روايات

في يوم تخرجها، بنت يتيمة وقفت أمام رجل غريب وقالت له بصوت يرتجف: ممكن تمثل إنك بابا بس النهاردة؟

في يوم تخرجها، بنت يتيمة وقفت أمام رجل غريب وقالت له بصوت يرتجف: ممكن تمثل إنك بابا بس النهاردة؟ ولم تكن تعرف أن طلبها الصغير سيكشف سرًا بكى له كل من في القاعة. في الأردن كانت ليلى مراد طفلة في التاسعة من عمرها، واقفة أمام مدرستها الابتدائية بفستان أصفر باهت وشريط ستان في شعرها، تنظر إلى الأهالي وهم يدخلون بالورد والبالونات والضحكات. كل طفل في ذلك اليوم كان له يد تمسكه، أم تعدل له ملابسه، أب يصوره بهاتفه، جدة تدعو له، أما ليلى فكانت تقف وحدها كأنها جاءت من بيت نسيه الفرح.

أمها رحلت قبل سنوات، وجدتها أمينة التي ربتها صارت طريحة الفراش لا تقوى على النزول، ولم يبقَ لليلى أحد يجلس في الصفوف الأولى ويصفق لها حين يُنادى اسمها. كانت تحفظ الجملة منذ الصباح، رددتها أمام مرآة الحمام أكثر من مرة، لكنها كلما رأت وجوه الأطفال مع أهاليهم شعرت أن الكلمات تتحول إلى حجر في حلقها. على الجهة الأخرى من الشارع توقفت سيارة سوداء فخمة، ونزل منها رجل طويل يرتدي بدلة غالية، ملامحه هادئة لكنها تحمل تعبًا قديمًا لا يراه إلا من يعرف الوحدة.

كان اسمه يوسف الخطيب، رجل أعمال جاء إلى المدرسة لحضور تكريم قصير باسم شركته، ولم يكن يعرف أن طفلة صغيرة ستغير معنى هذا اليوم كله في قلبه. نظرت ليلى إليه طويلًا، خافت أن يضحك عليها، أو يطـ,ـردها، أو يمشي قبل أن تكمل كلامها، لكن فكرة أن تجلس وحدها بين كل العائلات كانت أقسى من الخوف.

عبرت الشارع بخطوات صغيرة، ووقفت أمامه وهي تفرك طرف فستانها، فقال لها بحنان: أنتِ كويسة يا شطورة؟ كادت تبكي من دفء صوته، لكنها تماسكت وقالت بسرعة: عندي طلب غريب جدًا، أرجوك ما تمشيش قبل ما تسمعني. انحنى يوسف قليلًا حتى صار قريبًا من عينيها، وقال بهدوء: أنا سامعك. قالت ليلى وهي تشير إلى المدرسة خلفها: النهاردة حفلة تخرجي من رابعة ابتدائي، وكل الأولاد جايين بأهاليهم، بس أنا ماما مش موجودة، وتيتا تعبانة ومش قادرة تيجي. سكتت لحظة، ثم أضافت بصوت أضعف: ينفع تمثل إنك بابا؟ بس النهاردة، بس لحد ما الحفلة تخلص.

تجمد يوسف في مكانه، ليس من الطلب فقط، بل من الوجع النظيف في صوتها، ذلك الوجع الذي لا يتسول الشفقة بل يطلب لحظة ستر. سألها بهدوء: اسمك إيه؟ قالت: ليلى مراد. تغير وجه يوسف تغيرًا خفيفًا لم تلحظه الطفلة، لأن اسم العائلة مراد مرّ على قلبه كخدش قديم، لكنه أخفى ارتباكه وقال لها: وأنا اسمي يوسف. قالت بقلق: لو مشغول عادي، أنا آسفة. ابتسم لأول مرة وقال: من اللحظة دي لحد آخر الحفلة، أنا بابا يوسف. دخل معها إلى القاعة، وكانت ليلى تمشي بجانبه كأنها تخاف أن يختفي فجأة، بينما كان هو يحمل حقيبتها الصغيرة كأنها أغلى شيء في يده.

حين جلست ليلى في صفها، جلس يوسف في الصف الأول، وكلما التفتت خلفها وجدته هناك يبتسم ويرفع لها يده، فبدأ الخوف ينسحب من عينيها لأول مرة. بدأ الحفل، وصعد الأطفال واحدًا وراء الآخر، وكانت القاعة تمتلئ بالتصفيق كلما وقف طفل يحمل شهادته ويبحث بعينيه عن عائلته. وحين نادى المدير: الطالبة ليلى مراد، صاحبة المركز الأول على الصف، وقف يوسف قبل أن يشعر بنفسه وصفق بقوة حتى التفت الجميع إليه. صعدت ليلى على المسرح وهي تحاول ألا تبكي، لكن حين رأت يوسف واقفًا وحده يصفق لها كأب حقيقي، ضمت الشهادة إلى صدرها وابتسمت ابتسامة جعلت القاعة كلها تصمت.

طلب المدير من ليلى أن تقول كلمة قصيرة، فأخذت الميكروفون بيدين مرتجفتين وقالت: كنت خايفة النهاردة أقعد لوحدي، لكن ربنا بعت لي بابا لمدة يوم. ضحك بعض الناس من رقة الجملة، لكن يوسف لم يضحك، فقد انكسر شيء داخله وهو يسمعها، كأنه كان يحتاج هو أيضًا أن يكون أبًا ولو ليوم واحد. بعد الحفل ركضت ليلى نحوه وأعطته وردة ورقية صنعتها بنفسها، وقالت: شكرًا إنك ما سبتنيش. أخذ يوسف الوردة، ثم لمح في رقبتها سلسلة صغيرة داخلها صورة امرأة شابة، فسألها بصوت تغير فجأة: دي مامتك؟ فتحت ليلى السلسلة وقالت:

أيوه، اسمها مريم مراد، تيتا بتقول إنها كانت دايمًا تزعل لما تسمع اسم يوسف. ارتجفت يد يوسف، لأن مريم مراد لم تكن اسمًا عاديًا في حياته، كانت المرأة التي أحبها قبل عشر سنوات ثم اختفت فجأة بعدما قيل له إنها تزوجت وسافرت. سألها بصوت مبحوح: جدتك اسمها أمينة؟ هزت ليلى رأسها باستغراب،

وفي نفس اللحظة رن هاتفها القديم، فظهر اسم تيتا أمينة على الشاشة. فتحت ليلى المكالمة وهي تبتسم، لكن صوت جدتها جاء باكيًا ومذعورًا: ليلى، الرجل اللي معاكِ اسمه يوسف الخطيب؟ نظر يوسف إلى الهاتف وقد توقف تنفسه، فقالت الجدة بصوت مكسـ,ـور قبل أن يرد أحد: لا تتركيه يمشي يا بنتي… هذا ليس رجلًا غريبًا، هذا أبوك الحقيقي الذي حرمونا منه. الي عايز يعرف الباقي يكتب تم وقف الزمان في تلك اللحظة داخل القاعة؛ الدوشة وصوت البالونات وتصفيق الأهالي، كل ذلك تلاشى فجأة وبقي صوت الجدة القادم من سماعة الهاتف القديم يتردد في أذن ليلى كأنه صدى من عالم آخر.

اتسعت عينا ليلى الصغيرتين، ونظرت إلى الهاتف ثم رفعت رأسها ببطء شديد نحو يوسف. كانت يدها التي تمسك بالهاتف ترتجف، والشهادة التي بذلت لأجلها جهد عام كامل كادت تسقط من يدها الأخرى. قالت بصوت خافق، كأنها خائفة من أن تبدد الوهم: “تيتا… تيتا بتقول إنك… إنك مش غريب؟”

يوسف لم ينطق بكلمة. كانت عيناه الشاهقتان بالحزن والذهول تحدقان في الطفلة، ثم في السلسلة الذهبية التي تتدلى من رقبتها وتحمل صورة “مريم”. تجمعت الدموع في عينيه، هو الرجل الصارم الذي لم يره أحد يبكي منذ سنوات طويلة. انحنى على ركبتيه فورًا حتى صار في مستوى طولها، وبيدين ترتعشان أخذ الهاتف من يدها ورفعه إلى أذنه. قال بصوت مبحوح يختنق بالوجع: “حاجة أمينة… أنا يوسف. احكيلي الحقيقة أرجوكِ… مريم؟ ليلى؟ إيه اللي حصل؟”

جاء صوت الجدة أمينة من أقصى الوجـ,ـع، يتخلله بكاء طال كتمانه لسنوات: “سامحني يا يوسف… سامحني يا ابني. أهل مريم غصبوها تسيبك زمان لما كنت في بداية طريقك، وأوهموك إنها اتجوزت وسافرت عشان تبعد عنها… مريم ما اتجوزت غيرك، ولما عرفت إنها حامل بـ ليلى، وقفت وش أهلها واستحملت ظلـ,ـمهم وقسـ,ـوتهم عشان تجيب حتة منك للدنيا. عاشت وماتت وهي شايلة اسمك وحبك في قلبها، وما رضيتش تسجل ليلى إلا باسم عيلتها عشان تحميها من أذى عيلتها، بس كتبت في أوراقها الرسمية وفي مذكراتها إن ليلى هي بنتك أنت… ليلى يوسف الخطيب!”

سقط الهاتف من يد يوسف على الأرض. شعر وكأن الأرض تهتز تحت قدميه. عشر سنوات من حياته مرت كصحرائ جافة، سنوات كان يظن فيها أن المرأة الوحيدة التي أحبها قد باعت حبه واختارت غيره، بينما كانت هي تخوض معركة ملحمية وحدها في الخفاء لتصون طفلتهما وتحميها. التفت يوسف إلى ليلى. كانت الطفلة تقف مذهولة، تتابع حركة عينيه والدموع التي سالت على خديه دون توقف. لم تعد ليلى تفهم هل هذا تمثيل أم حقيقة، هل الأب الذي طلبته لساعة واحدة فقط قد أرسله الله لها للأبد؟

جلس يوسف على الأرض أمام الجميع، لم يبالِ ببدلته الفاخرة ولا بنظرات الناس في القاعة الذين بدأوا يستغربون المشهد. وضع يديه الدافئتين على كتفي ليلى الصغيرتين، وقال بصوت يتقطع من البكاء: “أنا مش ممثل يا ليلى… أنا مش غريب. أنا بابا… أنا بابا اللي كنت غايب عنك وما اعرفش إنك موجودة في الدنيا. أنا بابا اللي اتمنيت وجوده اليوم.”

سكتت ليلى لثوانٍ، كان قلبها الصغير ينبض بسرعة مرعـ,ـبة، ثم نظرت إلى السلسلة في رقبتها، وإلى الوردة الورقية في يد يوسف، وشعرت بدفء أمان لم تعشه من قبل. لم تسأل كيف ولا لماذا، كل ما عرفته في تلك اللحظة أن يدها لم تعد فارغة. ارتمت في حضنه بشدة، وألقت برأسها الصغير على كتفه، وبكت بكسرة سنوات الوحدة واليتم، وبكت معها القاعة كلها بعدما انتشر السر بين الحضور وعرف الجميع أن طفلة الصف الأول لم تجد أباً لتمثيلية الحفل، بل وجدت أباها الحقيقي الذي حرمتهما الأيام من بعضهما.

لم ينتظر يوسف لحظة واحدة بعد ذلك. حمل ليلى بين ذراعيه وكأنها أثمن ما يملك في هذا العالم، وأخذ حقيبتها ووردتها الورقية، وخرجا معاً من المدرسة إلى سيارته. وطوال الطريق إلى بيت الجدة، كانت ليلى تتفقد وجهه كل دقيقة، تمسك بيده بقوة وتتأكد أنه لن يختفي، وكان هو يضغط على يدها بحنان ويقسم لها في سِرّه أنه لن يتركها ثانية واحدة بعد اليوم.

وحين وصلوا إلى بيت الجدة أمينة، كان اللقاء مزيجاً من الدموع والاعترافات والغفران. سلمت الجدة ليوسف صندوقاً خشبياً صغيراً كانت تحتفظ به مريم قبل وفـ,ـاتها؛ كان يحتوي على صور يوسف القديمة، ورسائل لم تُرسل قط، ودفتر مذكرات كتبت فيه مريم في صفحتها الأخيرة: “لو رحلت قبل أن أراك يا يوسف، فليلى هي أمانتي عندك… إنها تملك عينيك وقلبك.”

في ذلك اليوم، لم تخرج ليلى مراد من المدرسة بشهادة تفوق في الصف الرابع الابتدائي فحسب، بل خرجت وهي تحمل اسمها الحقيقي، وبأبٍ مسح عن قلبها غبار اليتم، وغيّر الفستان الأصفر الباهت في حياتها إلى الأبد ليصبح بداية لعمر جديد يملؤه الحب والأمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى