روايات

حماتي بتتهمني إني سر.قت دهبها الدهب طلع في شنطتها

كانت الأجواء في المنزل تبدو هادئة على غير العادة، لكن الهدوء الذي يسبق العاصفة دائماً ما يكون مضللاً. أنا “سارة”، متزوجة منذ عامين تقريباً، وعلاقتي بحماتي “نادية” كانت تتأرجح دائماً بين السطحية المشوبة بالحذر والمجاملات الرسمية. كانت امرأة قوية الحجة، متسلطة بعض الشيء، وتحب أن تفرض سيطرتها على كل تفاصيل حياة ابنها “زياد”. البداية: الصاعقة في أحد أيام الجمعة المعتادة، اجتمعنا على الغداء في منزل حماتي. بدا كل شيء طبيعياً حتى وقت تناول الشاي، وفجأة انتفضت حماتي من مكانها كمن مسها كهرباء، وصرخت بصوت هز أرجاء الشقة:

“دهبي! طقم الذهب والأسوارة الألماس مش في مكانهم! اتسر.قوا!” عم الصمت المكان تماماً. نظر إلينا “زياد” بذهول، بينما التفتت إليَّ نادية نظرة ثاقبة محملة باتهام صريح لا تقبل الشك. وقالت بصوت يقطر سمّاً: “مفيش في البيت كله حد غريب دخل الأوضة غيرك يا سارة.. إنتِ كنتِ جوه من شوية بتجيبي المية!” شعرْتُ وكأن الدنيا دارت بي. تراجعْتُ للخلف وأنا أرتجف، ودموعي سالت على وجنتيي دون إرادة مني. دافعْتُ عن نفسي بصوت منخفض ومبحوح:

“والله العظيم ما مسكت حاجة.. أنا بريئة يا طنط! ليه تفكري فيا كدة؟!” لكنها لم تستمع إليَّ. انهالت عليَّ بوابل من الاتهمات القاسية الجارحة، متهمة إياي بأنني طماعة، وأن أهلي لم يربوني، وأنني كنت أراقب مجوهراتها بطمع منذ دخلت العائلة. أما “زياد”، فوقف في المنتصف ممزقاً بين أمه التي يخشى غضبها، وبين زوجته التي يعرف أخلاقها جيداً ولكنه بدا عاجزاً ومصدوماً من هول المفاجأة. التفتيش والمهانة لم تكتفِ نادية بالصراخ، بل أصرت قائلة بصوت حاسم:

“الشنطة بتاعتك هنا.. هنفتشها قدام الكل، وعشان ما تقوليش ظلمتك!” حرصاً مني على إثبات براءتي مهما كلفني الأمر، ودون تردد، فتحت حقيبتي بنفسي وأفرغت كل محتوياتها على الطاولة أمامهم: محفظتي، مفاتيحي، مناديل، وبعض أدوات التجميل الصغيرة. لم يكن هناك أي اثر للذهب. علت وجه حماتي علامات الارتباك الممزوجة بخيبة أمل لأنها لم تجد شيئاً، لكنها سرعان ما استدركت وقالت بعناد: “أكيد خبيتي في مكان تاني في الشقة، أو اديتيه لحد! مش هيضيع من بيت ابني ابداً!”

المفاجأة الكبرى في تلك اللحظة الفارقة، وبدلاً من الاستسلام للبكاء والظلم، قررت أن أدافع عن كرامتي حتى النهاية. نظرت إلى “زياد” وقلت بقوة وثبات لم أعهدهما في نفسي من قبل: “يا زياد، إما أن تفتشوا الشقة كلها غرفة غرفة، أو أترك هذا البيت فوراً ولا أعود إليه إلا وأنا مرفوعة الرأس!” شعر زياد بمدى قسوة الموقف وخطورته على مستقبل زواجنا، فتحرك سريعاً وقال: “حاضر يا سارة، هنفتش كل شبر في البيت عشان ننهي المهزلة دي.”

بدأنا البحث في غرفة النوم الرئيسية، ثم غرفة المعيشة، وأخيراً وصلنا إلى غرفة حماتي نفسها. كانت الحقيبة الكبيرة الخاصة بسفرها المعتاد موضوعة في ركن الغرفة تحت بعض الحقائب القديمة. اقترب زياد وفتح سحاب الحقيبة ليبحث فيها، وهنا كانت المفاجأة… فجأة، أخرج زياد علبة المخمل الحمراء الكبيرة الخاصة بالذهب، ومعها الأسوارة الألماس، وكانتا ملقاتين في قاع الحقيبة بين ملابس السفر القديمة لحماتي! عمّ صمت تام ومطبق في الغرفة. النهاية والاعتذار

نظرت إلى حماتي التي تحجر الدم في عينيها من شدة الصدمة والخجل. لقد وضعت الذهب هناك بنفسها قبل أيام، وربما بفعل النسيان الناتج عن كبر السن وضغط التفكير، أو في لحظة شك مرضي، نسيت تماماً أنها هي من نقلته إلى هناك لتخبئهن بطريقتها الخاصة، وسارعت باتهامي لتبرير خطئها أو لوهم سيطر عليها! بدأت نادية تبلع ريقها بصعوبة، وابتلعت كل كلماتها القاسية، وقالت بصوت ضعيف للغاية ومتعثر: “أنا… أنا آسفة يا سارة… والله العظيم نسيت.. الشيطان ضحك عليا والزهايمر بيلاعبني…”

لم تردّي عليها بكلمة جارحة واحدة، بل التفتُّ إلى زياد الذي كان يحمل الذهب ناظراً إليَّ بنظرات مليئة بالاعتذار والندم العميق. أخذت حقيبتي وقلت بهدوء وثبات: “أنا بريئة يا زياد، وكرامتي خط أحمر. أنا رايحة بيت أهلي، ولما تعرفوا قيمة مرتك صح وتعرفوا تحترموا براءتها، ابقوا تعالوا نتفاهم.” خرجت من الشقة مرفوعة الرأس، وتركتهم خلفي يواجهون خطأهم الفادح، لتبدأ صفحة جديدة تُدرك فيها العائلة جيداً أن الاتهام الباطل لا يضيع حق البريء أبدأً.

