روايات

رحلة في عتمة الليل والمسؤولية

رحلة في عتمة الليل والمسؤولية
في حي شعبي هادئ، حيث تتشابه جدران المنازل وتختلف حكايات أهلها، كانت تعيش “فاطمة” مع زوجها “باسم” وأطفالها الثلاثة: (سيف، ذو التسع سنوات)، و(مريم، ذات السبع سنوات)، و(حبيبة، الصغرى التي لم تكمل عامها الرابع).
كانت حياة العائلة تسير بشكل طبيعي في بداياتها، لكنها تحولت تدريجياً إلى كابوس صامت بعد أن انحرف باسم عن طريقه، وصار رفيقاً للسهر واللهو خارج البيت.
اللوحة اليومية: الغياب الطويل
مرت الأيام، وصار شكل الحياة اليومي في بيت فاطمة ثابتاً ومؤلماً.

كان باسم يغادر المنزل ظهراً، متذرعاً بانشغاله بأعمال وهمية، ولا يظهر وجهه مجدداً إلا مع خيوط الفجر الأولى، تعلو وجهه أثار السهر وصحبة السوء.
أما فاطمة، فكانت تقضي نهارها كله في رعاية الأطفال، ترقع ملابسهم القديمة، وتدير شؤون البيت بأقل القليل، منتظرة عودته بفارغ الصبر علّه يحمل معه طعاماً أو نقوداً تسد بها رمق أطفالها. لكن الانتظار كان يطول، والأمل كان يتلاشى تدريجياً مع كل ليلة تمر دون أي مساعدة منه.
ليلة الانهيار

ليلة الانهيار كانت تلك الليلة من أشد ليالي الشتاء برودة وصمتاً. انخفضت درجات الحرارة حتى كادت الأنفاس تتجمد في الهواء، وانهمر المطر بغزارة ليضـ,ـرب شباك الغرفة الصغيرة بصوت منقبض. كان البيت يرتجف مع كل هبة ريح، وكأن الجدران نفسها تشعر بالحزن الذي خيم على الأركان. استيقظت “حبيبة” الصغرى في منتصف الليل وهي تبكي بكاءً خافتاً ومتقطعاً. ركضت فاطمة إليها مسرعة، ولما وضعت يدها على جبهتها الصغيرة، فُجعت؛ كانت حرارة جسدها كالمرجل المشتعل، وأنفاسها المتلاحقة تخرج بصعوبة بالغة. لم تكن مجرد نوبة حمى عابرة، بل كان جسد الصغيرة يرتجف بلا توقف.

بحثت فاطمة في خزانة الدواء عن أي خافض للحرارة، فلم تجد سوى زجاجة فارغة. طرقت على بقايا المعرفة القديمة لتهدئة الحمى بالكمادات الباردة، لكن حرارة حبيبة كانت تعاند كل محاولاتها وتستمر في الارتفاع. نظرت فاطمة إلى الساعة الجدارية القديمة، كانت العقارب تشير إلى الثالثة صباحاً. التفتت حولها؛ سيف ومريم ينامان تحت أغطية رثة، يرتجفان من البرد، وحبيبة بين يديها تئن في ألم. لم يكن في البيت قرش واحد، ولا قطعة خبز يابسة. والأدهى من ذلك، أن باسم لم يكن هناك كالعادة.

انتظرت فاطمة، وصارعت الدقائق والتكات وهي تتطلع إلى باب البيت المغلق، تتضرع إلى الله أن يفتح الباب ويدخل باسم ولو لمرة واحدة في الوقت المناسب. ولكن الباب ظل صامتاً، ومقفل الأحكام على عجزها. رحلة في عتمة الليل حين رأت فاطمة الشحوب يغزو وجه طفلتها الصغيرة وشفتيها تتحولان إلى اللون الأزرق، سقطت آخر قطرة من الصبر والتريث. لم يعد هناك وقت للانتظار ولا للمراهنة على زوج غائب باله وجسده.

لفت حبيبة في بطانية ثقيلة، ونظرت إلى سيف الذي أفاق على صوت أنين أخته. احتضنته فاطمة وقالت بصوت يرتجف لكنه يفيض بالحزم: “سيف يا حبيبي، انتبه لأختك مريم ولا تفتح الباب لأحد.. سأذهب بحبيبة إلى المستشفى وأعود سريعاً.”
أومأ الصبي الصغير برأسه، وعيناه تفيضان بالخوف، لكنه أدرك بنظرة واحدة أن أمه تحمل جبالاً على كتفيها.

خرجت فاطمة إلى الشارع الشعبي الضيق. كان الليل قاسي الظلمة، والأزقة خالية تماماً إلا من أنوار المصابيح المتهالكة التي تذبذب ضوؤها وسط زخات المطر. كانت الرياح تعصف بوجهها، والمطر يبلل ثوبها المتهالك، لكنها لم تكن تشعر بالبرد؛ كان الخوف على طفلتها يشعل حريقاً داخلياً يطغى على كل جوي وحرارة.

ركضت فاطمة في شوارع الحي المهجورة، تحضن طفلتها بقوة إلى صدرها لتمُدّها ببعض دفء جسدها. كانت تتردد في ظلمة الأزقة أصداء خطواتها السريعة المنتعلة حذاءً خفيفاً. مرت بالقرب من مقهى الحي المغلق، ثم الميدان الرئيسي، تبحث بعينيها الباكيتين عن أي سيارة أجرة أو مارّ يمكن أن يساعدها، لكن الشوارع كانت كصحراء موحشة. بعد مسيرة طويلة ومضنية مشياً على الأقدام لكسر المسافة الشاسعة، وصلت أخيراً إلى بوابة المستشفى الحكومي العام. كانت أقدامها قد تورمت، وأنفاسها كادت تتوقف، لكنها اقتحمت قسم الطوارئ وهي تصرخ بصوت خنقته العبرات: “أنقذوا ابنتي! الحرارة تقـ,ـتلها!”

المواجهة والمشهد الصادم التف الأطباء والممرضون حول الصغرى فوراً. أُدخلت حبيبة إلى غرفة العناية العاجلة، ووضعت لها المحاليل وكمادات الثلج ووسائل التنفس. جلست فاطمة على مقعد حديدي بارد في الممر، تلهث وتنهمر دموعها بغزارة، يداها ترتجفان وهي تصلي وتدعوا الله أن يلطف بصغيرتها. وبينما هي غارقة في خيالاتها ودعواتها، سمعت ضجة عند بوابة المستشفى الخارجية. أصوات ضحكات عالية ومجافية لحرمة المكان والمرضى. رفعت رأسها لتستكشف الأمر، فكانت الصدمة التي أطفأت آخر شمعة لأي أمل باقي.

كان باسم، زوجها، يدخل من باب الطوارئ ممسكاً بذراع أحد رفاق السهر الذين بدا عليهم جميعاً الثقل وعدم الاتزان. كان يضحك بصوت مرتفع، غائباً عن الوعي والمسؤولية، قادماً إلى المستشفى لأن صديقه أصيب بجرح بسيط في يده أثناء شجار فارغ في إحدى سهراتهم. توقفت أقدام باسم عندما وقعت عيناه على فاطمة. امتقع وجهه لوهلة، وحاول أن يجمع شتات نفسه، متلعثماً: “فاطمة؟ ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت؟”

قامت فاطمة من مكانها ببطء شديد. لم تصرخ، ولم تبكِ، بل غشي وجهها نظرة صمت رهيب، أقسى من ألف كلمة. نظرت إلى ملابسه الملطخة ورائحته الكريهة، ثم نظرت إلى عينيه الذابيلتين من أثر اللهو، وقالت بصوت هادئ كالبيت المهجور، لكنه صلب كالمعدن:
“ابنتك كانت تمـ,ـوت في البيت وأنت غائب.. وأنا من حملتها في منتصف الليل تحت المطر حتى أنقذتها.” حاول باسم أن يبرر، أن يقترب، لكن فاطمة رفعت يدها لتمنعه من التقدم خطوة واحدة. كان الشروق قد بدأ ينسل ببطء من بين السحب الركامية، يلقي بنوره الضعيف على الممر.

خرج الطبيب في تلك اللحظة مطمئناً فاطمة أن حرارة “حبيبة” بدأت تتراجع وأنها تجاوزت مرحلة الخطر. تنفست فاطمة الصعداء، ونظرت إلى باسم نظرة أصلح فيها الزمن كل شكوكها؛ نظرة إعلان نهاية مرحلة وبداية أخرى. أدركت فاطمة في تلك الليلة، بين عتمة الطرقات وبرد الشتاء وأروقة المستشفى، أنها هي الأب والأم، والسند الوحيد لأطفالها الثلاثة. مسحت دموعها، ودخلت إلى غرفة طفلتها لتمسك بيدها الصغيرة، معلنةً في سرها أن فجر هذا اليوم لن يكون مجرد بداية ليوم جديد، بل بداية لحياة جديدة تعتمد فيها على قوتها وحدها، لحماية صغارها والعبور بهم إلى بر الأمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى