روايات

رجل الأعمال اللي الناس كلها كانت بتخاف منه سمع

رجل الأعمال اللي الناس كلها كانت بتخاف منه سمع المربية الجديدة بتغني أغنية كانت مراته المتوفية بس هي اللي تعرفها… ولما شاف بنته البكماء بتحرك شـ,ـفايفها معاها، عرف إن الست دي مخبية سر هيقلب حياته كلها.
أول ليلة سارة غنت فيها جوه بيتي…
حسيت نفسي نسيت أتنفس.
مش علشان صوتها كان جميل.
كان جميل فعلًا.
ومش علشان بنتي ملك حركت شـ,ـفايفها لأول مرة بعد سنتين من الصمت.
مع إن دي كانت معجزة لوحدها.
أنا اتجمدت…
لأن الأغنية اللي كانت جاية من السماعة المخفية في مكتبي…

كانت نفس التهويدة اللي مراتي الله يرحمها كانت بتغنيها لبنتنا كل ليلة.
أغنية قديمة جدًا…
ماحدش تقريبًا يعرفها غير أهلها.
وسارة…
الممرضة الجديدة اللي جت بورق تعيين رسمي، لكنها كانت غريبة عننا تمامًا…
كانت حافظاها كلمة كلمة.
اسمي عمر الدمنهوري.
في عالم رجال الأعمال…
الناس كانت بتهمس باسمي.
رسميًا…
كنت مالك شركات شحن، ومقاولات، وأمن.
لكن الحقيقة…
كنت وارث إمبراطورية كبيرة.
ومهما كان عندي نفوذ…
ولا فلوس…
ولا رجالة…
ولا سلطة…
كل ده كان مالوش أي قيمة قدام بنتي الصغيرة.
ملك.

عندها ست سنين.
ومريضة سرطان دم.
شرس.
ومفيش يوم بيعدي غير وهو بيسـ,ـرق منها حتة.
ومن يوم ما أمها ليلى مـ,ـاتت من سنتين…
ملك ما نطقتش ولا كلمة.
ثلاث ممرضات سابوا الشغل في شهر واحد.
قالوا إنها صعبة.
باردة.
وما بتتفاعلش.
أما أنا…
كنت شايف إنها موجوعة.
بس.
لحد ما سارة دخلت بيتي.
شايلة شنطة هدوم.
وشنطة إسعافات.
وسر…
حسيته قبل حتى ما أعرفه.
البيت كان عامل زي القلعة.
كاميرات في كل مكان.
عربيات سوداء.
وحراس أكتر من الخدم.

أول ما دخلت…
لقيتها بتعد الحراس بعينيها.
خايفة.
لكن متدربة تخبي خوفها.
دخلت مكتبي.
فتحت ملفها.
“سارة شريف.”
“28 سنة.”
“متخصصة في رعاية الأطفال.”
“بتتكلم إيطالي.”
“وعندها توصيات ممتازة.”
فضلت إيديها متشابكة وقالت:
“تحت أمرك يا فندم.”
قلت:
“بنتي محتاجة حد يفضل معاها بالليل.”
“مواعيد علاج.”
“وأعراض صعبة.”
“ومش عايز حد ينهار.”
هزت راسها وقالت:
“فاهمة.”
قلت:
“كل اللي اشتغلوا قبل كده قالوا إنها طفلة صعبة.”
بصتلي بثبات.
وقالت:
“الصمت مش معناه إن الإنسان اختفى.”

“أوقات الكبار هما اللي مش بيعرفوا يسمعوا.”
لأول مرة من شهور…
حد اتكلم عن بنتي كأنها لسه موجودة.
قالت:
“ممكن أشوفها قبل الليل؟”
قلت باستغراب:
“ليه؟”
قالت:
“علشان ما أخشش عليها في الضلمة وأنا غريبة.”
ردها ضايقني.
لأنه كان صح.
كانت ملك قاعدة جنب الشباك.
فاتحة كتاب عن الفراشات.
وشها شاحب.
وشعرها أسود.
والكانيولا باينة من رقبتها.
ركعت سارة قدامها.
وقالت بابتسامة:
“هاي يا ملك.”
“أنا سارة.”
“تعرفي إن الفراشات بتسافر مسافات أبعد من ناس كتير؟”
ملك ما ردتش.

لكن صباعها وقف على الصفحة.
أنا لاحظت.
وسارة لاحظت إني لاحظت.
طول الأسبوع…
ما ضغطتش عليها تتكلم.
كانت تديها اختيارات.
بطانية زرقا ولا صفرا.
حدوتة ولا موسيقى.
تشرب دلوقتي ولا بعد خمس دقايق.
استحملت القيء.
والتعب.
والكوابيس.
والدموع اللي ملك كانت بتحاول تخبيها.
وأنا…
كل ليلة كنت بتفرج عليهم من الكاميرات.
وأقنع نفسي إن ده علشان الأمان.
لكن الحقيقة…
إني كنت جبان.
مش قادر أشوف بنتي وهي بتتوجع.
الكاميرات كانت أسهل.
وفي الليلة السابعة…
بعد جلسة الكيماوي…

