مرت اشهر وكل شئ علي حاله ، تتجنب رؤيته وتغار بشدة عندما تراه بالقرب من زوجته. تهنش بها النيـ..ـران وهي تراها تتدلل عليه وتتكلم معه. تحسدها لانها حلاله وزوجته. وهي غريبة عنه.
وفي يوم كانت تجلس مع حماتها وأمامها الكثير من الكتب والمراجع وكانت تتأفف بملل.
خديجة: أوف، أنا تعبت إيه بس الضغط ده، أنا صدعت. فاطمة: شدي حيلك إنتي خلاص امتحاناتك فاضلها أسبوع. خديجة بتذمر طفولي: عارفة وأنا خلاص تعبت، حفيدك مجهدني وابنك مشغول عني والامتحانات مأثرة عليا، أعمل إيه بس. فاطمة: والله إنتي حكاية، ابني ده حتى بقى هادي ومابيعملش حاجة، من الشغل للبيت إنتي ظالماه، وحفيدي بقى ده يدلع براحته هو حر، قوليلي بدأ يتحرك كدة ونشاطه يزيد؟ خديجة: أه يا ماما بيتحرك بقوة، ده نشيط جداً، شكله هيطلع لعيب كورة.
وكانتا هي وفاطمة تتحدثان وتضحكان، ودخل زين في ذاك التوقيت ليستمع لصوتها وضحكاتها التي يعتاد عليها، فأخيراً رآها، فهي دائماً ما إن تراه تبتعد مسرعة ولا تتواجد معه في مجلس واحد إلا قليلاً، فكم افتقد وجودها. دخل بهدوء وابتسم: مساء الخير. فاطمة: مساء النور يا حبيبي. ما إن سمعت صوته إلا وقد خفق قلبها بقوة، فهي دائماً ما تصعد غرفتها قبل ميعاد رجوعه المنزل، وهو اليوم جاء مبكراً عن موعده. كانت تود أن تطيل النظر إليه ولكن أنبت نفسها واستقامت وهي تجمع كتبها وأوراقها لتصعد غرفتها وتبتعد عنه.
خديجة وهي تجمع أغراضها: مساء النور، إزيك يا زين. اقترب منهم وجلس على المقعد المجاور لوالدته وتأملها بلطف وابتسم: الحمد لله، إنتي عاملة إيه وحبيب عمه عامل إيه؟ تعبك أكيد مش كدة؟ خديجة بارتباك: الحمد لله، عادي بقى أنا خلاص اتعودت، عن إذنكم أنا طالعة أوضتي. زين بلهفة: ما تخليكي قاعدة معانا، أومال فين مروان لسة ماجاش؟ خديجة: لا لسة، هو بيتأخر الفترة دي علشان بيجهز للمشروع الجديد. زين: طيب خليكي معانا، ويارا زمانها جاية كلمتني وهتخلص عيادة وجاية، إحنا بقالنا كتير ما اتجمعناش.
خديجة صكت على أسنانها من الضيق والغيرة، فهو يريدها أن تنتظر زوجته لتجلس معهم وتراهم يتبادلون الاهتمام، بينما تقف هي تتجرع الحزن والألم. خديجة بحدة: لا معلش أصلي عندي مذاكرة، اسهروا إنتوا براحتكم. فاطمة: طيب ما تقعدي معانا ونتعشى كلنا مع بعض، وأهو زين يساعدك في مذاكرتك لحد ما يارا ترجع ونتعشى، اقعدي بس واسمعي الكلام. خديجة بإحراج: لا معلش مش عايزة أتعب زين، أنا هطلع أذاكر ولما يارا تيجي أبقى أنزل أتعشى معاكم.
قام زين ووقف أمامها باهتمام: ومين قالك إني هتعب؟ أنا تحت أمرك، اتعبيني زي ما يعجبك، تعالي بس واسمعي الكلام. جلست وقلبها ينبض بقوة من مكوثها معه في مكان واحد. مرت أشهر وكل شيء على حاله، تتجنب رؤيته وتشعر بالضيق الشديد عندما تراه بالقرب من زوجته، تتألم وهي تراها تتدلل عليه وتتحدث معه، وتتمنى لو كانت مكانها، بينما هي تظل بعيدة عنه.
