عيطت بره مكتب كبير المنطقة لما سماسرة الديون هددوا يفصلوا الأجهزة عن أخويا في المستشفى: “معاكي ساعة واحدة وتجيبي ٢٠٠ ألف جنيه”. أنا بس رميت التليفون على الأرض، بس هو سمع المكالمة… وعرف الصوت اللي طلع متعلق بخيـ,ـانة جوة عيلته هو شخصياً.
**الجزء الأول**
— لو مدفعتيش متين ألف جنيه قبل الساعة تلاتة، أخوكي مش هيطلع عليه صبح.
أمنية حسيت إن رجليها مش شايلاها.
كانت الساعة داخلة على تلاتة الفجر، وكانت واقفة في الطرقات بتاعة فيلا كبيرة في التجمع الخامس، في إيدها حتة قماشة وفي الإيد التانية التليفون. بره، المطر كان نازل يرزع في الإزاز.
وجوه، المكان كله ريحته ملمع خشب، ماليها الهدوء، والخوف.
بق الها تمن شهور شغالة بتنظف في بيت حازم النمر، راجل أعمال بتاع مقاولات محدش بيقدر يبص في عينه. كان بيتقال إنه ماسك نص البلد من مكاتب شيك ومخازن محدش بيجرؤ يسأل فيها عن حاجة. كان بيدي مرتب تلات أضعاف أي مكان تاني، بس كان بيطلب حاجة واحدة بسيطة: السكوت.
أمنية كانت أستاذة في إنها تختفي وما تبانش.
كانت محتاجة الفلوس دي عشان يوسف، أخوها اللي عنده سطاشر سنة ومتعالج من الكانسر.
العلاج التجريبي كان بيكلف مبالغ خيالية، وقبل ست شهور كانت غلطت غلطة عمرها لما استلفت فلوس من رجب، المشهور بـ “الضبش”، تاجر ديون وشغال من قعدة تحت السلم في الجمالية.
أمنية كانت دفعتله تقريباً كل حاجة. أو ده اللي كانت فاكراه.
— يا رجب، معيش المبلغ ده كله —همست أمنية وهي بتتسانَد على الحيطة عشان م تقعش—. يوم الجمعة هقبض، وهديك كل اللي هجمعه.
— يوم الجمعة هيكون أخوكي خلاص بيودّع —رد عليها بهدوء يقرف—. واحد من رجالتي واقف بره الأوضة بتاعته. وبيقول إن الواد نايم ومتوصل بأجهزة كتير. سهلة أوي نفيشة واحدة تتقفل.
أمنية حطت إيدها على بقها عشان تكتم الصرخة.
— وحياة عيالك ما تلمسوش! هو ملوش دعوة بالدين ده. أنا هشتغل لحسابك، أنظفلك المكان، أوقعلك على أي ورق تعوزه…
— مش عايز شغلك. أنا عايز فلوسي. قدامك ساعة.
المكالمة اتقفلت.
أمنية اتسلخت ونزلت قعدت على الأرض. عيطت في سكات، وهي متكومة على نفسها، صوابعها متجرحة من الكلور وقلبها مكسور. يوسف استحمل شكشكة الإبر، والسخونية، والترجيع، وشهور المستشفيات. ينفعش يمـ,ـوت عشان دين ملوش وجود.
في اللحظة دي، باب المكتب اتفتح.
حازم النمر خرج، مشمر أكمام القميص وفي إيده طبنجة.
كان طويل، ملامحه جادة، وعينيه عينين واحد متعود يقرر مين يطلع عايش من الأوضة ومين لأ.
أمنية حاولت تقف بسرعة.
— يا باشا، أنا آسفة. أنا كنت ماشية خلاص.. ما قصدتش أزعجك.
التليفون يرن تاني على الأرض. هي ردت وفتحت السبيكر من كتر اللخبطة.
— فاضلك خمسة وأربعين دقيقة —صوت رجب طالع من التليفون—. وإياكي تفكري تروحي للبوليس.
حازم وِطى ورفع التليفون من الأرض.
