طَيّارة خاصة كانت تنتظرني لكي تسافر بي إلى القاهرة، لكن قبل أن أخرج من البيت، ابنتي التي تبلغ من العمر سبع سنوات أمسكتني من كم قميصي وهمست لي بكلمتين جعلتني ألغي السفر كله من دون أن أقول لأحد. قالت لي: — بابا، لا تسافر… جدتي تأخذني إلى مكان سري وأنت لست هنا، وتقول لي إنه ممنوع أن أحكي لك. في اليوم نفسه، قررت أن أراقبهما بنفسي. والذي رأيته جعل الدم يتجمد في عروقي…
في ذلك الصباح، كنت واقفاً في مطبخ بيتنا الكبير في الشيخ زايد، أسخن اللبن وأضعه في كوب الباندا المفضل لدى ليلى، ونظرت من الشباك فوجدت السائق ينتظرني بالسيارة أمام البيت. كان المفروض أن أكون في مطار القاهرة الخاص بعد أقل من ساعة، وبالظهر أكون في اجتماع مهم بالقاهرة، لكي أقيم صفقة استحواذ بمبلغ أكبر بكثير من كل الأموال التي استطاع أبي جمعها طوال عمره. كنت رجل أعمال، وهذه الصفقة كانت ممكنة لتغير شكل عملي وشركتي بالكامل. لكن ليلى، ابنتي الوحيدة، لم تكن حتى قد لمست الفطور. وهذا كان غريباً جداً عليها. عادةً، الصباح عندنا كان عبارة عن سيرك كامل بسببها.
كانت ممكن أن تقعد تجادلني عشر دقائق لكي تثبت لي أن الوافل أفضل أخلاقياً من التوست، وبعدها تسرق قطعة دجاج أو سجق وتضعها تحت الطاولة لكلبنا الجولدن، وهي مقتنعة أنها تقوم بعمل خير. لكن اليوم… كانت قاعدة صامتة. كتافها نازلة، ووجهها شاحب، وتحرك البيض بالشوكة من دون أن تأكل لقمة واحدة. بصيت لها وقلت: — حبيبتي، كلي قليلاً. ستفضلي من دون فطور هكذا؟ لم ترد. وفضلت باصة للكوب أمامها. قربت منها قليلاً. — ليلى؟ رفعت عينيها نحتي. — نعم يا بابا؟ شيء في صوتها جعلني أجلس أمامها بدل أن أكمّل تجهيزاتي للسفر. — ما بك يا حبيبتي؟ سكتت ثواني، وبعدين سألتني:
— هل يجب أن تسافر حقاً؟ ابتسمت لها وأنا أطمنها. — يومين فقط يا حبيبتي. سأرجع قبل امتحان الإملاء الخاص بك، ألم أقل لك؟ رأيت شفايفها تترعش. وبصوت منخفض قالت: — جدتي إيفلين تقول إن وعود الكبار ليس لها لازمة عندما يكون لديهم أشياء أهم يفعلونها. حسيت بضيق شديد. إيفلين، حماتي، كانت تعيش في جناح الضيوف عندنا منذ حوالي ستة أشهر، بعد وفـ,ـاة زوجها. في الأول أنا الذي رحبت بأن تأتي لتسيش معنا. زوجتي سارة كانت تحب وجود أمها، وأنا قلت لنفسي إن وجود جدتها قريب من ليلى سيكون شيئاً جيداً. لكن مع الوقت…
إيفلين بدأت تتعامل مع البيت كأنه بيتها هي. بقت تنتتقد لبس ليلى. وتعطي أوامر للخدم. وتغير ترتيب المطبخ من دون أن تسأل أحداً. وكل شوية تقول لسارة: — البنت محتاجة أهلها حولها، وليس أُمّاً وأباً طوال الوقت مشغولين في عملهما. كنت أعَدّي الكلام. وأقول لنفسي: “امرأة كبيرة ومحتاجة أن تحس أن لها دوراً.” لكن في هذه اللحظة… ليلى نظرت ناحية طرقة البيت. هذه النظرة وحدها جعلت كل شيء جوايا يتغير. هذه لم تكن نظرة طفلة عاملة مشكلة وتحاول تخبئتها. هذه كانت نظرة طفلة خائفة. نظرت ناحية الطرقة، وبعدين رجعت لها. — ليلى… جدتي فعلت لك شيئاً أخافك؟ هزت راسها بسرعة.
— لا. لكن سرعتها في الرد كانت أكثر من اللازم. قربت منها ومددت يدي على يدها. — انظري إليّ يا حبيبتي. نظرت إليّ. — قولي لي الحقيقة. سكتت. وبعدين أمسكت طرف الطاولة بقوة لدرجة أن أصابعها ابيضّت. في هذه اللحظة، السائق ضـ,ـرب منبه السيارة من الخارج. كنت أعرف أن الوقت يطير. لكن تجاهلت المنبه تماماً. ليلى قربت مني وقالت بصوت شبه الهمس: — بابا… لا تذهب إلى القاهرة. اتنفض قلبي. نزلت على ركبتي أمامها. — لماذا؟ عيناها امتلأتا دموعاً. — جدتي تأخذني إلى مكان وأنت لست موجوداً. حسيت أن نفسي انقطع. — مكان أين؟ هزت راسها. — لا أعرف.
— يعني ايه لا أعرف؟ — تجعلني أنام في المقعد الخلفي للسيارة. حسيت أن الدنيا سكتت من حولي. قربت أذني منها. — وبعدين؟ بدأ صوتها يترعش. — تقول إن هذا مكاننا السري. سكتت لحظة، وبعدها قالت: — وتقول لو حكيت لك… ماما ستتأذي. تجمدت مكاني. — قالت لك هكذا؟ هزت راسها وهي تبكي. — وقالت إن لو حصل لمama شيء، سيكون بسببي لأني أنا التي حكيت. في هذه اللحظة، كل شيء كنت أراه عادياً من قبل بدأ يظهر لي بشكل مختلف. كل مرة إيفلين كانت تطلب أن تأخذ ليلى معها. كل مرة كانت تقول إنهما “تريدان قضاء وقت مع بعضهما”.
كل مرة كانت ليلى ترفض أن تذهب معها وأنا أظن أنها مجرد طفلة لا تريد أن تفارقني. أنا كنت أعمى. طبعت بوسة على جبين ابنتي، وقمت بسرعة. لم أظهر لها أني خائف. أخرجت هاتفي واتصلت بالطيار. — نعم، أنا. سكت ثواني. — الرحلة أُلغيت. قال لي باستغراب: — ماذا حصل يا فندم؟ نظرت ناحية ليلى. — مشكلة في الطائرة. اجعل الموضوع كأنه عطل مفاجئ. أغلقت المكالمة. وبعدين كلمت السائق. — خلاص، لا تأتِ. الرحلة تأجلت. لم تكن هناك رحلة تأجلت. ولا كان هناك عطل. أنا ببساطة قررت أن أظل في البيت. وأهم شيء… أن لا أقول لأحد.
بعد حوالي ساعتين، وقفت في الدور العلوي ورا الستارة، وأراقب من بعيد. رأيت إيفلين خارجة من البيت. ووجدت ليلى ماشية بجانبها. الغريب أن ليلى لم تكن تتكلم. كانت ماشية وهي باصة في الأرض. انتظرت حتى ركبتا السيارة. عدّيت في دماغي ثلاثين ثانية. وبعدين أخذت مفاتيح سيارة قديمة كانت مركونة في الجراج ولا أحد يستخدمها، وخرجت وراهم من دون أن يحس أحد. حافظت على مسافة كبيرة بينهم وبيني. إيفلين خرجت بالسيارة من الشيخ زايد. في الأول، دخلت طرقاً كنت أعرفها جيداً. وبعدين بدأت تبعد أكثر. وبعد قليل… دخلت منطقة صناعية. نظرت حولي باستغراب. لا توجد مولات. لا توجد محلات.
لا يوجد أحد تقريباً في الشارع. ولا يوجد أي سبب يجعل امرأة تأخذ طفلة عمرها سبع سنوات إلى هذا المكان. فضلت وراهم حتى وقفت السيارة أمام مبنى قديم من الطوب الأحمر. المبنى كان غريباً. يشبه مخزناً مهجوراً. لا توجد شبابيك تقريباً. ولا لافتة. ولا حتى اسم على الباب. ركنت بعيداً عنهم بمسافة، وأطفأت السيارة. ورأيت إيفلين تنزل. فتحت الباب الخلفي. وبعدين أمسكت بيد ليلى. دخلا ناحية باب حديد ثقيل. فضلت أراقبهم وأنا لا أفهم أي شيء. وفجأة… الباب الحديد فتح من الداخل. وخرج منه رجل. في اللحظة التي رأيت فيها وجهه… يدي ثبتت على المقود.
وحسيت أن الدـ,ـم كله انسحب من وجهي. لأني كنت أعرف هذا الرجل. وأعرف اسمه. وأعرف قصته. والأهم من كل هذا… زوجتي سارة كانت قالت لي بنفسها إن هذا الرجل… مـ,ـات منذ ثماني سنوات. أما ليلى، فكانت واقفة جنبه ماسكة بيد جدتها… وكأنها رأته من قبل مئات المرات. وقتها فهمت أن الموضوع ليس مجرد سر كانت إيفلين تخفيه عني. كان هناك سر أكبر بكثير… سر متعلق بمـ,ـوت رجل المفروض أنه مدفوـ,ـن منذ ثماني سنوات. وسر آخر متعلق بزوجتي… والأخطر من الاثنين أن ابنتي الصغيرة كانت شاهدة على شيء لم يرد أحد أن أعرفه.
أخذت نفساً عميقاً وأنا قاعد في السيارة، عيني متثبتة على الباب الحديدي القديم. هذا الرجل كان “محمود مهران”، واحد من أكبر رجال الأعمال الذين شهدت السوق المصرية صدمة كبرى يوم خبر وفـ,ـاته في حـ,ـادث سير مروع على طريق الإسكندرية الصحراوي. جـ,ـنازته حضرتها الصحف، ومراتي سارة—التي كانت وقتها لسة طالبة جامعية—قضت شهوراً تبكي عليه لأنها كانت… أخته الوحيدة التي لم يكن أحد يعرف أنها على صلة به إلا القليلين نظراً لخلافات عائلية قديمة. كيف يكون هذا حياً؟ وكيف يعيش في مخزن مهجور في منطقة مقطوعة في أكتوبر؟ نزلت من السيارة بحذر شديد، وفتحت باب السيارة بهدوء حتى لا يصدر أي صوت.
مشيت على أطراف أصابعي بين ركام المباني والحديد القديم، حتى قربت من الحائط الجانبي للمخزن. كان فيه شباك صغير مكسور ومغطى بسلك قديم. قربت وجهي وبصيت جوه… المشهد في الداخل كان أغرب بكثير مما تخيلت. المخزن لم يكن مهجوراً من الداخل مثل شكله من الخارج. كان مجهزاً بأجهزة حاسوب وشاشات مراقبة كبيرة تعرض صوراً حية لكل زاوية في بيتي بالشيخ زايد! رأيت غرفة ليلى، ومكتبة الصالون، وحتى المطبخ. سمعت صوت إيفلين وهي تتكلم بصوت حاد: — كفاية كده يا محمود. البنت بدأت تشك، وأبوها الغبي لفت انتباهه أنها لا تفطر. لو كملنا بالطريقة دي، كل خطتنا ستضيع.
محمود مهران—الذي المفروض أنه ميت—رد بصوته الخشن الذي لسه أذكره جيداً: — اهدي يا إيفلين. الخطوة الجاية هي الأهم. صفقة الاستحواذ التي هو رايح يقفلها النهاردة… هي طوق النجاة. الفلوس دي مش بتاعت شركته لوحده، دي أموالنا اللي هترجع لنا بالطريقة القانونية لما نوقع على الأوراق بالنيابة عن سارة، وسارة لسة نايمة في العسل ومش فاهمة إن الوكالة القديمة اللي أمها مضتها عليها لسة سارية. كلماتهم نزلت عليّ مثل الصـ,ـاعقة. ليس فقط زوج حماتي الميت حياً ويخطط لسرقتي… بل زوجتي سارة جزء من اللعبة من دون أن تحس، أو ربما… كانت تعلم ومخبية؟ قلبي دق بجنون.
لقيت ليلى قاعدة على كرسي أمامهم، وتقول ببراءة تقطع القلب: — يا تيتة، بابا بيحبني، هو ليه أنتوا بتقولوا إنه هيأذينا لو عرف؟ محمود نظر لليلى نظرة باردة وقال: — أبوكي لا يحب إلا الفلوس يا ليلى، وزي ما أخذ منا كل حاجة زمان، إحنا بنأخذها دلوقتي بالذوق… قبل أن يكمل جملته، حسيت بأحد يضع يديه على كتفي من الوراء، وصوت همس في أذني: — كفايتك كده يا بشمهندس… وخطتك للفضول ستكلفك حياتك إنت وبنتك! التفت بسرعة وورائي… رأيت الحارس الشخصي القديم لمحمود مهران، ومفاجأة أخرى في انتظار البطل في الحلقة القادمة داخل الفيلا!