جلست خديجة على طرف الأريكة وأنفاسها تتسارع، تحاول جاهدة أن تُخفي ارتباكها وراء أوراقها المبعثرة. اقترب زين وجلس في المقابل لها تماماً، عيناه لا تفارقان ملامحها المرهقة، بينما كانت نظراته مزيجاً من الشوق المكتوم والعتاب الصامت على هروبها المستمر منه طوال الأشهر الماضية. سحبت فاطمة نفساً عميقاً وقامت بهدوء: طيب يا ولاد، أنا هقوم أشوف أمينة جهزت إيه للعشا، وإنت يا زين فَهّم خديجة الجزئية اللي كانت بتشتكي منها في الاقتصاد دي.
انسحبت الأم، ليخيم على الصالة صمت ثقيل مشحون بمشاعر تكاد تملأ المكان. تنحنح زين وهو يمد يده ليمسك بأحد المراجع الموضوعة أمامها: وريني كدة واقف معاكي إيه يا خديجة؟ لامست أطراف أصابعه يدها دون قصد أثناء التقاط الكتاب، فانتفضت هي كأن صدمة سرت في جسدها، وسحبت يدها بسرعة وضعتها فوق بطنها. لم تمر تلك الحركة على زين، الذي تبدلت ملامحه بمرارة وهو يرى حركتها الدفاعية وتذكيرها الصامت له بأنها زوجة أخيه، وأنها تحمل طفلاً ليس منه.
قال بصوت خافت وهو يتأمل تقاسيم وجهها الشاحب: للدرجادي قلقانة مني؟ للدرجادي وجودي بيوترك وبتهربي مني في كل ركن في البيت؟ ابتلعت خديجة ريقها بصعوبة، ونظرت بعيداً عنه وهي تفرك كفيها باضطراب: مش بهرب ولا حاجة يا زين.. أنا بس مضغوطة من الحمل والامتحانات، ومروان مشغول وأنا مش عايزة أتقل على حد. ضغط زين على حافة الكتاب بقوة وقال بنبرة مليئة بالحزن: تتقلي؟ إنتي عارفة إنك مش حمل تقيل عليا أبداً يا خديجة.. إنتي عارفة كويس إن وجودك غالي، بس إنتي اللي اخترتي تبعدي وتقفلي كل الأبواب.
تجمعت الدموع في عينيها وردت بحدة مكتومة: زين! احترم وجودي في بيت أهلك، واحترم إنك متجوز يارا، وإن مروان أخوك! بلاش تفتح كلام ملوش لازمة وميجيبش غير المشاكل. وقبل أن ينطق بكلمة أخرى، قاطع حديثهما صوت فتح باب الفيلا الخارجي، وارتفع صوت كعب حذاء يارا العالي مع صوت ضحكتها وهي تنادي: حبيبي أنا رجعت.. وحشتني أوي! تصلب جسد زين، بينما تجمدت ملامح خديجة وشعرت بألم يعتصر قلبها. دخلت يارا بكامل أناقتها وألقت حقيبتها، ثم اقتربت من زين مباشرة وانحنت لتلقي عليه التحية أمام أعين خديجة، متجاهلة ملامح زين الجامدة.
يارا بابتسامة متكلفة وهي تلتفت لخديجة: إيه ده، خديجة هانم متنازلة وقاعدة معانا؟ أخيراً شوفناكي يا بنتي، مروان لسة برة برضو؟ ربنا يعينك الحمل مأثر عليكي خالص. تأثرت خديجة من تلميحات يارا المبطنة، لكن ما آلمها حقاً هو يد يارا التي استقرت على كتف زين بدلال. وقفت خديجة فجأة والتعب يداهمها، وجمعت كتبها سريعاً وهي تشعر بضيق حقيقي: الحمد لله على كل حال.. عن إذنكم، أنا تعبانة شوية ومش قادرة أقعد أكتر من كدة.
قام زين واقفاً بقلق وتخطى يارا: مالك يا خديجة؟ حاسة بإيه؟ أوديكي المستشفى؟ نظرت إليه خديجة بعيون تفيض بالحرقة، نظرة صامتة حملت الكثير من الألم، ثم قالت بصوت يرتجف: متقلقش عليا يا بشمهندس.. ابن أخوك كويس.. ويارا مستنياك. صعدت خديجة الدرج وهي تحاول تمالك نفسها، تاركة زين يقف مكانه حائراً، تحت أنظار يارا التي بدت عليها ملامح الشك، لتدرك أن تلك النظرات بين زوجها وامرأة أخيه تحمل وراءها الكثير من الأسرار.