سافر أول مرة وكان الحلم بسيط: “سنة واحدة بس، أجمع فيها نفسي وارجع اتجوز”. بس الغربة ليها رأي تاني، السنة جرت سنة، وبقت سنتين.. سحلته الحياة بين غربة ومصاريف وتجهيز لشقة وفرح. وبعد سنتين ربنا كرم، رجع واجوز بنت الحلال، عاش معاها أيام معدودة، وضغط الحياة طالبه تاني، فشال شنطته وسافر.
المرادي السفر كان أصعب، المرادي سايب وراه حتة من قلبه. بقت حياته عبارة عن شاشة موبايل، يكلم مراته واابنه “فيديو كول”. يشوف ابنه بيكبر قدام عينيه ومبيلمـ,ـسوش.. يشوفه بيخطو أول خطواته وميقدرش يمسك إيديه. وفي مرة وهو بيكلمهم، ابنه يمد إيده للشاشة ويقوله “تعال يا بابا”.. الواد يضحك على الشاشة، وأبوه من ورا الكاميرا قلبه بيتأكل، يبتسم بالعافية ويقوله “راجع يا حبيبي”، يطمنهم، واول ما يقفل المكالمة، يرمي الموبايل على السرير، ويحط إيده على وشه ويترمي على السرير، موجوع إن أبسط حقوقه، إنه ياخد ابنه في حضـ,ـنه، بقت حلم بعيد.
وهو قاعد وسط وجعه ودموعه، الموبايل يرن تاني.. “أمي تتصل فيديو كول”. يمسح وشك بسرعة، يأخد نفس عميق، ويحاول يضبط نبرة صوته عشان يبان طبيعي، ويفتح الخط: — “أهلاً يا أمي، ازيك وازي الحكيم؟” الأم بملامح شيلاني والتعب باين على وشها، تقول بصوت مليان رجاء وضغط: — “الحمد لله يا بني.. ابوك كبر خلااااص، الصحة مبقتش تشيل شغلتين، ومش قادر على حمل جواز اخواتك. عايزاك يا بني تشد حيلك وتبعتلنا مبلغ، إخواتك كبروا وعايزين نتستر ونفرح بيهم، والناس رايحة جاية علينا.”
سكت.. الكلمات طارت من دماغه. الضغط بقى من كل ناحية: الغربة، البعد عن ابنه ومراته، ومسؤولية بيته، وتصليح أحوال عيلته كلها. حس إن كتفه مابقاش شايل، والصحراء اللي حواليه بقت أضيق من خرم الإبرة. غمض عينيه وقال لنفسه: “هو أنا إمتى هعيش لنفسي؟ إمتى هلحق حـ,ـضن ابني قبل ما يكبر ويصير راجل؟” بس رجع بص لأمه في الشاشة، وشاف كبر سنها ورجاءها، وقال بنبرة مكسورة ومتحملة: — “حاضر يا أمي.. من العين دي قبل العين دي، ربنا يقويني.. انتم السند.”
قفل المكالمة، وبص للسقف.. وعرف إن الرحلة لسه طويلة، وإن الغربة مش بس بعد، الغربة ضريبة بيدفعها من شبابه وصحته وحـ,ـضن عيلته كل يوم. قفل المكالمة مع أمه، وحس إن الأوضة بتلف بيه. كلماته الأخيرة لأمه “حاضر” كانت طالعة من تحت ضغط، بس لما خلى بنفسه، شريط حياته كله عدى قدام عينيه.
افتكر الشغلتين اللي بياخدهم في اليوم عشان يلحق يصرف، افتكر إيده اللي خشنت من الشقا، وافتكر أهم حاجة.. صورة ابنه وهو بيمد إيده للشاشة ومستني الحضن اللي مابيجيش. اتأكد في اللحظة دي إن العمر بيجري، وإنه لو فضلت حياته عبارة عن “تحويل فلوس من البعيد”، إخواته هيتجوزوا، وابنه هيكبر ويغني عن حضـ,ـنه، وهو هيفضل غريب وشبابه بيتسرب من بين إيديه. أخد نفس طويل، مسك الموبايل ورن على أمه تاني فيديو كول.
الأم فتحت بسرعة، وشها فيه قلق ورجاء:
— “خير يا بني؟ في حاجة نسيت تقولها؟” بصلها بعيون فيها مزيج من التعب والإصرار، وقال بصوت ثابت وهادي بس طالع من أعمق نقطة في قلبه:
— “أمي.. أنا مش هبعت فلوس وأنا قاعد هنا.” الأم اتخضت وملامحها اتغيرت:
— “يعني إيه يا بني؟ هتسيب إخواتك البنات؟ أبويك مش قادر والله—” قاطعها بحنية ورجولة:
— “يا أمي اسمعيني للاخر.. أنا مش هتخلى عن إخواتي، ولا هسيب أبويا يشيل الحمل لوحده. بس أنا نازل.. نازل النهائي يا أمي.”
الأم اتسمرت مكانها:
— “نازل؟ ومصاريف الجواز؟ وشغلك؟” ابتسم ابتسامة مكسورة بس فيها أمل، وقال:
— “أنا نازل عشان أتجوز إخواتي بوجودي.. هقف معاهم خطوة بخطوة، هجيب قرشي من تحت الأرض في بلدي، هشتغل شغلانتين وتلاتة وسطكم، بس هكون موجود. إخواتي البنات محتاجين أخوهم يظبط معاهم ويعين أبوه، ومش هسيب أبويا يكتم في نفسه وهو حاسس بالعجز. والأهم يا أمي.. أنا ابنِي بقيت أشوفه فوتوغرافية في شاشة، ومراتي شايلة الحمل لوحدها. أنا شبابي بيمـ,ـوت في الغربة عشان أجمع أرقام في الحساب، والعمر بيعدي ومحدش هيعوضني عن اللحظة اللي هاخد فيها ابني في حضني وأشعر بدقات قلبه بجد، مش عبر المايك.”
دمعة نزلت من عين أمه، بس المرادي مكنتش دمعة حزن، كانت دمعة إدراك.. حسّت بالوجع اللي ابنها شايله طول السنين دي. كمل وهو بيمسح دمعه بسرعة ويضحك بوجع:
— “قطعولي تذكرة الرجوع يا أمي.. جهزوا البيت، أنا نازل أستر إخواتي، وأشيل عن أبويا، وأخد ابني في حضـ,ـني.. وحق الغربة والتعب، ربنا هيعوضنا بيه بركة ولمّة.”