طلقها حاملا ولم يلتفت ليراها فيما بعد تقدم المشروبات بحفل زفافه..رفعت عيناها إليه للحظه صُدمت لكنها عادت وتجاهلـته. تـامر رضوان راى زوجته السابقة الحامل تنـظف وتتنقل بين الطاولات في حفل زفافه الاسطوري…اتسعت عيناه وو.. كانت قاعة الاحتفالات في فندق النيل رويال بالقاهرة تتلألأ كحلم صُنع من المال والنفوذ…الثريات الكريستالية تتدلى منخفضة، تعكس الضوء على الجدران المزخرفة بالذهب، بينما تعزف فرقة موسيقية كلاسيكية ألحانًا هادئة قرب المنصة…المدعوون ببدلات فاخرة وفساتين سهرة أنيقة، يتبادلون الضحكات، يرفعون كؤوسهم، ويحتفلون بزفاف أحد أشهر رجال الأعمال في المدينة.
كان يقف في قلب المشهد…يبتسم للكاميرات، يصافح المهنئين، ويرفع كأسه مرة بعد أخرى…في الثامنة والثلاثين من عمره، امتلك كل ما يُغري العالم: ثروة ضخمة، نفوذ واسع، إمبراطورية عقارية صاعدة…والآن، زوجة جديدة من عائلة لا تقل قوة عن عائلته. كان من المفترض أن يكون هذا الزفاف تتويجًا للنصر. ثم… رآها….كانت تقف عند طرف القاعة، شبه مختبئة خلف عمود رخامي، تمسح إحدى الطاولات بحركات بطيئة متأنية. ترتدي زيـا أسود بسيطًا خاصًا بالعاملات، وشعرها مشدود إلى الخلف بإحكام، وملامح وجهها أنحف مما يتذكر….وتحت المئزر القماشي، بدت بطنها المستديرة واضحة بلا أي شك.
تجمدت يد تامر في الهواء…في لحظة واحدة، تلاشت الموسيقى، خفتت الأصوات، وضاقت القاعة حتى لم يبق في عالمه سوى شخص واحد فقط….زوجته السابقة…. وتنظف الطاولات… في حفل زفافه…شعر تـامر وكأن الأرض انسحبت من تحته فجأة….طلاقهما كان وهو في ذروة طموحه وبروده وكبريائه…في تلك الفترة، كان يصعد بسرعة جنونية..سهر متواصل، سفر لا ينتهي، صفقات تبتلع أيامه ولياليه. أما هي ، فكانت تريد شيئًا آخر: استقرارًا، عائلة، وقتًا حقيقيًا. عندما أخبرته أنها تشعر بأنها غير مرئية، اتهمها بالمبالغة.
وعندما طلبت منه أن يتمهل، أخبرها أن النجاح لا ينتظر أحدًا. في الليلة التي حزمت فيها حقائبها، قالت جملة واحدة فقط: سيأتي يوم تـدرك فيه ما فقـدته… لكن سيكـون الأوان قـد فـات.حكـايات أسمـا السيـد وقع تـامر أوراق الطلاق دون أن يلتفت خلفه…والآن… ها هي أمامه….كان يراها تنحني قليلًا لتجمـع الكؤوس الفارغة، تضع يدها لا إراديًا أسفل ظهرها…كانت تتحرك بحذر غريزي، ذلك الحذر الذي تعرفه النساء الحوامل فقط…لم يكن هناك مجال للخطأ…..كانت في شهرها السـابع على الأقل.
بدأ قلب تـامر يخفق بعنف….تزاحمت الأسئلة في رأسه، أسئلة خاف فجأة من الإجابة عنها…تقدم خطوة دون وعي، ثم توقف. المدعوون يحيطون به من كل جانب…إلى جواره، كانت زوجته الجديدة مريم تضحك بسعادة، غير مدركة للعاصفة التي تعصف بصدره. قالت وهي تميل نحوه: عجبتك عندك شغف تكملها طيب صلي على محمد وال محمد وتابع لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين **اتسعت عيناه،** واندفع الدم في أذنيه كصوت طنين مزعج لم تسمعه فرقة الموسيقى الكلاسيكية. كاد يترك يد عروسه “مريم” ويمضي نحو ذلك العمود الرخامي، لكن نظرة مريم المتعجبة أوقفته مكانه.
همست مريم بدلال: “مالك يا تامر؟ شكلك خ.طفت عينك حاجة مش عاجباك، ولا إيه؟” ابتلع ريقه بصعوبة بالغة، ورسم ابتسامة شاحبة على شفتيه وهو يقول بصوت أجش: “مفيش يا حبيبتي… شوية إرهاق بس من الزحمة.”
لكن عينيه أبتاعتا إلا أن تراقبها. كانت تُنهي عملها على الطاولة، والتفّت لتتحرك نحو المطبخ الخلفي للقاعة. شعور غريب بالذنب والقهر مزق صدره؛ تذكر اليوم الذي طردها فيه ببرود حين أخبرته بحملها، ظنّاً منه أنها تبتزه عاطفياً لتعطيل صفقاته وسفره. تركها تواجه العالم وحدها، من دون مأوى، ومن دون حتى نفقة تحفظ ماء وجهها، وهو الذي يملك الملايين التي تُبذر اليوم على قاعة لا تستغرق بضع ساعات! مرت الليلة كثقيل الجبال على صدره. وعندما انتهى الزفاف وصعد إلى الجناح الفاخر مع عروسه الجديدة، لم يكن يستطيع التفكير في أي شيء سوى تلك البطن المستديرة، وذلك الزي الأسود البسيط.
في صباح اليوم التالي، وتحت حجج واهية عن مراجعة حسابات الشركة والصفقات العاجلة، غادر القصر مبكراً، وقصد فندق النيل رويال مباشرة. التقى بمدير الحفلات وسأله بلهفة مربكة عن عاملات الخدمة المؤقتة في تلك الليلة. نظر إليه المدير بتعجب قائلًا: “آه تقصد السيدة التي كانت مسؤولة عن الطاولات الخارجية؟ للأسف يا فندم، هي لم تكن عاملة دائمة.. حضرت طارئة لأن إحدى العاملات مرضت، وقد استعنا بها بناءً على طلبها لأنها كانت بحاجة ماسة للأجر اليومي، لكنها غادرت قبل أن ينتهي الحفل بدقائق، وتركت عنواناً مؤقتاً في إحدى الحواري الفقيرة بالجيزة.”
أخذ تامر العنوان وركب سيارته الفارهة مسرعًا. كان قلبه ينبض بقوة غريبة، خوفاً وندماً. وصل إلى الحي الشعبي المتواضع، ودلّته امرأة عجوز على الغرفة الضيقة التي تستأجرها طليقته في أعلى منزل قديم. صعد الدرج المتهالك بخطوات ثقيلة، وكأن قدميه مصفّدتان بحديد. وقف أمام الباب الخشبي المتهالك، وسمع من الداخل صوتاً خافتاً لأنفاس متعبة، يتبعها بكاء خفي. رفع يده وطرق الباب بخفة. فتح الباب ببطء… ظهرت أمامه بملامحها الشاحبة وتعبها الواضح، وحين رأتْه، تجمدت مكانها. لم تصرخ، ولم تبكِ بغضب، بل نظرت إليه بعينين نظيفتين يملؤهما إباء غريب وعزة نفس حطمت غروره كله.
همس تامر بصوت مهتز، والدموع تترقرق في عينيه لأول مرة منذ سنوات: “أنا… أنا آسف… سامحيني.” ابتسمت بمرارة وقالت بصوت هادئ وموجع: “جاي ليه يا تامر؟ جاي تطمن إن ابنك بيعيش في نفس الفقر اللي سبتني فيه؟ ولا جاي تكفر عن ذنبك بقرشين، زي ما بتشتري كل حاجة في دنياك؟” تقدم خطوة فحذرتْه بيدها أن يقترب، وقالت الكلمة التي أسقطت جدران قسوته للأبد: “اللي ساب مراته وهي حامل عشان طمعه وشغله، ملوش مكان هنا.. اخرج من حياتي زي ما دخلتها، وانسى إنك في يوم عرفت واحدة اسمها ندى.”
أغلق الباب في وجهه بهدوء قاتل، ليقف تامر في ممر مظلم وضيّق، مدركاً متأخراً جداً، أن أموال الدنيا كلها لا يمكن أن تعيد له أماً هدم بيتها، ولا قلباً أحبه بصدق فخسره إلى الأبد.