— يا رجب —قال بنبرة واطية بس ترعب—، أنت بتهدد واحدة جوة بيتي؟
الناحية التانية سكتت فجأة تماماً.
— يا حازم بيه…
أنا مكانش عندي فكرة إنها شغالة عند حضرتك.
— أهو بقا عندك فكرة. هتلم راجلك من المستشفى، والدين ده بيتنسى، وكل جنيه أخدته منها يرجعله ا. وفوق كل ده، بكرة الصبح هتبعتلي نص مليون عشان قلقلت منامي.
— بس يا باشا…
— لو اسمك جه على لسانها تاني، مش هيبقالك شغل، ولا سنان، ولا مكان في البلد دي كلها.
حازم قفل السكة وبص لأمنية.
— ادخلي كلي لك لقمة. وبكرة الصبح روحي طمني على أخوكي.
كانت عايزة تشكره، بس هو كان خلاص قفل باب المكتب.
تاني يوم الصبح، أمنية راحت تجري على المستشفى.
السرير بتاع يوسف كان فاضي، الملايات مجهّزة ومفيش أثر لهدومه أو حاجته. مكانتش مصدقة اللي كانت على وشك تكتشفه أمنية وقفت في نص الأوضة، ودماغها بدأت تلف. ضـ,ـربات قلبها كانت حاسة بيها في زورها. جريت على محطة التمريض، دموعها نازلة من غير ما تحس. — يوسف فين؟! يوسف أخويا كان هنا في الأوضة دي! عملتوا فيه إيه؟!
الممرضة بصتلها بذهول وطلبت منها تهدى، بس أمنية كانت على وشك الانهيار. في اللحظة دي، الدكتور المتابع لحالة يوسف خرج من مكتبه وبصلها بابتسامة هادية:
— اهدِي يا أمنية.. يوسف بخير وزي الفل. اتنقل الصبح بدري للرعاية المركزة الفندقية في الدور الأخير، وبدأت تتصرف له جرعات العلاج الألمانية الجديدة اللي كنا بنحلم بيها. أمنية اتسمرت مكانها:
— دكتور.. أنت بتقول إيه؟ مين اللي دفع مصاريف الحاجات دي؟ ده المبلغ المتبقي مئات الآلاف!
الدكتور هز رأسه:
— فيه مكتب محاماة كبير تابع لشركة النمر للمقاولات جاء الصبح بدري، سدد كل الديون السابقة، ودفع تكاليف علاج يوسف بالكامل لمدة سنة قدام، ونقلوه لأحسن جناح في المستشفى. أمنية حسيت بحالة شلل مؤقت.. حازم النمر مش بس حماها من رجب الضبش، ده كمان أنقذ حياة أخوها. بس هل الراجل ده بيعمل حاجة من غير مقابل؟ النمر معروف في السوق إنه مابيديش حاجة لله، وكل خطوة عنده بحساب.
لما رجعت الفيلا بالليل، الفيلا كانت أهدى من العادة. حازم كان قاعد في الصالون الكبير، قدامه كاس قهوة وورق كتير مفروش على الترابيزة. أمنية قربت بخطوات مرعوبة، وقفت على بعد مسافة وقالت بصوت متهدج:
— حازم بيه.. أنا مش عارفة أشكرك إزاي. أنت أنقذت أخويا، ورجعتلي روحي.. أنا مستعدة أشتغل هنا العمر كله من غير أجر، بس ردلي الدين ده إزاي؟
حازم رفَع عينيه بالراحة من على الورق، وبصلها بنظرة حادة زي السـ,ـكينة. طفى سيجارته في المطفية وقال بنبرة هادية بس ترعب:
— أنا مابعرفش يعني إيه دين يا أمنية.. أنا بشتري خدمات. الفلوس اللي اتدفعت لأخوكي مش إحسان.. دي مقابل خدمة جديدة أنتي الوحيدة اللي هتقدري تعمليها لي. أمنية بلعت ريقها وخوفها زاد:
— خدمة إيه يا باشا؟ أنا مجرد شغالة.. أقدر أعمل إيه لحضرتك؟ حازم قام وقف، وطوله الهيبة خلى الأوضة تصغر. قرب منها وهز رأسه:
— أنتي مش شغالة وبس.. أنتي الوحيدة اللي بتدخلي الأماكن من غير ما حد يحس بيكي، وبتمشي من غير ما تسيبي أثر.
فتح الخزنة الصغيرة اللي ورا لوحة على الحيطة، وطلع منها فلاشة صغيرة وحطها على الترابيزة. — المكالمة بتاعة إمبارح لما رجب اتكلم.. الصوت اللي كان جنبه في الخلفية، الصوت اللي كان بيمليه ويقوله يضغط عليكي بـ ٢٠٠ ألف عشان تسـ,ـرقي حاجة من مكتبي.. الصوت ده أنا عارفه كويس أوي. ده صوت “ماجد النمر”.. ابن عمي وشريكي في الشركة. أمنية فتحت عينيها على وسعهم:
— ابن عم حضرتك؟!
— ماجد بيلعب من ورا ضهري مع منافسين كبار، وعايز يسرب أوراق مناقصة بناء مدينة سياحية كاملة قيمتها بمليارات. للأسف، الخزنة الرئيسية بتاعة ماجد في بيته في الشيخ زايد، متأمنة بـ أجهزة إنذار وكاميرات، والرجالة بتوعي لو دخلوا هناك هتكون حرب شوارع وهتتكشف. بس ماجد طالب شغالة نظافة تبع شركة صيانة بكرة الصبح لبيته، وأنا هحط اسمك في الشركة دي. أمنية حست إن الدم اتجمد في عروقها:
— أنزل أسـ,ـرق بيته؟ يا باشا أنا ماليش في الكلام ده، أنا لو اتمسكت هروح في داهية!
حازم قرب منها، وداس على كلامه ببطء:
— لو ما عملتيش كده، علاج يوسف يقف بكرة الصبح، ورجب الضبش هيستلمك، وأنا مش هتدخل تاني. إنما لو جيبتيلي الملف المطبوع اللي جوه الخزنة بتاعته على الفلاشة دي.. أوعدك يوسف يسافر يتعالج في ألمانيا، وتأمني مستقبلك أنتِ وهو مدى الحياة. أمنية كانت قدام خيارين أحلاهم مر: إما ترفض وتخسر أخوها وتتردى في جحيم رجب، أو تقبل وتدخل في لعبة ملوك السوق وتخاطر بروحها وبحريتها.
أخدت نفس عميق، وصوابعها اترعشت وهي بتمد إيدها وتاخد الفلاشة من على الترابيزة. — هعمل اللي حضرتك عايزه.. بس اوعدني يوسف ميتأذيش. حازم ابتسم ابتسامة غامضة مش مفهومة وقال:
— يوسف في حمايتي.. المهم أنتي ترجعي حية. تاني يوم الصبح، كانت أمنية واقفة قدام قصر ماجد النمر في الشيخ زايد، لابسة يونيفورم شركة الصيانة، وفي جيبها جهاز صغير أداهولها حازم عشان يعطل أجهزة الإنذار لمدة خمس دقايق بس. دخلت الفيلا مع فريق النظافة، وكان المكان مليان حراس وأجهزة حماية. قلبها كان بيدق زي الطبلة، وهي حاسة إن عيون الكاميرات بتبصلها في كل خطوة.
استغلت لحظة انشغال الحراس، واتسللت لدور المكتب العُلوي.. وقفت قدام الباب المقفول، وحطت الأداة الإلكترونية على القفل الزكي زي ما حازم علمها.. القفل اتفتح بصوت تكّة خفيفة. دخلت المكتب بسرعة، وجريت على الخزنة اللي ورا المكتبة.. حطت الفلاشة في مخرج السيرفر اللي جنب الخزنة عشان تسحب البيانات.. وشريط التحميل بدأ يمشي على الشاشة الصغيرة: ١٠٪.. ٣٠٪.. ٥٠٪… في اللحظة دي بالضبط، سمعت صوت خطوات تقيلة وجزمة جلد بترزع على السلالم الخشب بره الأوضة.. ومقبض الباب ينزل لتحت!