ولكن قبل أن أنطق بحرف واحد وأغادر الشقة، قطع الصمت صوت “زياد” وهو ينظر إلى هاته بحيرة شديدة: “استني يا سارة.. اهدي دقيقة.. الكلام ده مش معقول! أمي مستحيل تنسى مكان الذهب بالطريقة دي، وخصوصاً إن الشنطة دي مكنش فيها غير لبس شتوي قديم! ثواني كده.. هو إحنا نسينا إن في كاميرات مراقبة حديثة في الصالة وعلى مدخل الأوض؟!” كأن البرق ض.رب الغرفة! تراجعت حماتي خطوة للخلف وخطا وجهها يصفر بشكل مر.عب، بينما لمعت في عيني زياد ومضة الفهم.

مفاجأة كاميرات المراقبة
منذ عدة أشهر، ونظراً لكثرة تردد العمال والخدم للمنزل، كان زياد قد تركيب نظام كاميرات مراقبة دقيق في الممرات وصالة الاستقبال، ولكنه كان قد نسي أمرها في خضم الصدمة والتوتر. أسرع زياد نحو حاسوبه اللوحي، واتصل سريعاً بتطبيق الكاميرات، وبدأ في تراجع تسجيلات الأيام السابقة وتحديداً تلك الليلة والصباح الباكر. وقفنا جميعاً نتابع الشاشة بأنفاس محبوسة. وما إن ظهر التسجيل حتى ظهرت الحقيقة الساطعة التي جلطت الدم في عروقنا جميعاً!

الحقيقة الصادمة
لم تكن حماتي هي من وضعت الذهب في الحقيبة نسياناً.. ولم أكن أنا السا.رقة بالطبع! أظهرت الكاميرات بوضوح تام شخصاً ثالثاً تماماً.. لقد ظهرت “رنا”، ابنة خالة زياد، والتي كانت تقيم معنا في نفس الشقة منذ بضعة أيام بحجة قضاء إجازة الجامعة. في تمام الساعة الثالثة فجراً، وبينما كان الجميع نائمين، ظهرت رنا وهي تتسلل بحذر شديد إلى غرفة حماتي، وتفتح خزينتها الخاصة بمهارة وسرعة غريبتين، وتستخرج منها طقم الذهب والأسوارة الألماس.

ولم تتوقف عند هذا الحد؛ بل أظهرت الكاميرات أنها بعد أن سر.قت الذهب، خافت من اكتشاف أمرها، فخبأته بسرعة في تلك الحقيبة القديمة بحقائب السفر، لكي توحي بأن السر.قة تمت بطريقة غامضة أو لتلصق التهمة بي عمداً، خصوصاً أنها كانت تمتعض دائماً من قربي لزياد وحبه لي! السقوط المدوي
عمّ صمت كالجحيم في الغرفة. تحولت عيون زياد من الشاشة إلى “رنا” التي كانت قد دخلت للتو على صوت الصراخ والبلبلة. ما إن رأَت وجه زياد المحتقن بالغضب وشاشات الكاميرات المفتوحة، حتى انهار دفاعها تماماً، وسقطت على ركبتيها تبكي بانهيار واعترفت بكل شيء:

“أنا آسفة! والله كنت مديونة بمبلغ كبير لناس ومكنش قدامي حل.. الشيطان ضحك عليا!” نظرت حماتي إلى ابنة أختها التي دافعت عنها طويلاً وتمنت زواجها من زياد يوماً، وكادت تطيح بشرفي وتدمر بيتي من أجلها، وشعرت بصدمة عمرها. تحجر الدم في عروق العجوز، وسقطت على الكرسي غير قادرة على النطق بكلمة واحدة وهي تدرك حجم الظلم الفادح الذي أوقعته عليّ. الإنصاف والاعتذار الأخير
تقدم زياد نحوي ببطء، ودموع الندم تملأ عينيه، فوقع على ركبتيه أمام نظراتي الثابتة، وأخذ يمسك يدي قائلاً بصوت مختنق:

“حقك على جزمتی يا سارة.. أنا ظملتك بقلة حيلتي، وأمي ظلمتك بظنها.. أنا أسف، ومش هسمح بوجود الاشكال دي في بيتنا تاني أبداً.” نظرت إلى حماتي المكسورة، وإلى رنا المرتجفة، ثم إلى زوجي الذي استعاد وعيه متأخراً، وقلت بصوت هادئ وقوي: “الحمد لله أن الكاميرات ظهرت الحق.. لكن كرامتي مش هنساها بالسهولة دي يا زياد. الذهب أهو، أما عن بيتي.. فمحتاجين نقعد جلسة واضحة وصريحة نعرف فيها مين يتقدر ومين ماينفعش يقعد تحت سقف واحد تاني.”

أخذت حقيبتي، وسارعت بالخروج من الغرفة، تاركةً إياهم في قمة الخزي والعار، بينما الحقيقة ساطعة كشمس النهار لا يمكن لأحد حجبها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى