روايات

“البنت ما أغميش عليها من التعب… في حد حط لها حاجة في العصير!”

“البنت ما أغميش عليها من التعب… في حد حط لها حاجة في العصير!”
الصرخة دي هي اللي قطعت الفرحة وشقت السكوت في صالة البيت، وأنا ماسكة بنتي ندى، صاحب السبع سنين، وجسمها نازل بين إيديا زي الورقة الدبلانة، قبل ما نلحق حتى نغني لها “انزل يا جميل في الساحة”.
الجو كان لسة ريحته تورتة فانيليا وسمع صوت البلالين وهي بتخبط في السقف، والمهرج اللي أمه أصرت تجيبه عشان “يبقى عيد ميلاد شيك” كان لسة بيظبط عدته في الصالة. ندى كانت بتضحك من قلبها، لابسة طوق طوق طوق طوق طوق بفيونكة بينك، وإيدها ملغوصة شيكولاتة، بصلتي وكانت لسة هتطلع كلمة…

وفجأة صوابعها سابت إيدي، وركبها اتسحبت منها.
لحقتها قبل ما دماغها تلمس البلاط. “ندى! يا حبيبتي!” الصوت اختفى من الدنيا، الأغاني كانت شغال من بعيد في المطبخ، بس محدش اتتحرك. البنت عينيها مفتوحة بس رايحة في دنيا تانية، ونفسها خارج بطيء… بطيء بشكل يرعب. حطيت صباعي على رقبتها، نبضها كان خيط رفيع أوي قرب يتقطع.
رفعت عينيا ناحية المطبخ.
اختي نهى كانت واقفة جنب شفشق الشربات البمبي، سانده إيدها بكل برود. الكل كان مرعـ,ـوب، وشوشهم أصفرت، إلا هي… كانت مبتسمة. مش ابتسامة كاملة، لأ، نص ابتسامة من طرف بؤها، كأنها مستنية اللحظة دي من زمان.

“يا مريم بلاش دراما والنبي، العيال بتهنج في الحفلات من الفرهدة، طول عمرك بتهولي الأمور!” قالتها بنبرة مسكرة زي السـ,ـم.
أمي، الحجة فاطمة، قربت بسرعة، بس قبل ما تلمس ندى بصتلي بنفس نظرة القـ,ـرف والخزي اللي حافظاها منها من سنين: “هتبدأي الجنان بتاعك تاني؟ أديكي هتخلي القرايب يقولوا عليكِ معقدة ومجنونة زي كل مرة!”
مجنونة… الكلمة المفضلة عند نهى.
كانت بترميهالي في وشي كل ما أرفض أسلفها فلوس، كل ما أقف لها في مصاريف شركة العطارة والمواد الغذائية بتاعة العيلة، كل ما أرفض أتنازل لها عن حصتي اللي جدي كتبهالي قبل ما يمـ,ـوت.

والنهاردة وبنتي بين الحياة والمـ,ـوت، كانت بتبصلي بنفس النظرة اللي بتفصل بيها الحكاية على مزاجها.
في اللحظة دي، طارق جوزي دخل بيزق الناس، كان لسة بهدوم الإسعاف لأنه جاي من ورديته في الإسعاف رأساً على العيد ميلاد. أول ما شاف ندى، وشه اتخطف ولونه بقى زي الملاية البيضا. نزل على ركبه بسرعة: “أكلت إيه؟”
“تورتة وشيبسي… والشربات البمبي اللي نهى عملته.”
نهى برشت بعينيها ثانية واحدة… ثانية بس، وأنا لقطتها.
جوزها حسام ضحك من أخر الصالة وهو واقف جنب ترابيزة الهدايا: “جرى إيه يا مريم؟ هتتبلي على اختك في عيد ميلاد بنتك كمان؟!”

طارق ماردش عليه، فتح عين ندى، قس نبضها، وشاف نفسها، وبعدين رفع راسه بهدوء يرعب أكتر من أي صريخ: “اطلبوا الإسعاف… فوراً.”
عمها قاله بتوتر: “يا طارق ما أنت مسعف وكبيرهم، اتصرف أنت!”
رد بصوت زي الحديد: “قلت اطلبوا الزفت الإسعاف!”
نهى قُربت خطوة وهي مربعة إيدها، وعاملة فيها الضحية: “يمكن مريم اتلخبطت وادتها حاجة بالغلظ؟ أصلها الأيام دي نساية ومشتتة خالص.”
في الدقيقة دي… الدموع جفت في عيني.
بصيت لها في وشها مباشرة.

نهى نسيت حاجة مهمة أوي، نسيت إن قبل ما أكون أم، وقبل ما اشتغل في شركة العيلة، أنا قضيت سنين شغال محققة في الحسابات والمراجعة القانونية في الشركات الكبيرة، وأهم حاجة اتعلمتها هناك إن المجـ,ـرم مش دايماً بيهرب… ساعات بيقف يتفرج، يحسب، ويستنى يشوف هل حد كشف غلطته ولا لسة.
قبل ما نطلع على العربة والإسعاف، عملت حاجة الكل شافها… مشيت بثبات، وطلعت مفتاح المطبخ من جيب شنطتي، وقفلته عليهم من برة بالضبة والمفتاح.
ابتسامة نهى اختفت تماماً ووشها جاب ألوان.

وفي الوقت اللي كانوا بيشيلوا فيه بنتي وهي غايبة عن الوعي، طارق مسك الكوباية البلاستيك اللي عليها رسمة الوحيد القرن من على الترابيزة، بص لها في سكون تام، وسأل بصوت جهوري هز البيت كله: “مين اللي صب الشربات ده؟” محدش نطق… والكل كان عارف إن اللي جاي مش مجرد حقيقة، دي حـ,ـرب هتطير فيها رقاب!لمتابعه القصه اذكروا الله وانتظروا الباقي (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ – لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ)

الفصل الثاني: عطر اللوز المر ونبضات المـ,ـوت صوت قفل الباب بالمفتاح وهو بيتزحلق في طقطقة حديدية واضحة كان أشبه بصوت طلقة رصـ,ـاص وسط صالة مليانة ناس مكبولة بالرعب. نهى اتجمدت مكانها على باب المطبخ المقفول، وشها اللي كان واخد لون الثقة بقى أبيض زي الشاش المبلل، وسألت بصوت عالي عالي ومرتجف بيحاول يداري رعبها: “إنتِ… إنتِ اتجننتي يا مريم؟! بتقفلي عليا أنا وجوزي المطبخ ليه؟! العيال عايزة تاكل جاتوه!”

مردتش عليها. كنت ماشية ورا طارق اللي كان شايل ندى بين إيديه كأنها قطعة أزاز مكسورة، وشها الأزرق كان بيبعت لي إشارات تمـ,ـوت الحتة السليمة في قلبي. خرجنا من باب الشقة في ثواني، وطارق نزل بالجرى على السلم زي المجنون، وأنا لازقة فيه، ريحة عطر نهى القديم “الفانيليا بالمسك” كانت لازقة في مناخيري، بس كان تحتها ريحة تانية أصعب وأخطر… ريحة اللوز المر. ركبنا عربية الإسعاف اللي كانت واقفة تحت البناية. طارق فتح صندوق الإسعافات الأولية بسرعة مهولة، ركب لها محاليل ومجرى هوا، وفضل يضغط على صدرها بحساب مدروس، وعينيه جاحظة ودموعه نازلة من غير صوت.

السابقانت في الصفحة 1 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى