روايات

من وقت ما حمايا اتصاب بالزهايمر واحنا بنتجاهل كل تصرفاته

“تعالي هنا يا بت! ماله جدك؟ عمل لك إيه؟ اتكلمي!”
​البنت من كتر الرعب افتكرت إنها عملت مصيبة أو إنها هي السبب في خناقنا، بقت تهز رأسها يمين وشمال وهي بتبكي بهسـ,ـتيريا وتقول: “معملش حاجة.. معملش حاجة يا بابا !”
​أنا ما استحملتش المشهد، جريت شديتها من إيده بالقوة وحضـ,ـنتها في صدري وزعقت فيه بكل طاقتي: “انت بتعمل إيه؟! رعبت البنت وطيرت عقلها!”
بص لي بنظرة كلها كره واستحقار وقال بغضب مكتوم وتهديد مباشر: “رعبتها ولا عشان كشفت كدبك وتأليفك؟ اسمعي بقى قسماً بالله..

أبويا ده هو اللي جوه وانتِ اللي بره، ولو اتهمتيه بأي اتهام باطل تاني تاخدي بعضك وتمشي من هنا! وبنتك اللي خايفة عليها دي، أقسم بالله ما هسيبها معاكي ولا هتشوفيها طول عمرك، بنتي مش هتخرج من البيت ده لو على جـ,ـثتي.. سمعتي ولا لأ؟!”
​سابني مسمرة في مكاني ودخل الأوضة وقفل الباب وراه عشان ينام، وسابني في الصالة حاضنة بنتي اللي بتترعش، مش عارفة أستوعب إزاي جوزي عمل كده، ولا عارفة أحمي بنتي إزاي من الراجل اللي جوه..
​بس كل الرعـ,ـب ده، ما كانش يجي حاجة جنب اللي عمله محمد تاني يوم..

اللي عمله كان أسوء بكتير من كل اللي اتوقعته!!!! صلي على رسول الله القصه مذهله للمتابعه سيب لايك وكمنت يتم وهيوصلك اشعار من يومها وأنا قاعدة في الصالة، لا النوم زار عيني ولا الأمان عرف طريق قلبي. حضـ,ـنت شهد اللي نامت وهي بتترعش من رعب أبوها، وكنت ببص للباب المقفول وأنا حاسة إن الدنيا كلها اتخلت عننا. محمد، جوزي حبيب قلبي وسند عمرنا، اتحول في لحظة لعدو بيطاردنا ويدافع عن وهم، مجرد عشان مش قادّر يواجه الحقيقة المرة؛ الحقيقة إن أبوه، اللي مدخله بيته برحمة، بقى خطر حقيقي على حتة من روحه.

تاني يوم الصبح، الشمس طلعت بس الضلمة جوه البيت كانت أدكن بكتير. صحيت على صوت حمايا وهو بيتحرك في الصالة. بصيت من شق الباب، لقيته قاعد على الكرسي بتاعه كالعاده، تايه في ملكوت تاني، بيبص للحيطة بنظرة بلهاء وبيضحك بصوت خافت لوحده. قعدت جنب شهد في الأوضة، وكنت لسه هطمنها، ولقيت الباب بيفتح بعنف. محمد دخل علينا ووشه مقلوب، لا فيه سلام ولا كلام. بص لي بجفاء وقال بخشونة: “قومي جهزي الفطار لأبويا.. وبلاش وجع دماغ ونكد من الصبح. واطلعي انتِ والبنت اقعدوا في المطبخ، مش عايز أشوف وشكم في الصالة قصاده عشان ما تضايقوهوش!”

الكلمة نزلت على قلبي زي السـ,ـكينة. طـ,ـردني أنا وبنتي من بيتنا عشان خاطر أبوه اللي مش حاسس بحاجة أصلًا! بصيت له بعيون مكسورة وقلت بصوت بيترعش: “للدرجادي يا محمد؟ بقيت أنا والبنت شر في حياتك؟ أنت مش خايف على بنتك؟” زعق في وشي بصوت واطي بس مرعب: “قلت لك اخرسي! كدبكم ده مش همشيه عليا.. اخلصي، غوري أنتِ وبنتك على جوه.”

دخلت المطبخ وأنا حاسة إن الدموع جفت في عيني من كتر القهر. قعدت مع شهد اللي كانت ماسكة فيا كأنها بتمسك في طوق نجاة، بتقولي بصوت ضئيل: “يا ماما.. هو بابا زعلان منا ليه؟ هوا إحنا عملنا حاجة غلط؟”. حضنتها وأنا باكل في نفسي، وكنت ناوية على حاجة مجنونة.. خلاص، العقل اتلحس من الناحيتين، ومحمد مبقاش في ايده وعيه، وأنا لازم أنقذ بنتي بأي ثمن، حتى لو هخرب بيتي بنفسي.

استنيت لحد ما محمد نزل راح شغله. كان الوقت حوالي الساعة اتناشر الظهر. فتحت باب المطبخ بحذر، وبصيت في الصالة لقيت حمايا نايم على الكرسي وراسه مايلة وبيبخر في نومته من التعب والسن. جريت على الأوضة، طلعت شنطة صغيرة وحطيت فيها هدوم ليا أنا وشهد، وكتبت ورقة سابتها على الترابيزة لمحمد، كتبت فيها: “أنا ماشية يا محمد، ورايحة أبلغ عن أبوك وعنك.. بنتي أغلى عندي من الدنيا كلها، ومستحيل أرضى أباعها رخيص بالطريقة دي.”

مسكت إيد شهد وفتحت الباب المرتعش، ولسه هخطو خطوة لبره.. ولقيت باب الشقة بيتفتح بالمفتاح! قلبي وقف في مكاني.. ده محمد! إيه رجعه دلوقتي؟! دخل وشاف الشنطة في إيدي وشهد واقفة ورايا بترتعش. عيونه اتسعرت بشر غريب، وبص لي بنظرة ملوها الجنون وقال: “رايحة فين يا هانم؟ هـ,ـاربة ببنتا؟ كنتِ باعتة إيه؟ تروحي للشرطة تفضحي أبوي؟!” جريت لورا وأنا بصرخ: “ابعد عننا يا محمد! أنت جنينت رسمي! بنتي في خطر هنا وأنت أعمى!”

بس اللي محمد عمله بعدها.. ده كان الكارثة الأكبر اللي فوق وصف أي بني آدم! محمد ما اكتفاش إنه يمنعني من الخروج.. ده جري على باب الشقة وقفله بالمفتاح وشال المفتاح حطه في جيبه، وبص لي بابتسامة مرعبة وقال: “تفضحي أبويا؟ تمام.. طالما أنتوا مش مقدرين النعمة اللي عايشين فيها، وعايزین تظلموا الراجل المريض ده.. يبقى الحل الوحيد إنكم تبقوا أنتوا الاتنين في مكان تانٍ خالص!” جريت عشان أزقه وأفتح الباب، بس مسكني من دراعي بقوة وحضني ودفعني جوه الأوضة أنا وشهد، وقفل الباب علينا بالمفتاح من بره! بقيت أخبط على الباب بجنون وأصرخ:

“محمد! افتح! أنت بتعمل إيه فينا؟ مجنون أنت؟ افتح يا محمد!” صوته جالي من بره بارد وثابت، وقال الجملة اللي جمدت الدم في عروقي: “اقعدي في الأوضة أنتِ والبنت.. أنا اتفقت مع عمي (أخو محمد الكبير اللي كان رافض ياخد أبوه) إنهم يجوا ياخدوا أبويا دلوقتي حالا عشان يرتاحوا من نكدي.. وأنتِ وبنتك هتفضلوا محبوسين هنا لحد ما أعرف أربيكِ من أول وجديد، وأخليكِ تنسي فكرة التخريف دي للأبد!”

قعدت على الأرض وضميت شهد ليا وأنا حاسة إن الهوا بينعدم.. محمد اتحول لشخص تاني خالص، شخص ممكن يعمل أي حاجة عشان يداري على مصـ,ـيبة أبوه.. وفجأة، سمعت صوت بره في الصالة.. صوت خطوات ناس تانية، وصوت حمايا وهو بيصرخ ويزعق كالعادة.. بس المرادي.. الصوت كان بيقرب من أوضتنا إحنا! والباب بدأ يتخبط عليه بقوة تقشر الجلد!!

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى