ذات الوجهين في إحدى البيوت الهادئة ظاهرياً، كانت تعيش “سناء” مع زوجها “محمود” ووالدته المسنة “أم محمود”. كان محمود من أطيب الرجال وأبرهم بوالدته، وكان يعمل جاهدًا ليوفر لهم حياة كريمة، وكان يحب زوجته سناء ويظن أنها تمثل نعمة الزوجة الصالحة والأبنة البارة بأمه. ولكن، وراء هذا القناع الجميل، كانت سناء تخفي وجهاً آخر تماماً. الوجه الحقيقي ما إن يغادر محمود باب الشقة متوجهاً إلى عمله في الصباح الباكر، حتى تتحول سناء إلى شخصية أخرى قاسية ومتسلطة. كانت تنهض الأم العجوز المريضة بآلام المفاصل، لتبدأ رحلة العذاب اليومية التي فرضتها عليها زوجة ابنها. كانت سناء تلقي عليها بأعباء البيت الثقيلة:
تنظيف المنزل بأكمله وگنسه. غسل الأطباق المتراكمة وملابس العائلة يدوياً. تحضير الغداء الشاق بمفردها وسط تعليقات سناء الجارحة وانتقاداتها المستمرة. كانت العجوز المسكينة تذرف الدموع في صمت، وكلما حاولت أن تلتقط أنفاسها لترتاح قليلاً، كانت سناء تنهض متوترة وتقول لها بلهجة حادة: “خلصي شغل البيت بسرعة، زمان محمود جراي على البيت، ومش عايزة أشوف وشك مكسور قدامه عشان ما يشيلش مني ذنب!” التمثيلية اليومية مع اقتراب موعد عودة محمود من العمل، كانت سناء
صل على النبي واكتب تم وتابع باقي القصةمع اقتراب موعد عودة محمود من العمل، كانت سناء ترتدي ماسكها المفضل؛ تأمر الحجة المسكينة بالدخول إلى غرفتها وعدم الخروج منها إلا بعد أن تغسل وجهها بالماء حتى لا يظهر عليه أثر الدموع. ثم تسرع سناء بتعديل هيئتها، وتجلس بتعب مصطنع بجوار شاشة التلفاز، أو تسارع لفتح الباب بابتسامة دافئة تستقبل بها محمود، متظاهرة بالإنهاك من “أعمال البيت وبرّها بأمه”. كانت تقول له بصوت خافت يملؤه الحنان المزيّف:
“حمد الله على السلامة يا حبيبي، تعبت النهاردة أوي في الترويق وعمل الأكل اللي بتحبه الحجة… ادخل سلم عليها، بس يا ريت ما تطولش عشان هي تعبانة ونامت بالعافية.” وكان محمود، بسبب طيبته المفرطة وثقته المطلقة، يقبل رأس زوجته شاكراً لها جَميلها، ويدخل لوالدته ليجدها واجمة ومجهدة، فيظن أن ذلك بسبب كبر سنها ومرضها، خصوصاً أن الأم كانت تكتم وجعها وتحتفظ بسرها… ليس خوفاً من سناء، بل خشية أن تخرب بيت ابنها أو تكسر قلبه بتلك الحقيقة المرة.
نقطة التحول: الغـ,ـدر المتهور
مرت الأيام، وزادت قسوة سناء بعدما أمنت العقاب. وفي يوم شديد الحرارة، كانت الأم تعاني من ارتفاع في ضغط الدم، ولم تستطع إكمال تنظيف السجاد كما طلبت منها سناء. جن جنون سناء، وبدلاً من أن ترحم ضعفها، صرخت في وجهها وبدأت تسحب الأواني بقسوة، وألقت بكوب الزجاج الأرض ليتناثر، وأقسمت ألا تتناول الأم قطرة ماء واحدة حتى تعود الشقة كالصفحة البيضاء. لكن ما لم تحسب له سناء حساباً، هو أن محمود نسى أوراقاً هامة جداً لصفقة في عمله، وعاد إلى المنزل في منتصف النهار دون إعلان!
سقوط القناع
فتح محمود باب الشقة بهدوء تام حتى لا يزعج أحداً، وما إن خطى خطواته الأولى في الممر، حتى وصل إلى مسامعه صوت لم يعهده من قبل… صوت زوجته الرقيقة “سناء”! كانت تصرخ بنبرة حاقدة تملؤها الخسة:
“تخلصي مسح السيراميك ده أسرع، وإياك تشتكي لابنك ولّا تقوليله كلمة، أنتي عارفة إني ممكن أخليه يرميكي في دار مسنين في ثانية، هو بيصدقني أنا مش أنتي يا كركوبة!”
تسمّر محمود في مكانه، وصدمته الحقيقة كصاعقة نزلت على رأسه. تسللت عيناه لتنظرا من فتحة الباب الشبه مفتوح، ليرى والدته المسنة تتوسل لسناء وهي تجلس على الأرض بقلة حيلة، وسناء تقف فوقها باستـ,ـعلاء وتهددها. النهاية المحتومة
لم يتمالك محمود نفسه، فتح الباب بقوة وجأر بصوت هز أركان المنزل: “سناء!” انقبض قلب سناء، وسقطت الأواني من يدها، واصفرّ وجهها كالموتى عندما رأت ملامح محمود التي تحولت من الطيبة والهدوء إلى غضب عارم لم تره فيه طوال حياتهما.
ركض محمود نحو أمه، جثا على ركبتيه وقبل يديها وقدميها وهو يبكي بحـ,ـرقة شديدة:
“سامحيني يا أمي… سامحيني إني كنت أعمى كل الفترة دي!”