القاضي خبط بالشاكوش خبطة نزل صداها في قلبي زي الماء الثلج: “حكمت المحكمة بثبوت نسب الطفل ياسين للمتوفى رفعت، وصحة عقد الزواج، وتمكين الزوجة وابنها من كافة الممتلكات والبيت بصفتها الوصية الشرعية، مع إحالة شريط التسجيل الصوتي والبلاغ المقدم من المتوفى للنيابة العامة للتحقيق في التهديدات الموجهة للمدعية!” طلعت من المحكمة وأنا شايلة ياسين في حضني. سامح كان واقف على السلم، عينيه مليانة غل وحقد، بس مكنش قادر يفتح بقه ولا يخطو خطوة ناحيتي. الجيران اتلموا حواليا، اللي كانت بتزغرد واللي بيعيط من الفرحة.
رجعت البيت.. فتحت الباب، ريحة قهوة عم رفعت وضحكته كانت لسه مالية المكان. قعدت على الكرسي بتاعه، ضميت ياسين لصدري وقولت بصوت واطي: “حقك رجع يا عم رفعت.. وربنا ما ضيعناش.” من يومها، بقيت أنا “أم ياسين”.. صاحبة البيت، اللي حمت الراجل اللي حماها، واللي أثبتت للدنيا كلها إن الأصالة والمجد مش بالفلوس، بس بالجدعنة والوفا اللي بيعيش حتى بعد ما أصحابه بيمشوا.
عدت ١٧ سنة زي القرمشة في الهواء.. البيت اللي عم رفعت سابهولنا بقى حتة من روحنا، شجرة الجوافة اللي زرعها في الجنينة كبرت وظللت على السور، وياسين.. ياسين بقى طول وعرض، نسخه طبق الأصل من أبوه، نفس الشامة اللي فوق حواجب، نفس العيون الواسعة، بس بملامح شاب عنده ١٨ سنة، دـ,ـمه حامي، وشاربه بدأ يبتدى يبان. طول السنين دي، كنت مربياه إن البيت ده مش مجرد حيطان، ده كرامة أبوه، ووصية راجل حمانا في وقت الدنيا كلها كانت عايشة تنبش في لحمنا. ياسين دخل كلية حقوق، كان حلمه يبص في عين القاضي زي ما القاضي بصلنا زمان، وياخد حق الغلبان.
وفجأة.. الموتور اللي صدى تحت العمارة رجع يشتغل تاني. في يوم جمعة، الجو كان ساكت والشمس دافية. سمعت خبطة على الباب.. مش خبطة جيران، دي كانت دبة بغل، دبة رجل عايز يكسر الخشب. فتحت الباب، ودمي أتجمد تاني بنفس الطريقة اللي اتجمد بيها من ١٨ سنة! كان واقف سامح.. بس شعره شاب، وشوشته بقى فيها تجاعيد الغل، ووراه شابين في العشرينات، ولاده. “خير يا أستاذ سامح؟” قولت وأنا بحاول أثبت طولي وأمنع إيدي إنها ترتعش.
ابتسم نفس الابتسامة الصفرا اللي محفظتش غيرها: “كبرتي يا هناء.. وكبرت معاكي الأوهام. إحنا جايين ننفذ القانون. أرض البيت ده داخلة في مشروع تطوير وبناء أبراج، والأرض دي أصلها ورث جدنا، يعني أصل الملكية بطل، والورقة اللي خدتي بيها الحكم زمان كانت على المبنى مش على الأرض!” طلّع إعلام وراثة قديم وورقة محامي ورفعها في وشي: “معاكي أسبوع تلمي كراكيبك وتطلعي بالتي هي أحسن، بدل ما نطلعك بقرار إزالة ورمي في الشارع!”
حسيت بالدنيا بتدور بيا، رجلين سامح كانت هتدوس على عتبة البيت، وفي اللحظة دي.. إيد قوية مسكت كتفه ورجعته خطوتين لورا. “إيدك متلمسش عتبة البيت ده يا عمي.” الصوت طلع من ورايا.. صوت جامد، فيه هيبة ورخامة تفكرك برفض عم رفعت لما كان يقف في وش الظلم. ياسين كان واقف، متكتف، بيقيم سامح وولاده بنظرة هادية ترعب. سامح بصلُه بذهول، كأنه شاف عفريت عم رفعت صحي من التربة: “أنت.. أنت ابن هناء؟”
“أنا ياسين رفعت.. صاحب البيت، وابن الراجل اللي اسمك مكتوب في سجله بتهـ,ـديد صريح بالقـ,ـتل والتزويـ,ـر.” ياسين قرب منه خطوة، وبص للورقة اللي في إيد سامح، وضحك ضحكة صغيرة فيها ثقة تدرس: “ورقة إيه دي اللي جايبها؟ عقد قسمة سنة ١٩٧٥؟ أنت نسيت إن أبوي اشترى أنصبة إخواته كلهم ووثق البيع في الشهر العقاري سنة ١٩٩٨، وإنه ساب العقد الأصل في الخزنة الحديد مع وصيته؟” سامح اتلجلج، وولاده بدأوا يبصوا لبعض بقلق: “أنت بتخرف بتقول إيه؟ العقد ده اتلغى!”
ياسين طلع تليفونه من جيبه وفتح شاشة، وعرض صورة ضوئية من مسجل الشهر العقاري: “العقد متسجل ومقيد برقم شهر أصل، ووالدي الله يرحمه كتب الأرض والمبنى وقصادهم هبة مسجلة باسمي أنا وأمي. أنت جاي تبيع المية في حارة السقايين؟ أنت جاي تتشاطر على طالب حقوق حافظ قضية أبوه صفحة صفحة من وهو عنده ٨ سنين؟” سامح وشه بقى بلون الأسفلت، وبدأ يزعق عشان يلم الحارة: “يا ناس يا عالم.. الواد ده وأمه أكلوا حقنا!”
بس المرة دي الحارة متجمعتش عشان تتفرج، الحارة اتجمعت عشان تقف ورا ياسين. شباب الشارع طلعوا، والستات بصلوا من الشبابيك، وأبو أحمد البقال طلع بكرسي وقال: “امشي من هنا يا سامح بدال ما نطلب لك البليس، كفاية اللي عملته في عمك زمان وهو بيمـ,ـوت!” ياسين حط إيده على كتف سامح وقال بصوت واطي ومسموع للكل: “لو شفت خيالك أنت أو ولدك في الشارع ده تاني، مش هرفع قضية مدني.. هرفع قضية بلاغ كاذب ومحاولة استيلاء على ملك غير، وصدقني.. الحبس في سنك ده مش هيبقى لطيف يا عمي.”
سامح بصلنا بنظرة غل أخير، ونزل السلم وهو بيتطوح ووراه ولاده ساكتين وزي الكيلاب المضـ,ـروبة. قفلت الباب، وقعدت على الكرسي وأنا بتنفس بالعافية. ياسين جه وطبس على ركبه قدامي، مسك إيدي وباسها: “خلاص يا أمي.. الزمن اتغير. زمان أبوي حماكي بالورق وهو عايش وهو ميت، والنهاردة أنا اللي هحميكي بطولي ودرعي.. البيت ده محمي بروح أبوي وربنا فوقينا.” ضميته لصدري وأنا بدمع، بس المرة دي دموع فرح وفخر.. الراجل الطيب اللي مـ,ـات وهو عنده ٨١ سنة، سابلي ولد يسد عين الشمس، وسابلي بيت عمري ما هحس فيه بالخوف تاني.
بعد ما سامح وولاده نزلوا يجروا أذيال الخيبة، والهدوء رجع يرفرف على البيت تاني، دخلت أوضتي وإيدي بترعش.. بس المرة دي مش من الخوف، المرة دي من الخشوع. فتحت الدولاب القديم، وطلعت من قاع الصندوق الخشبي ظرف أصفر مقفول بجمع أحمر، ناعم من كتر ما مسكته عبر السنين. الظرف ده كان عم رفعت سابهولي قبل ما يسلم روحه لبارئها بليلتين، وقالها لي بصوت بحوح وهو بيمسح على بطني: “الظرف ده يا هناء، يتفتح يوم ما الواد يتم ١٨ سنة.. يوم ما يبقى راجل يشيل اسمي ويفهم يعني إيه كلمة كرامة.”
طلعت للصالة.. ياسين كان قاعد على كرسي أبوه الهزاز، سارح وبيتنفس ببطء بعد المعركة اللي خاضها. “ياسين..” ناديت عليه. بصلي، فقربت منه وقعدت جنبه، وحطيت الظرف في إيده. بصلُه بذهول، صوابعه مشيت على الختم الأحمر وعلى الخط القديم المكتوب بيه من بره: (إلى ابني ونوري.. ياسين رفعت). عنيه دمعت، وفتح الظرف بالراحة كأنه بيفتح صندوق مجوهرات. جوه، كانت فيه ورقة فلوسكاب قديمة، مكتوبة ببنط عريض وخط إيد أبوه الجميل اللي بيفكرنا بالزمن الجميل:
رسالة عم رفعت لابنه ياسين
“بسم الله الرحمن الرحيم.. يا بني يا نور عيني اللي جيت في آخر عمري عشان تقول للدنيا إن رفعت مماتش مقطوع من شجرة.. لما تقرأ الكلام ده، هكون أنا تحت التراب من 18 سنة، وهتكون أنت بقي طول بعرض، راجل كامل مكمل، وأكيد بقيت فاهم الدنيا ماشية إزاي.
يا ياسين.. أنا متجوزتش أمك عشان شهوة، ولا اتجوزتها عشان أغيظ حد.. أنا اتجوزت أمك لأنها كانت الروح النظيفة الوحيدة اللي طبطبت عليا لما الدنيا كلها كانت عايشة تنبش في لحمي. أمك يا بني جوهرة.. صانتني في كبري، وحمت بيتي، وشالتك في بطنها وسط حرب لا رحمة فيها. الوصية الأولى والأخيرة ليك يا ياسين: أمك ثم أمك.. التراب اللي تمشي عليه تحطه فوق رأسك تاج.
أما عن البيت والفلوس.. البيت ده أنا بنيته بعرق جبيني حصاة حصاة، ومكنتش خايف عليه من الضياع، أنا كنت خايف عليه من الغل. لو ولاد أخويا جم وقفوك في يوم، متكرههمش يا بني.. اشفق عليهم، لأن طمع الدنيا عمى قلوبهم وخلاهم يخسروا الآخرة عشان حتة أرض. يا ياسين.. الحق مش محتاج صوت عالي، الحق محتاج حجة وقوة وضمير صاحي. أنا سيبتلك اسمها الشريف، وسيبتلك بيتاً مفتوحاً بالخير، وسيبتلك قبل كل ده دعوة في نص الليل إن ربنا يجعلك سند للضعيف ودرع لأمك.
سامحني إني مش هكون جنبك وأنت بتتخرج، ومش هحضر فرحك، ومش هسندك وإنت بتبدأ طريقك.. بس اتأكد إن روحي حواليك، وأثر دعاي هيفضل يحرسك لحد ما نلتقي عند ربنا. أبوك اللي عاش ومـ,ـات وهو فخور بيك.. رفعت” إيد ياسين كانت بترعش وهو بيقرأ، والدموع نزلت من عينيه مغرقة الورقة. ضم الرسالة لصدره ونزل على ركبه، وحط رأسه في حجري وهو بيعيط كأنه للسه طفل صغير.. ومش ياسين بس، أنا كمان كنت بعيط وببتسم في نفس الوقت.
البيت ده مكنش مجرد طوب وسقف.. البيت ده كان أصل، وفضل، ووفاء عاش أطول من صاحب العمر نفسه. رفع ياسين رأسه، وبصلي بعيون ملانة ثقة وقوة، وقال بصوت حاسم:
“أبوي مماتش يا أمي.. أبوي عايش جوايا، وعهد عليا قدام ربنا، سمه وهيئته وكرامته هيفضلوا مفرودين على البيت ده لحد ما أقابله.” وقعدنا إحنا الاثنين في الصالة، شجرة الجوافة بره كانت بتهزها النسمة، وريحة القهوة والذكريات مالية المكان.. وعرفنا إن القصة خلصت، بس السيرة الجميلة هي اللي هتفضل عايشة للأبد.