب سيارة أجرة وتوجه نحو فندق في وسط البلد.
وهو ينظر من نافذة السيارة إلى أضواء المدينة ونيلها، شعر بحرقة في حلقه، لكنه شعر أيضاً بصفعة قاسية أيقظته: الحياة لا تنتظر الغائبين، والقلوب التي نهجرها لا تظل خاوية إلى الأبد لترحب بنا حين نقرر العودة.

أخرج هاتفه، وحذف رقماً قديماً كان يحتفظ به تحت اسم “نور”، ثم أرسل رسالة قصيرة لشقيقه ياسين محتواها كلمتان فقط:
“ربنا يسعدكم… بس سيبني أتعافى.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى