بصيت له وسط دوشة الصفارة اللي اخـ,ـترقت السكون، وقلت بصوت حاسم وجاف: “البت متسممة يا طارق… مش هبوط، ومش سخونة، ومش زعل أطفال.” بصلّي ثانية واحدة، ونظرة عينه كانت كفيلة تفهمني إنه كان حاسس بده من الأول: “أنا عارف… الريحة اللي في الكوباية مش شربات ورد عادي. دي ريحة منوم عالي التركيز، أو مهدئ أعصاب بيستخدموه في مصحات الطب النفسي للسيطرة على الحالات الحادة. لو كانت شربت الكوباية كلها… مكنش قلبها استحمل.”
داخل أسوار الطوارئ: اللعبة تبدأ من جديد في المستشفى، دخلت ندى على الترابيزة الصفرا بتاعة الطوارئ، والدكاترة اتلموا زي النحل، أجهزة المونيتور ابتدت تطلع “بيب… بيب…” بطيئة في الأول وبعدين انتظمت شوية لما غسلوا معدتها وادوها مضاد السموم. الدكتور المسؤول خرج لنا ووشه عابس، بص لطارق كونه زميل في المجال الطبي وقال: “الحمد لله لحقتوها في آخر ثانية. السم اللي كان في جسمها نوع كيميائي مخلق صناعياً، بيوقف استجابة الجهاز العصبي تدريجياً لحد ما يوقف عضلة القلب. لولا أنكم جيتوا في خلال دقايق، والكمية مكنتش كملت الكوباية، كان زمانا بنقرا الفاتحة.”
كلمة “السم” نزلت على دماغي زي الصاعقة. مش شك، ولا هجوم عابر، دي محاولة قـ,ـتل عمد، وبصمة مين؟ بصمة نهى! بس اللي مكنتش فاكراه، ولا متوقعة مداه، هو اللي حصل ورا ظهري في البيت. تليفوني رن بصوت مزعج. الشاشة كانت مبينة اسم “حسام” جوز اختي. فتحت السبيكر ووقفت جنب شباك الطوارئ. “أنتي اتجننتي يا مريم؟!” صوت حسام كان عالي ومليان تهديد ووعيد، وورا صوت صراخ أمي (الحجة فاطمة) وهي بتزعق: “افتحي الباب يا قليلة الأصل، اختك هتمـ,ـوت من الخضة جوه، والقرايب واقفين على السلم بيدردشوا ومش عارفة أفتح لهم! اعقلي واطلعي حالا!”
رديت بصوت هادئ ومنخفض، هدوء يسبق العاصفة بكتير: “المطبخ مش هيتفتح يا حسام غير لما البوليس يوصل.” سكتت الصالة هناك تماماً. حتى أمي بلعت كلامها. وبعد ثواني، صوت نهى ظهر من التليفون، وكان بيترعش من الغضب المكتوم: “بوليس؟! إنتِ بتهددينا بالبوليس يا مريم عشان بنتك تنحت شوية؟ تعالي هنا! أنا هأدبك بمعرفتي، وهخلي أمك تغضب عليكِ ليوم الدين، وشركة العطارة اللي ميتة على حس أبونا هنخليكِ تخرجي منها مديونة ومطـ,ـرودة!”
قفل السكة في وشي. مفاجأة المحضر القديم وصندوق الأسرار بصيت لطارق، وكان لسة مخلص تعليق المحلول لندى اللي فتحت عينيها بتعب ونادت بصوت واطي: “ماما…” حضنتها وبكيت لأول مرة من ساعة ما بدأت الحكاية، بس الدموع دي مكنتش ضعف، دي كانت وقود لنار هتحرق الكل. قلت لطارق: “خليك مع ندى، أنا راجعة البيت.” “رايحة فين لوحدك في الليل ده؟ دول مجانين وممكن يعملوا أي حاجة!” قالها بخوف حقيقي.
“خليهم يعملوا… أنا معايا مفتاح تانية، ومعايا حاجة أهم بكتير.” طلعت من شنطتي “فلاش ميموري” صغيرة لونها أسود. “دي مش مجرد فلاشة، دي نسختي الاحتياطية من الورق اللي نهى سرقته من خزنة الوالد قبل ما يتوفى بأسبوعين، وفيه مستندات بتثبت إنها زورت توقيعه عشان تنقل أصول الشركة والعقارات باسم جوزها حسام، وكان ناقصها بس إمضائي على التنازل النهائي اللي كنت برفضه في كل جلسة عائلية.” رجعنا البيت، وكان منظر الشقة مأساوي. القرايب مشيوا بعد فضيحة قفل المطبخ، وأمي كانت قاعدة على الكنبة بتعيط وبتهدد، وحسام ونهى واقفين زي الديوك الرومية في النص.
أول ما فتحت باب الشقة ودخلت، نهى هجمت عليّ كأنها قطة وحشة، وراحت رافعة إيدها عشان تضـ,ـربني بالقلم: “يا حقيرة يا…” لكن إيدها اتجمدت في الهوا. مسكت معصمها بقوة، ودفعتها لورا لغاية ما خبطت في ترابيزة النيش. وبصيت في عيون أمي اللي كانت بتشلع بالكره التقليدي اللي ورثته منها ل لصالح نهى، وقلت بصوت عالي: “المرة دي مش هقول إني بتهول الأمور يا أمي. نهى حاجة تقتـ,ـل بنتي… سمّت ندى عشان تخلص مني ومن إرثنا، وفاكرة إنها لما تقفل على نفسها المطبخ هتمسح آثار الجـ,ـريمة.”
حسام ضحك بسخـ,ـرية عصبية: “شهود؟ دليلك إيه يا هانم؟ الكوباية رميناها في الزبـ,ـالة جوه المطبخ لما نظفنا، ومحدش شاف حاجة!” هنا ظهر طارق من ورايا، وكان ماسك في إيده كيس بلاستيك شفاف جواه “الكوباية الأصلية” اللي عليها رسمة الوحيد القرن، ومكتوب عليها تقرير معمل المستشفى المبدئي بخط الإيد: (مادة سامة – مشتقات البنزوديازيبين المركزة). طارق بص لحسام نظرة مـ,ـوت وقال: “مش عيب يا حسام وأنت راجل بتشتغل في المقاولات تفكر إن المسعف بينسى عينة التحليل في مكان الحـ,ـادث؟ أنا أخدت الكوباية معايا من أول ثانية… وقبل ما نوصل المستشفى، كنت كلمت الرائد مصطفى رئيس مباحث القسم، وزميلي في دفعة الكشافة.”
في اللحظة دي بالضبط، سمعنا صوت صفارة عربيات البوليس وهي بتقف تحت العمارة، وأصوات الخطوات السريعة بتطلع على السلم. نهى وقعت على ركبتها على الأرض، ووشها بقى أشبه بالجـ,ـثة الهامدة، وبصت لأمي بصراخ جنوني: “الحقيني يا ماما… هيضيعونا!” نقطة تحول في الكواليس الظابط دخل الشقة بخطوات ثابتة ووراه أمين شرطة، وبص للكل وسأل بصوت حاسم: “مين صاحبة الشقة، ومين اللي بلغ عن محاولة قـ,ـتل متعمدة؟” رفعت إيدي وبصيت لنهى اللي كانت بتترعش زي الورقة في الريح، وقلت: “أنا… والمجـ,ـرمة أهيه قدامك يا سي المقدم!”