ملك كانت منهارة.
سارة مسكت شعرها.
ومسحت وشها.
وهمست:
“مش لازم تبقي قوية.”
“بس عدي الدقيقة دي.”
ملك مدت إيديها.
ومسكت إيد سارة.
وفي اللحظة دي…
سارة بدأت تدندن.
أول نغمة…
ضـ,ـربتني في قلبي.
نفس تهويدة ليلى.
اللي كانت بتغنيها وهي بتحضن ملك وهي رضيعة.
الأغنية اللي عمرها ما كتبتها.
وكانت دايمًا تقول:
“دي بتاعة ستات عيلتنا بس.”
وفجأة…
شفايف ملك اتحركت.
بنتي…
كانت بتحاول تغني.
جريت على أوضتها.
فتحت الباب بعنف.
سارة اتجمدت.
بصيتلها وقلت:

“إنتِ عرفتي الأغنية دي منين؟”
وشها شحب.
وبهدوء…
مدت إيدها تحت ياقة هدومها.
وطلعت سلسلة دهب.
عليها صليب صغير.
السلسلة اللي اختفت يوم وفـ,ـاة مراتي.
وقالت بصوت مهزوز:
“ليلى ادهالي قبل ما تمـ,ـوت.”
“وقالتلي أوعدها إني هرجع…”
“لما بنتكم تبقى مستعدة تعرف الحقيقة.”
اتجمدت مكاني.
وسألتها:
“حقيقة إيه؟”
رفعت عينيها ناحيتي.
وقالت:
“الحقيقة اللي مراتك خبتها عنك طول السنين…”

“والسبب الحقيقي اللي خلاني اغير هويتي… وأدخل بيتك بأي تمن.نزلت إيدها اللي ماسكة السلسلة بالتدريج، بس عينيها ما اهتزتش ولا لحظة وهي بتبصلي. المكان حولين مننا كان ساكت سكون يرعب، مفيش غير صوت أنفاس ملك المنتظمة اللي نامت أخيراً بعد التعب، وكأن التهويدة كانت مخدر طمن قلبها الصغير. أنفاسي كانت سريعة، وعقلي بيحاول يربط الأحداث ببعضها.. سارة الممرضة، السلسلة الدهب، أغنية ليلى الخاصة، والجملة اللي رمتها في وشي زي القنبلة.

مسكتها من ذراعها بقوة – مش بقسوة، بس بذهول ورعب رجل حاسس إن الأرض بتتسحب من تحت رجليه – ووشوشت وأنا باصلل ملك عشان ما أصحيهمش: “انزلي معايا المكتب.. فوراً.” مشيت قدامي بهدوء عجيب، كأنها كانت متوقعة اللحظة دي ومستعدة ليها من سنين. نزلنا السلم الرخام، وحراسي اللي وافقين في الصالة استغربوا من نظراتي، بس بإشارة قصيرة من إيدي فهموا إن محدش يقرب ولا يتدخل. قغلت باب المكتب ورايا، ولفيت ليها وأنا ساند على المكتب الخشبي العريض:

“اتكلمي يا سارة.. أو أياً كان اسمك الحقيقي. ليلى ماتت في حادثة عربية من سنتين.. مـ,ـاتت وأنا ماسك إيدها في المستشفى. إنتِ مين؟ وجبتِ السلسلة دي منين؟ وليلى تعرفك عنين أساساً؟” سارة وقفت في نص الأوضة، حطت إيدها في جيوب البالطو الأبيض بتاعها، وقالت بصوت هادي بس مليان وجع: “ليلى مماتتش في حادثة قضاء وقدر يا عمر بيه.. ليلى اتقتـ,ـلت. والسبب في قتـ,ـلها كان سر كشفته عن شغلك وعن عيلتك، سر لو كان طلع للنور وقتها كان هد إمبراطوريتك كلها.. وكان هيتسبب في مـ,ـوت ملك وهي لسه حتة لحمة حمرا.”

حسيت بدـ,ـمي بيفور، قربت منها خطوات وصرخت بصوت مكتوم: “إنتِ بتخرفي بتقولي إيه؟! ليلى كانت مراتي! روحي! أنا حاميتها بعمري! مين اللي يقتـ,ـلها؟ ومنين تعرفي التفاصيل دي كلها؟!” سارة حطت إيدها على السلسلة الدهب، وفتحت القفل بتاعها بظفرها.. طلعت من جوه السلسلة شريحة ميموري صغيرة جداً، أصغر من أطراف صوابعها، ورفعتها في وشي: “أنا أخت ليلى من الأم يا عمر.. الأخت اللي هي خبت وجودها عنك وعن العالم كله عشان تحميني من القذارة اللي كانت عارفة إنها عايشة فيها.”

الجملة نزل عليا زي الصـ,ـاعقة. أخت ليلى؟ ليلى كانت بتقولي دايمًا إنها مقطوعة من شجرة، إن ملهاش حد في الدنيا غيري! سارة كملت كلامها ودمعة واحدة نزلت من عينها: “ليلى خبتني لأن أبوك الله يرحمه.. الحاج جلال الدمنهوري.. كان هو السبب في دمار عيلتنا زمان. لما ليلى اكتشفت الحقيقة بعد جوازكم بتبص في أوراق شركتك، عرفت إن النفوذ والفلوس اللي إنت قاعد عليهم دول، نصهم مجني من عرق ودـ,ـم ناس تانيين.. ومنهم أبويا. هي حبتك، حبتك بجد وما كانتش عايزة تخرب بيتك، بس لما حملت في ملك، بدأت تتبعتلها تهديدات.”

استوعبت الكلام بالعافية.. أبويا؟ والتهديدات؟
قلت بصوت مخنوق: “تهديدات من مين؟” سارة قربت حطت شريحة الميموري على المكتب قدامي: “من الشريك المستخبي في شركاتك.. الراجل اللي إنت فاكره دراعك اليمين وبتقعده على سفره بيتك.. توفيق. توفيق هو اللي كان بيضغط على ليلى عشان تضغط عليك تتنازل عن خطوط الشحن البحرية لصالحه. ولما رفضت وأددت إنها هتقولك على كل حاجة.. عربيتها اتلعب في فراملها.” عقلي كان بيرفض يصدق، بس قلبي كان بيترعش. توفيق؟ توفيق اللي كبر معايا؟ اللي ماسك أمن الشركات معايا؟

كملت سارة كلامها وهي بتبصلي بثبات: “ليلى كلمتني قبل الحـ,ـادثة بساعتين.. كانت حاسة إن نهايتها قربت. قالتلي: ‘لو حصلي حاجة يا سارة، عمر مش هيصدق إن أقرب الناس ليه خاين، عمر هينكسر.. خدي السلسلة دي، فيها كل التسجيلات والمستندات اللي بتثبت تورط توفيق. وخليكي بعيدة لحد ما ملك تكبر أو تحتاجك’. أنا درست تمريض، وغيرت اسمي وورقي كله بشخصية مزيفة، واستنيت اللحظة المناسبة. ولما عرفت إن ملك جالة المريض ده.. وإن الممرضات بيسيبوها بسبب ضغوط وبيجوا غيرهم.. عرفت إن ده وقتي.”

أنا قعدت على الكرسي.. الرؤية كانت بتغيم قدامي. كل حاجة حوليها كانت كذبة؟ نفوذي.. قسوتي.. الحراس اللي يحيطوا بيتي.. كل ده ما حمش مراتي؟ سارة حطت إيدها على المكتب وهمست: “ليلى ما ماتتش وهي خايفة منك.. ليلى مـ,ـاتت وهي خايفة عليك وعلى ملك. الأغنية دي كانت الشفرة اللي بيني وبينها، والأغنية اللي علمتها لملك وهي صغيرة جداً عشان لما أقولها، ملك تعرف إن اللي قدامها أمان.”

قمت من مكاني، مسكت الشريحة بإيد بتترعش، وحطيتها في الجهاز المخصص للفك الشفرات في مكتبي. الشاشة نورت.. وعرضت فيديوهات وتسجيلات صوتية بصوت توفيق.. وصوت ليلى وهي بترفض تخونني أو تسلم أوراق الشركة. وفي أخر تسجيل.. صوت ليلى وهي بتبكي وبتقول: “يا سارة.. لو عمر سمع ده.. قوليله إني حبيته لأخر ثانية، وبنتي أمانة في رقبته ورقبتك.” دموعي نزلت لأول مرة من سنين. دموع رجل الأعمال اللي الناس كلها كانت بتخاف منه.. الرجل اللي كان فاكر نفسه يحكم كل حاجة، واكتشف إنه كان أعمى.

بصيت لسارة.. الممرضة اللي كانت بالنسبة لي مجرد عاملة جديدة.. ولقيت فيها ريحة ليلى، ثباتها، ونفس العينين الخضراء الهادية. قلت بصوت مبحوح: “توفيق.. هو اللي بيحاول يضعفني دلوقتي بمرض ملك؟” سارة هزت رأسها بالرفض وقالت: “مرض ملك حقيقي يا عمر.. الكيماوي والتعب حقيقي. بس توفيق هو اللي كان بيكتب للممرضات القدامى مبالغ عشان ينسحبوا ويسيبوا بنتك تتدمر نفسياً.. عشان إنت تنهار وتنشغل بمرضها وتوقع على تنازلات الشحن اللي بقالك سنتين رافض تمضيها.”

سارة قربت مني وربطت على إيدي بكفها الدافي: “أنا ما جيتش هنا عشان أنتقم.. أنا جيت عشان أنقذ ملك.. وأساعدك ترجع حق مراتك.” في اللحظة دي.. سمعنا صوت خبط خفيف على باب المكتب.
فتحنا الباب.. كانت ملك واقفة.
شكلها كان زي الملاك الصغير، لابسة البيجامة البيضاء، وماسكة عرستها القديمة. بصتلي.. وبعدين بصت لسارة.
ولأول مرة من سنتين.. شفايفها اتفتحت، وطلع منها صوت ضعيف، مبحوح، بس كان أجمل صوت سمعته في حياتي كلها:

“بـ… بابا…”

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى