أتجوزت جاري الراجل اللى عنده 80 سنة عشان أحمي بيته من ولاد أخوه .. وفجأة بقيت حامل ، والعيلة كلها قلبت وحوش وعايزين يشربوا من دـ,ـمي ودمي أتجمد فى عروقي لما عرفت هما ناويين يعملوا ايه فيا ………………… من سنتين كنت مجرد “الجارة الطيبة”.. اللي بتسقي زرعها ، وتصبح على الناس ، وفي حالها. لحد ما شفت “عم رفعت” قاعد في جنينة بيته وبيعيط بحرقة راجل عنده 80 سنة، ظهره منحني بس كرامته في السما .. النوع اللي يصلح لك سور بيتك من غير مليم ويسأل على أهلك بكل ود ويومها كان بيترعش وهو بيبص لبيته كأنه خلاص مابقاش بتاعه
“يا بنتي.. عايزين ياخدوا مني كل حاجة،” قالها وهو بيمسح دموعه بكم قميصه. “ولاد أخويا بيقولوا إني كبرت وخرفت.. عايزين يرموني في دار مسنين ويبيعوا البيت.” محسيتش بنفسي غير وأنا بقوله: “طيب اتجوزني يا عم رفعت!” بص لي بذهول: “إنتي اتجننتي يا هناء؟” “يمكن.. بس لو بقينا عيلة، مش هيقدروا ياخدوك من بيتك ولا يلمسوا شعرة منك.” بعد أسبوع كنا بنمضي قسيمة الجواز المأذون كان بيبص لنا باستغراب، بس مضينا، وأكلنا تورته في مطبخه، ورجعت بيتي اللي جنبه عادي .. على الورق كنت “مدام رفعت”، وفي الحقيقة كنا أعز أصحاب.
بدأنا نقضي أيامنا في لعب الدومينو وشرب القهوة. الهزار قلب لفضفضة، والفضفضة قلبت لضحك من القلب.. ومن غير ما نحس، المسافات تلاشت. مش هحكي في تفاصيل، بس هقول إن عم رفعت كان فيه روح وشباب أكتر من رجالة عندها 40 سنة! وفجأة.. بدأت أحس بغثيان ٣ اختبارات حمل.. كلهم إيجابي رحت له وإيدي بترعش: “أنا حامل يا عم رفعت.” سكت ثانية.. وبعدين ضحك ضحكة هزت الحيطان: عندي 80 سنة وهبقى أب
ابننا نور الدنيا وهو عنده 81 سنة. كان شايله وكأنه شايل معجزة. وبعد سنة، عم رفعت مـ,ـات وهو نايم.. في سلام وهدوء كنت فاكرة إن أصعب حاجة هي فراقه.. بس طلعت غلطانة بعد الجنازة بـ 3 أسابيع، ولاد أخوه خبطوا على الباب “إحنا جايين نستلم البيت.” “البيت ده مش بتاعكم.” “الجوازة دي تمثيلية وفضيحة.. وهنطعن في الوصية ونرميكي في الشارع.” الإشاعات ملت الحارة: “خطافة رجالة، طماعة، استغلت الراجل الكركوب.” بس الجيران وقفوا معايا وقفة رجالة. وفي المحكمة، المحامي عرض فيديو كان عم رفعت مسجله قبل ما يمـ,ـوت. صوته ملى القاعة:
“أنا اتجوزتها بمزاجي.. والطفل ده ابني من صلبي. أنا مجيتش الدنيا دي عشان أسيب فلوس ، أنا جيت عشان أسيب عيلة تحميني وأحميها.” القاضي قال إن الحكم بعد أسبوعين. أسبوعين من الرعب.. خايفة أخسر البيت، خايفة ابني يضيع حقه وليلة النطق بالحكم، جالي تليفون من رقم مجهول: “لو عايزة تتجنبي فضيحة .. وافقي على التسوية وسيبي البيت وخدي قرشين.” دمي أتجمد في عروقي. هل بيلمحوا إن ابني مش ابنه ؟
هما ناويين يعملوا ايه لو عايزين تعرفوا إيه اللي حصل في المحكمة والصدمة اللي قلبت الموازين.. اكتبوا “تم” عشان أنزل لكم الجزء الثاني فوراً!.. دمي أتجمد في عروقي، والسمّاعة كانت هتفقع من قبضتي وإيدي بترعش. الصوت اللي بيتكلم من الناحية التانية كان هادي بشكل يرعب، صوت زي فحيح التعابين، صوت “سامح”.. ابن أخو عم رفعت.
“يا هناء يا حبيبتي،” قالها ببرود مستفز، “إحنا مش عايزين نأذيكي.. بس الواد ده لو دخلنا بيه تحليل DNA، تفتكري الناس في الحارة هيقولوا إيه؟ تفتكري هيمشوا ورا تحليل، ولا هيمشوا ورا الكلام اللي هننشره في كل شارع وعاطفة؟ هنمرمد شرفك في الطين، وهنقول إنك كنتي بتجيبي رجالة البيت وعم رفعت نايم مش داري بالدنيا.. خلي القرشين ينفعوكي قبل ما تطلعي من هنا بفضيلة ولا ملة!”
قفلت الخط في وشه وأنا بنهج، قلبي كان بيخبط في أضلعي زي الطبلة. بصيت لـ “ياسين” ابني اللي كان نايم في سريره، ملاك صغير بعيون واسعة نفس لون عيون عم رفعت بالضبط، نفس التدويرة ونفس الشامة اللي فوق حواجب. إزاي الظلم يوصل بيهم للدرجة دي؟ إزاي النفوس تبور عشان شوية حيطان وفلوس؟ ليلتها منمتش. كنت قاعدة ورا الباب ومسكة حتة حديدة في إيدي، كل ما شجرة تتهز بره مع الهواء قلبي يقف. كنت حاسة إن الحارة اللي كانت أمان بقت مقبرة، وإن العيون اللي كانت بتبص لي بود بقت كلها شك وشبهة.
وجه يوم المحكمة. الشمس كانت طالعة بس حامية ورطبة، الجو يخنق. القاعة كانت مليانة على أخرها. ولاد أخوه قاعدين في الصف الأول، لابسين أنضف ما عندهم، ووشوشهم مفيهاش نقطة رحمة. سامح كان بيبص لي بابتسامة نصر خبيثة، كأنه ضامن إن القضية في جيبه، وإن الكارت الأخير اللي رماه في التليفون كسرني. المحامي بتاعي وقف، والمحامي بتاعهم وقف.
محاميهم بدأ يتكلم بنبرة مسرحية: “سيادة القاضي.. موكليني مش معترضين بس على الوصية، موكليني بيطالبوا بإنكار نسب الطفل! رجل في الثمانين من عمره، تعاني صحته من التدهور، كيف يستقيم عقلاً أو طباً أن ينشب منه ولد؟ هذه السيدة استغلت خرف المتوفى وحدته، ونحن نطلب تحويل الطفل والمدعية للطب الشرعي لإجراء تحليل الـ DNA.”
القاعة بدأت تهوش، الجيران اللي حاضرين بدأوا يتهامسوا. بصيت للأرض ودتني بتزن. المحامي بتاعي قرب مني ووشه أصفر: “هناء.. التحليل ده هيطول، ولو عملناه السمعة…” قطعت كلامه وأنا حاسة بدموعي بتتحجر في عيني: “خليهم يعملوا التحليل يا أستاذ.. أنا شريفة وعم رفعت جوزي على سنة الله ورسوله، والولد ده ابنه.” بس المفاجأة مش هنا.. الصدمة اللي هزت القاعة كلها جت من المكان اللي محدش كان يتوقعه.
القاضي خبط بالشاكوش: “هدوء في القاعة!” وبعدين بص للملف اللي قدامه وقال: “قبل النظر في طلب الطب الشرعي.. المحكمة تلقت حرزاً مغلقاً مسجلاً باسم المرحوم رفعت، تم إيداعه لدى أمانة المحكمة بواسطة مستشفى الساحل التعليمي قبل وفـ,ـاته بأسبوع واحد فقط.” سامح ومحاميه اتنفضوا من أماكنهم: “حرز إيه يا فندم؟”
القاضي فتح الظرف الأصفر الكبير، وطلع منه أوراق وختم طبي رسمى. قرأ بصوت عالي وواضح هز أركان القاعة: “تقرير طبي صادر من لجنة ثلاثية بتاريخ (….)، يتضمن تقريراً بفحص السائل المنوي وتحليل الخصوبة للمريض رفعت (…)، والذي يثبت بالدليل القاطع سلامة القدرة الإنجابية للزوج وقت حدوث الحمل، مرفقاً به نتيجة تحليل جينات مبدئي (Pre-natal DNA) أجراه المتوفى بنفسه وهو على قيد الحياة وبسرية تامة، ليثبت نسب الجنين إليه وهو في بطن أمه!”
الصمت نزل على القاعة زي الصخرة. القاضي كمل وهو بيبص لسامح وإخواته بقرف صريح: “ولم يكتف المتوفى بذلك.. بل أرفق بالتقرير بلاغاً رسمياً للنيابة العامة، يتهم فيه أولاد أخيه بمحاولة محاصرة بيته، وتهديده الشفهي بالتزوير والإساءة لسمعة زوجته إذا ما أنجبت منه، وطالب بحمايتها قانوياً.” عم رفعت.. الراجل الطيب اللي حسيته غلبان وصامت، كان قاريهم! كان عارف إنهم مش هيسيبوني في حالي، وكان مرتب كل خطوة بالملي وهو بيصـ,ـارع المـ,ـوت في أيامه الأخيرة. كان عارف إن حبه لي ولإبنه مش بس كلام، ده كان درع حماية سابهولنا قبل ما يمشي!
سامح وشه بقى بلون التراب، محاميه قعد على الكرسي ومش عارف يقول إيه.