
حماتي كانت كل ما أروح لها تحط قدامي طبق فاضي وتقول بمنتهى البرود:
«إنتِ أكيد أكلتي قبل ما تيجي.»
في الأول كنت بضحك وأقول يمكن بتهزر، خصوصًا إن جوزي كان موجود ومش بيحب يدخل في أي خلاف بيني وبين أمه.
بس الموضوع ماكانش هزار.
كل مرة أروح بيتها، ألاقي السفرة مليانة أكل… لحمة، فراخ، محاشي، رز، وشوربة، وتحط لجوزي وابنها طبق مليان، ولأولادي تحط كمية كويسة.
أما أنا؟
تحط قدامي طبق فاضي.
وأول ما أبص لها، تقول:
«إنتِ أكيد أكلتي قبل ما تيجي.»
كنت أقول لها:
«لا والله يا ماما، أنا ما أكلتش.»
ترد وهي بتضحك:
«يا بنتي ما إنتِ كبيرة وعارفة مصلحتك.»
وأبص لجوزي مستنية منه كلمة.
كان دايمًا يقول:
«خلاص يا حبيبتي، كلي بعدين لما نرجع.»
كنت بسكت.
مش عشان مش جعانة…
عشان كنت بتكسف أطلب أكل في بيت حماتي، خصوصًا وهي بتتعمد تحسسني إني ضيفة تقيلة.
الموضوع استمر شهور.
لحد يوم جمعة، رحنا عندها بدري، وأنا من الصبح ما أكلتش حاجة.
كنت مشغولة في البيت، وابني كان عنده تمرين، وبعدها اتحركنا على طول.
أول ما وصلنا، حماتي كانت مجهزة السفرة.
حطت لجوزي طبق مليان.
وحطت لأخو جوزي طبق.
وحطت لمرات أخوه طبق.
حتى الأطفال حطت لهم أكل.
وبعدين جابت طبق صغير فاضي وحطته قدامي.
وقالت كعادتها:
«إنتِ أكيد أكلتي قبل ما تيجي.»
ابتسمت غصب عني وقلت:
«لا، والله.»
قالت:
«طب ما تفضليش مستنية حد يأكلك.»
سكت.
وقعدت على الكرسي.
كنت بحاول أتصرف طبيعي، لكن بطني كانت بتوجـ,ـعني من الجوع.
ابني كان قاعد جنبي.
بص لي.
وبعدين بص للطبق.
وسألني بصوت واطي:
«ماما… إنتِ مش هتاكلي؟»
قلت له:
«أنا مش جعانة يا حبيبي.»
هز راسه، لكنه كان عارف إني بكدب.
وبعد شوية، بص لتيتا وقال بمنتهى البراءة:
«بس ماما ما أكلتش من الصبح.»
السفرة كلها سكتت.
حماتي بصت له.
وبعدين بصت لي.
وقالت:
«وإنت عرفت منين؟»
ابني رد ببساطة:
«عشان أنا كنت معاها.»
جوزي رفع عينه من طبقه وبص لي.
أول مرة يشوفني ساكتة قدام طبق فاضي.
قال:
«ماما… هي فعلًا ما أكلتش؟»
حماتي اتوترت.
وقالت:
«يا ابني ما أنا كنت فاكرة إنها أكلت.»
ابني بص لها وقال:
«بس إنتِ دايمًا بتحطي لها طبق فاضي.»
الصمت اللي نزل على السفرة كان تقيل جدًا.
جوزي حط الشوكة على الطبق.
وقال:
«دايمًا؟»
حماتي بدأت تتكلم بسرعة:
«يا حبيبي ما هو هزار… هو إنت هتعمل مشكلة عشان طبق؟»
لكن جوزي ما ردش.
قام بنفسه، أخذ طبق من المطبخ، وحط لي فيه من كل الأكل الموجود على السفرة.
وبعدين قربه مني وقال:
«كلي.»
مسكت الشوكة، لكني ماقدرتش آكل.
لأن ابني كان لسه باصص لجدته.
وفجأة قال جملة خلت حماتي تتغير ملامحها تمامًا:
«تيتا…
هو ليه كل مرة بتقولي لماما إنها أكلت، بس لما بابا ييجي بتقولي له إن الأكل معمول مخصوص عشانه؟»
حماتي سكتت.
وجوزي بص لها.
المرة دي… ماكانش بيبص لي.
كان مستني إجابتها.
لكنها قالت حاجة واحدة بس:
«اسألي بنتك اللي عندها سبع سنين… هي اللي قالتلي أعمل كده.»
وقتها بصيت لجوزي.
لأن مرات أخوه كانت قاعدة على السفرة، ووشها اتغير أول ما حماتي قالت الجملة دي.
يتبع …
حكايات بسمة
صلي على حبيب الله القصه مدهشه للمتابعه سيب لايك وكمنت بتم
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد. بصيت لبنتي اللي كانت قاعدة جنب أخوها بتلعب بالشوكة في طبقها ومش فاهمة حاجة، ورجعت بصيت لمرات أخو جوزي اللي وشها بقى أصفر زي الليمونة وفجأة قامت تجري على المطبخ بحجة إنها هتجيب مياه. جوزي زعق بصوت هز الصالة كلها: «بنتي أنا اللي عندها سبع سنين هي اللي قالتلك تجوعي أمها في بيتك؟! إنتِ بتقولي إيه يا ماما؟!»
حماتي ارتبكت جدًا، وبدأت تفرك في إيديها وصوتها بيتهز: «أصل… أصل البت جت من شهرين وقالتلي إن مامتها بتقول أكل تيتا مش حلو، وإنها بتيجي هنا شبعانة ومغصوبة عشان متكـ,ـسرش بخاطرنا… فأنا قولت أريحها ومحـ,ـرجهاش بالأكل!» بصيت لبنتي الصغيرة وسألتها بهدوء وأنا قلبي مقبوض: «حبيبتي… إنتِ قولتي لتيتا كدة؟» البنت عنيها اتملت دموع وخافت من الصوت العالي، وقالت وهي بتعيط: «لا يا ماما والله… ده طنط هي اللي قالتلي لما نروح عند تيتا قولي لها ماما بتطبخ أحسن منك، وقالتلي تيتا هتفرح بيكي وتديكي شوكولاتة!»
السفرة كلها اتسمرت في مكانها. أخو جوزي قام وقف على حيله وبص للمطبخ، ونده على مراته بصوت كسر الصمت: «اطلعي هنا حالا!» خرجت وهي بتترعش، وعنيها في الأرض. حماتي بصت لها بصدمة وقالت: «يعني إنتِ اللي زرعتي الكلام ده في ودن البت، وجيتي تقوليلي شفتي سلفتك بتعلم بنتها إيه وبتقول على أكلك إيه؟!» الغيرة كانت عامية عيونها… كانت متضايقة إن حماتي في الأصل بتعاملني بحب وبتحب طريقتي، فلعبت اللعبة الخـ,ـبيثة دي عشان توقع بيني وبين حماتي، وتخليني أبان قليلة الذوق وناكرة للجميل. وللأسف، حماتي بدل ما تسألني أو تعاتبني، قررت تعاقبني بكسرة النفس والطبق الفاضي في كل عزومة.
جوزي مسك إيدي وقومني من على الكرسي. بص لأمه وقال لها بوجع: «لو كانت مراتك بتشتكي من حاجة كنتِ عاتبتيها، مش تصغريها وتجوعيها قدام ولادها عشان كلام سمعتيه من غير ما تتأكدي… كرامة مراتي من كرامتي يا أمي، وإحنا مش هندخل البيت ده تاني غير لما حقها يرجع لها كامل قدام الكل.»
حماتي نزلت راسها في الأرض ومقدرتش تنطق بكلمة، والندم كان مالي وشها بعد ما فهمت إنها كانت أداة في إيد اللي عايزة تخرب بيتنا. أخدت ولادي ومشينا، ولأول مرة أحس إن سكوتي طول الشهور اللي فاتت مكنش ضعف… كان مجرد صبر لحد ما الحقيقة تظهر لوحدها، وبراءة طفل هي اللي تنقذ كرامتي وترجع لي حقي.