
من وقت ما حمايا اتصاب بالزهايمر واحنا بنتجاهل كل تصرفاته لانه حقيقي بقى مش مسؤل عنها ، لحد ما بنتي اللي عندها 9 سنين قالتلي وهيه بتعيط ياماما جدو بيقعدني على حجره ويعمل حاجات عيب…واللي عمله ابوها بعدها كان كارثه !!!
من وقت ما اتجوزت محمد جوزي و حياتنا هادية ومستقرة جداً، مفيش بيننا اي مشاكل، كان في حب وتفاهم مالين البيت.. الحاجة الوحيدة اللي كانت كاسرة قلوبنا ومخلية الحزن يخيم علينا هي حالة حمايا. حمايا اتصاب بالزهايمر زالمرض نهش في عقله لحد ما وصل لمرحلة متأخرة جداً، مرحلة تخلي أي بني آدم يفقد أعصابه.
إخوات محمد الكبار وزوجاتهم رفضوا تماماً إنه يعيش مع أي حد فيهم. كل واحدة كانت بتقول “أنا مش حمل وجع دماغ وتصرفات مش متوقعة”. محمد عشان هو الابن الصغير وقلبه أبيض، ما استحملش يسيب أبوه أو يرميه في دار مسنين، وجابه يعيش معانا. أنا بصراحة ما اتضايقتش، بالعكس، كنت بقول ده في مقام أبويا، والأجر عند ربنا.
تصرفات حمايا كانت صعبة جداً وتدمر أي طاقة. أوقات كان ينزل من البيت في غفلة مننا، ونفضل نلف ونسأل عليه والطرقات تاخدنا وتجيبنا..
زي المرة اللي اختفى فيها تلت أيام كاملين، كنا هنمـ,ـوت من الرعـ,ـب، وفي الآخر لقيناه قاعد في المقبرة عند قبر مراته الله يرحمها يبكي ويحاكيها! وأوقات تانية يقوم من النوم فجأة يصرخ ويتخانق من غير أي سبب، يعلي صوته ويقولنا: “انتو مين؟ انتو حابسيني هنا ليه؟ انتو حرامية!”.. ومرات كتيرة أكون عاملا له الأكل بأيديا ومجهزة الصينية بكل حب، يأخد الطبق ويكبه في الأرض ويصرخ في وشي: “انتو حاطين لي سم في الأكل عشان تخلصوا مني!”
الحياة معاه كانت جهاد يومي، بس والشهادة لله، أنا عمري ما زعلت منه ولا شلت في خاطري.
كنت عارفة إن العقل خلاص اتلحس، وإنه حقيقي مش مسؤول عن أي حاجة بيعملها. حتى محمد لما كان بيتعصب من كتر الضغط والشغل ويصرخ، كنت باخده على جنب وأهديه وأقوله: “طول بالك يا محمد، ده أبوك يا حبيبي وهو مش فاهم هو بيعمل إيه، ارحمه عشان ربنا يرحمنا.”
فضلنا على الحال ده، لحد ما جه اليوم الملعون اللي قلب حياتي كابوس..
دخلت الصالة لقيت بنتي شهد، اللي عندها ٩ سنين، قاعدة على الكنبة وبتعيط بصوت مكتوم. قلبي اتخلع عليها، جريت وقعدت جنبها وأخدتها في حضني: “مالك يا قلب ماما؟ في إيه يا شهد؟”
بصت لي بدموع وقالتلي بصوت بيترعش: “جدو زعلني يا ماما..”
أنا ساعتها ابتسمت ابتسامة خفيفة وكنت فاكراه شتـ,ـمها أو خضها، فقلت لها بالراحة: “حبيبتي، أنا مش قلت لك قبل كده جدو مسكين ومريض؟ ينفع نزعل من جدو على أي حاجة بيعملها؟ معلش يا شهد سامحيه.”
لقيتها بتبص لي بنظرة عمري ما هنساها، نظرة خوف ووجع أكبر من سنها بكثير، وقالتلي: “بس يا ماما.. هو بيوجعني أوي!”
قلبي انقبض، قلت لها ورعشة بدأت تتسلل لصوتي: “بيوجـ,ـعك إزاي يا شهد؟ ضـ,ـربك؟”
هزت رأسها بـ لا.. وقالت الكلمة اللي نزلت عليا زي الصاعقة اللي شلت حركتي وفكري: “لا يا ماما..
هو بيقعدني على رجله وبيعمل حاجات عيب..”
ساعتها الدنيا لفت بيا، حست إن الأكسجين انسحب من الاوضة. . مسكت البنت وبقيت أفهم منها بالراحه وبأعلى درجات الضبط للنفس، وكل كلمة كانت بتقولها كانت بتغـ,ـرس سـ,ـكينة تلمة في قلبي. البنت كانت بتتكلم ببراءة مرعبة بتأكد كل كلمة.
فضلت قاعدة على نار من جمر مستنية محمد يرجع. أول ما جه من الشغل وشفت علامات التعب على وشه، استنيته لما ارتاح شوية ودخل الأوضة، ودخلت وراه وقعدت جنبه. كنت برتعش، حكيت له اللي البنت قالته وأنا حاطة إيديا على بوقي وببكي برعـ,ـب، منتظرة إنه يسندني ونحاول نلاقي حل للكارثة دي..
بس رد فعله كان الصدمة الثانية اللي مـ,ـوتتني !
عينين محمد احمرت من الغضب، ملامحه اتقلبت للوحشية، وزعق في وشي بصوت هز الجدران: “أنتِ كمان؟! جاية تقولي كده زي حريم إخواتي؟ عايزة تخلصي منه أنتِ كمان وتطفشيه؟ الراجل الغلبان اللي مش داري بالدنيا ده بيعمل لكم إيه عشان تتهموه كده؟ أنا مش فاهم!”
وقفت مذهولة ومصدومة، الدموع مغرقة وشي: “محمد أنت بتقول إيه؟! أنت بتتهمني أنا؟ أنا خايفة على بنتنا! دي بنتك اللي قالت لي كده بشخصها!”
رد عليا بغل وجنون: “بنتنا ولا عايزة البيت يفضالك يا هانم؟! اسمعي بقى..
أنا مش زي إخواتي، وجزمة أبويا دي فوق دماغك ودماغ أي حد، سامعة ولا لأ؟!”
صرخت بدموع وحـ,ـرقة: “أنا من امتى بشكي من أبوك يا محمد؟! طول عمرك شايفني بشيله في عينيا، دي بنتك الصغيرة هي اللي جت وبكت وقالت لي!”
قال بصوت يهد جبال وهو ماشي ناحية الباب ومتعصـ,ـب لدرجة القـ,ـتل: “بنتي مش كده! طب أنا هسمع منها بنفسي دلوقتي حالا!”
خرج للصالة وهو فاير زي البركان. شهد كانت قاعدة بره سامعة زعيقه وميته من الرعب. أول ما طلع، مسكها من دراعها بقوة وعنف لدرجة إن صوابعه علّمت في جلدها ، وشدها ناحيته وهو بيصرخ فيها: