كيف تنجو بحياتك عندما تسكن حماتك بجوارك؟ يقولون إن المسافات تقرب القلوب، لكن يبدو أنهم لم يجرّبوا أن تسكن الحماة في نفس العمارة، وتحديداً في الشقة المقابلة! في البداية، بدا الأمر رائعاً؛ “ماما فتحية” ستكون قريبة للاطمئنان علينا، وستوفر علينا مصاريف الجليسة أحياناً. لكنني لم أكن أعلم أنني وقعت عقداً مع “جهاز المخابرات المنزلي”. القاعدة الأولى: لا تثق في أطباق الطعام العابرة
بدأت المعركة في يوم هادئ. طرق الباب، وإذا بماما فتحية تحمل طبقاً من “الملوخية”. ابتسمتُ بسذاجة وشكرتها، لكن زوجي (طارق) شحب وجهه وهمس لي بخوف: “أرجوكِ.. لا تقولي إنكِ ستأكلينها الآن!” قبل أن أسأل، دخلت حماتي بخطوات واثقة، وعيناها تمسحان الشقة مسحاً ضوئياً بالرادار. مررت بصرها على السجادة، ثم ناظرت الغبار على الطاولة قائلة بنبرة درامية: “يا ضنايا يا طارق، كأنك مأخوذ على عماك.. البيت يبكي من العزوة!” هنا فهمتُ سر طبق الملوخية؛ لم يكن حباً في إطعامنا، بل كان “مهمة استطلاع” لتقييم كفاءتي كربة منزل!
القاعدة الثانية: مفتاح الشقة الاحتياطي هو سـ,ـلاح دمـ,ـار شامل في الأسبوع الثاني، استيقظت على صوت مفتاح يدور في البلم. نطقتُ من الرعب: “حرامي؟!” ليفاجئني صوت ماما فتحية وهي تدخل وهي تنادي: “صباح الخير يا أولاد، جئت لأفاجئكم بصباحية مباركة!” وكانت الساعة السامنة صباحاً يوم الجمعة.. يوم إجازتي الوحيد الذي أحلم فيه بالنوم! وقفت في الصالة بشعر منفوش وملابس النوم، بينما بدأت هي تفتح الثلاجة وتتفحص صلاحية اللبن، وتقرر فجأة أن ترتيب غرفة النوم “خطأ هندسي” ويجب إعادة هيكلته بالكامل.
خطة النجاة: كيف استرددت سيادتي؟ بعد أسابيع من التوتر العصبي وشبه انهيار في زواجي، قررت أنني يجب أن أطبق استراتيجية “الدبلوماسية الحذرة” للنجاح في النجاة بحياتي: الاستباق التكتيكي: صرتُ أزورها أنا أولاً كل صباح وأنا أرتدي ملابس خروج كاملة، وأطلب منها نصيحة في طبخة معينة. هذا أشعرها بأهميتها وأغناها عن اقتحام شقتي، لأنها شعرت أنني جئتُ لـ “أطلب الاستجداء بمملكتها”. شفرة الباب: اتفقنا أنا وطارق على تغيير قفل الباب بذكاء، بحيث لا يفتح بالمفتاح الاحتياطي إلا في حالات الطوارئ القصوى (مثل تسريب مياه أو حريق)، وتحججنا بأن شركة التأمين تشترط ذلك.
تحويل النقد إلى مدح: عندما تبدأ في انتقاد أي شيء، كنت أقول بابتسامة واسعة: “صدقيني يا ماما، عيني لا تصل لذكائك، لولا ملاحظاتك لكنتُ ضعت!”.. والغباء الاصطناعي في المدح يفعل الأصحابه سحراً، فتحولت من رقيبة صارمة إلى حليفة لطيفة. العاصفة تقترب.. والمفاجأة الكبرى عشتُ لأشهر أتنفس الصعداء، ظاناً أنني نجحت في تفكيك قنبلة “الحماة المقابلة” بذكاء ودبلوماسية مفرطة. أصبحتُ أتقن فن النفاق الاجتماعي ببرود أعصاب يحسدني عليه السياسيون. لكنني كنت أجهل تماماً أن “ماما فتحية” لم تكن تتقاعد، بل كانت تعيد تسـ,ـليح نفسها بصمت، تخطط للضـ,ـربة القاضية التي ستعيد خلط جميع الأوراق.
بدأت المؤشرات الأولى للعاصفة الحقيقية تلوح في الأفق في ليلة خميس هادئة. كنت جالسة مع طارق نشاهد فيلماً كوميدياً ونحتسي الشاي، وفجأة سمعنا صوتاً مرعباً يشبه ارتطام طائرة بلاستيكية بباب شقتنا. فتحنا الباب لنصدم بمشهد غير مألوف على الإطلاق: “ماما فتحية” تقف في منتصف البهو، ووجهها يحمل تعبيرات درامية وكأنها تلعب دور البطولة في جـ,ـنازة أحدهم، وخلفها تقف امرأة غريبة ملامحها تشبه المفتش كرومبو، تحمل حقيبة جلدية ضخمة وكأنها مجهزة لتشـ,ـريح جـ,ـثة!
صاحت ماما فتحية بصوت هز جدران العمارة: — “الحقني يا طارق يا ضنايا! الدار انهارت على دماغنا! المجاعة والخراب دخلوا العشة!” أصبتُ بالجمود، وهمست لطارق الذي تحول لونه إلى الأبيض الناصع: “من هذه، وماذا تفعل في بيتنا ومن أين دخلت أصلاً ونحن غيرنا القفل؟!” فأجابتني المرأة الغريبة بصوت خشن قاطع: — “أنا الدكتورة (فوزية)، خبيرة التنمية الأسرية، وطاقة المكان، وفلكية العائلات الملكية. استدعمتني الحاجة فتحية لأنها رصدت طاقات سلبية مدمرة تنبعث من هذه الشقة ستؤدي حتماً إلى الطلاق والمذلة!”
حـ,ـرب الفضاء السكني وطاقة المكان لم تكن “فوزية” مجرد خبيرة طاقة، بل كانت عاصفة هوجاء أطلقتها حماتي لغزو الشقة للمرة الثانية، لكن هذه المرة بغطاء “علمي غيبي”! اقتحمت الخبيرة الشقة ومعها عصا نحاسية تبحث بها عن الجن والشياطين (أو هكذا كانت تدعي)، بينما بدأت ماما فتحية توزع التعليمات العسكرية: — “يا فوزية، انظري إلى اتجاه السرير! إنه يواجه الغرب، وهذا يسبب نفور الزوج وجفافه العاطفي! ويجب نقل الدولاب فوراً إلى البلكونة لكي يدخل الهواء الإيجابي!”
اشتعل الغضب في داخلي؛ لقد انتهى زمن الدبلوماسية والابتسامات الصفراء! هذه شقتي، ولم أعد احتمل هذا العبث. وقفت في وجههما بكل شجاعة وقلت بصوت حاسم: — “اسمعي يا ماما فتحية، ومعتوقة.. أقصد الدكتورة فوزية! بيتي ليس استوديو تصوير برامج واقعية، والسرير لن يتحرك من مكانه ولو جاءت كائنات فضائية!”
ساد صمت مرعب في الشقة. فتحت ماما فتحية فمها من شدة الصدمة، فهي لم تستوعب بعد أن “القطة المطيعة” قد تحولت فجأة إلى نمر هائج. نظرت إليّ نظرة لوم وعتاب تمثيلي وقالت: — “أهكذا تردين جميلي يا ابنتي؟ أنا أريد مصلحتكم، وأنتِ تردينني على باب الشقة مع ضيفتي الكريمة؟ طارق! هل تسمع ما تقول زوجتك الموقرة؟” تطلع إليّ طارق بنظرة توسل خجولة، فهو يحبني بجنون لكنه يعاني من رعب أبدي اسمه “غضب الأم”. وهنا قررت أن ألعب الورقة الأخيرة، الورقة التي لا يمكن لماما فتحية مقاومتها أبداً.
السلاح الأخير: إشراك العدو في المؤامرة ابتسمت ببرود مخيف، واقتربت من ماما فتحية بهدوء، ثم أمسكت بيدها وقبلتها باستهزاء ناعم وقلت: — “معكِ حق يا ماما.. طاقة المكان فعلاً سيئة، ولأنكِ الحكيمة والخبيرة الأولى في العائلة، كنت أنتظر منك أن تخبريني سراً.. كيف أقنع طارق بأن ننتقل إلى شقة أخرى أوسع، في عمارة أخرى.. بعيدة جداً.. مثلاً في الحي الهادئ في أول المدينة، حيث الهواء طلق والشمس تدخل من كل اتجاه ولا توجد بها طاقات سلبية تعكر صفو حياتنا؟”
توقف الزمن للحظة! شاح وجه ماما فتحية، وابتلعت ريقها بصعوبة بالغة. فكرة أن يبتعد ابنها الحبيب “طارق” إلى آخر الدنيا، وأن تفقد السيطرة اليومية عليه، كانت بالنسبة لها كابوساً أفزع بكثير من طاقة المكان والسرير المعاكس! تلاشت ملامح الغضب من وجهها تماماً، واستبدلت بسرعة بفزع مكتوم، والتفتت فوراً إلى الخبيرة فوزية قائلة بتعجل: — “تصدقين يا فوزية.. نظرة سريعة في الفنجان قبل قليل جعلتني أتأكد أن طاقة الشقة ممتازة، ولا يحتاجون لا لدولاب ولا لسرير! العيب ليس في المكان، بل في ضغط الشغل والزحام!”
ثم نظرت إليّ نظرة طويلة محملة برسالة وافية: “لقد انتصرتِ هذه الجولة يا حربي، لكننا سنبقى جارتين للأبد!” ودعت الدكتورة فوزية بسرعة، وأغلقت الباب خلفهما، وعاد الهدوء إلى الشقة.. هدوء ما قبل العاصفة القادمة بالطبع، لكنني كنت أعلم تماماً كيف أدير دفة السفينة وأبقي “جهاز المخابرات المنزلي” تحت السيطرة!