كنت متجوزها واطلقت من 5 سنين بس طلقي عايز يرجع لي تاني وانا قولتو انا مش عايزك هو يرد عليه يقوله بس انا بحبك ومش هسيبك لحد تاني
مرت خمس سنوات كاملة منذ أن أغلقتُ ذلك الفصل المظلم من حياتي. خمس سنوات بنيت فيها نفسي من جديد، حجرًا بحجر، بعدما ظننت أن الطلاق وسقوط سقف بيتي القديم سيكسرانني إلى الأبد. تعلمت كيف أستمتع بهدوء مكتبي، برائحة القهوة الصباحية، وبنومي العميق دون انتظار رسالة خيانة أو هاتف يرن في منتصف الليل برقم مجهول.
وفجأة، في مسجلة أمتاري تحت مطر خفيف أمام باب مقهى هادئ أعتاد الجلوس فيه، تقاطعت خطاي مع خطاه. مراد. كان يقف هناك، يرتدي معطفه الداكن، ووجهه يحمل علامات الندم والتعب التي لم أعتد رؤيتها عليه قديماً. تغيرت ملامحه، لكن نظراته بقيت كما هي؛ تتملكها تلك الرغبة القديمة في فرض حضوره. خطا نحوي خطوة سريعة، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ دهر. قبل أن أستوعب الموقف، قال بنبرة دافئة يحاول أن يستعيد بها الماضي: “نور… أخيرًا شفتك. أنا بقالي كتير بدور على فرصة أكلمك فيها. لازم نرجع، أنا مش قادر أكمل حياتي من غيرك.”
نظرت إليه ببرود تام، برود كلفني سنوات طويلة من الألم لأصل إليه. تراجعت خطوة إلى الخلف، ورمقته بعينين ثابتتين وقلت له بوضوح قاطع: “أنا مش عايزك.” اهتزت ملامحه، وكأن الكلمة صفقت بوجهه. اقترب أكثر، وانقبضت حنجرته وهو يقول بحدة شابتها اللهفة والتملك: “بس أنا بحبك! ومش هسيبك لحد تاني… أنتِ ليا أنا وبس، مش هسمح لأي راجل يدخل حياتك أو يأخذ مكاني!” ابتسمت بسخرية مريرة، سخرية امرأة عبرت جحيم الوعود الزائفة وخرجت منه حية. اتسعت حدقتا عينيّ وأنا أنظر في عينيه المليئتين بالادعاء، وخرج صوتي محملًا بكل الوجع الذي دفنته طوال خمس سنوات: “أنت راجل خاين وبتكلم ستات!”
ساد الصمت لثوانٍ معدودة، صمت ثقيل لم يقطعه إلا صوت قطرات المطر المتساقطة على الأرض. انكسرت نظراته القوية، وحبس أنفاسه وهو ينظر إلى الأرض باعتراف ضمني بكل ليلة قضاها ينسج الأكاذيب خلف ظهري. رفع عينيه المليئتين بالرجاء، ومسك بيده في الهواء وكأنه يحاول الإمساك بفرصة أخيرة، وقال بنبرة خافضة خاشعة: “أنا آسف… مش هعمل كده تاني، أوعدك.” تأملت وجهه لثوانٍ. كانت كلمة “آسف” تبدو صغيرة جداً ومبتذلة أمام كل ليلة سهرتها أبكي من القهر، أمام كل شك أكل من صحتي ونفسيتي، وأمام الكرامة التي دهسها بوعوده القديمة التي لم يوفِ بأي منها.
هززت رأسي ببطء، وأنا أستشعر حجم القوة والحرية في داخلي الآن. ألقيت عليه نظرة أخيرة، نظرة خالية من أي كره أو حب، وقالت حنجرتي ما استقر في وجداني بعد كل هذه السنين: “مفيش راجل صادق… كلكم كدابين!” عدّلتُ حقيبتي على كتفي، ودرتُ ظهري له بثبات. سمعت نداءه باسمي يتردد في الشارع المبتل، لكن خطواتي لم تتلكأ هذه المرة. مشيت في طريقي وأنا أعلم أن المرأة التي خرجت من قفص الخيانة قبل خمس سنوات، لن تعود إليه أبداً ولو ألبسوه حلياً من ذهب.
توقفتُ لبضع ثوانٍ. كان صوت قطرات المطر وسير السيارات يملأ المكان، وكان صوت ندائه باسمي يتردد خلفي. في تلك اللحظة خاطبتُ نفسي: “هل يعقل أن يكون قد تغير بالفعل؟ هل أستحق أنا وهي فرصة لنرى إن كان الندم حقيقياً أم مجرد ادعاء؟” التفتُّ إليه ببطء. كان يقف في مكانه لم يتحرك، والمطر يبلل كتفيه، وفي عينيه انكسار لم أره فيه طوال سنوات زواجنا الماضية. سرتُ نحوه بخطوات متزنة، ووقفتُ على مسافة تفصل بين الماضي والحاضر. نظرتُ في عينيه مباشرة وقلت بنبرة حازمة خالية من العاطفة:
— “أنا هدي لك فرصة… فرصة واحدة بس، عشان أشوف وأتأكد بنفسي انت فعلاً اتغيرت وعرفت قيمتي، ولا ده كلام لحظة ندم وخلاص.” اتسعت عيناه بذهول، ولمعت فيهما بريقة أمل مفاجئة، وكاد يبتسم وهو يقترب خطوة، لكنني رفعتُ يدي لأوقفه في مكانه وأكملتُ بشرطٍ قاطع جعل ملامحه تتجمد: — “بس بشرط واحد ومفيش فيه نقاش… لو عايز ترجعلي بجد، هتعملي فرح جديد من أول وجديد. فرح كامل تحضره كل الناس، قرايبك وقرايبي. عايزة أدخل حياتك من جديد برأسي مرفوعة قدام الكل، زي أي عروسة، ومش هقبل أرجع في السر ولا في الهدوء وكأننا بنداري حاجة.”
ساد صمت قصير بيننا. كان الشرط بالنسبة له ليس مجرد تكلفة مادية أو ترتيبات حفل، بل كان إعلاناً صريحاً أمام الجميع بذنبه القديم، وإقراراً علنياً بأنه هو من يسعى لاستعادتها وطلب غفرانها. بلع مراد ريقه، ونظر في عينيّ ليرى إن كنتُ أمزح أو أساوم، لكنه لم يجد في ملامحي سوى الإصرار الثابت. أخذ نفساً عميقاً، ثم هز رأسه بالموافقة وقال بصوت صادق ومصمم:
— “موافق… هعملك أحسن فرح، وهعلن قدام الدنيا كلها إنك مراتي وإني ما أقدرش أعيش من غيرك. أوعدك المرة دي كل حاجة هتكون صح.”
نظرتُ إليه ببرود خفيف وقلتُ وأنا ألتفتُ لأكمل طريقي:
— “الأيام هي اللي هتبين يا مراد… الاختبار بدأ من النهاردة.”