روايات

رجل الأعمال اللي الناس كلها كانت بتخاف منه سمع

جريت عليها وأنا بركع على ركبي، حضنتها بكل قوتي وبكيت زي الطفل. ملك حطت إيدها الصغيرة على وشي، وبصت لسارة ومدت لها إيدها التانية. سارة ركعت جنبنا وحضـ,ـنتنا إحنا الاتنين. رفعت رأسي وبصيت لسارة في عينها، والخوف اللي كان ماليني تحول لشرار ونار مش هتهدى: “سارة.. من اللحظة دي إنتِ مش ممرضة في البيت ده.. إنتِ فرد من عيلة الدمنهوري. وبكرة الصبح.. إمبراطورية توفيق هتقع، وحق ليلى هيرجع.. كلمة بكلمة.”

وقفت وأنا ماسك إيد بنتي في إيد، وإيد أخت ليلى في الإيد التانية.. وعرفت إن الليلة دي كانت نهاية الخوف.. وبداية الحرب. نزلت إيدها اللي ماسكة السلسلة بالتدريج، بس عينيها ما اهتزتش ولا لحظة وهي بتبصلي. المكان حولين مننا كان ساكت سكون يرعب، مفيش غير صوت أنفاس ملك المنتظمة اللي نامت أخيراً بعد التعب، وكأن التهويدة كانت مخدر طمن قلبها الصغير. أنفاسي كانت سريعة، وعقلي بيحاول يربط الأحداث ببعضها.. سارة الممرضة، السلسلة الدهب، أغنية ليلى الخاصة، والجملة اللي رمتها في وشي زي القنبلة.

مسكتها من ذراعها بقوة – مش بقسـ,ـوة، بس بذهول ورعب رجل حاسس إن الأرض بتتسحب من تحت رجليه – ووشوشت وأنا باصلل ملك عشان ما أصحيهمش: “انزلي معايا المكتب.. فوراً.” مشيت قدامي بهدوء عجيب، كأنها كانت متوقعة اللحظة دي ومستعدة ليها من سنين. نزلنا السلم الرخام، وحراسي اللي وافقين في الصالة استغربوا من نظراتي، بس بإشارة قصيرة من إيدي فهموا إن محدش يقرب ولا يتدخل. قغلت باب المكتب ورايا، ولفيت ليها وأنا ساند على المكتب الخشبي العريض:

“اتكلمي يا سارة.. أو أياً كان اسمك الحقيقي. ليلى ماتت في حادثة عربية من سنتين.. ماتت وأنا ماسك إيدها في المستشفى. إنتِ مين؟ وجبتِ السلسلة دي منين؟ وليلى تعرفك عنين أساساً؟” سارة وقفت في نص الأوضة، حطت إيدها في جيوب البالطو الأبيض بتاعها، وقالت بصوت هادي بس مليان وجع: “ليلى مماتتش في حادثة قضاء وقدر يا عمر بيه.. ليلى اتقـ,ـتلت. والسبب في قـ,ـتلها كان سر كشفته عن شغلك وعن عيلتك، سر لو كان طلع للنور وقتها كان هد إمبراطوريتك كلها.. وكان هيتسبب في مـ,ـوت ملك وهي لسه حتة لحمة حمرا.”

حسيت بدمي بيفور، قربت منها خطوات وصرخت بصوت مكتوم: “إنتِ بتخـ,ـرفي بتقولي إيه؟! ليلى كانت مراتي! روحي! أنا حاميتها بعمري! مين اللي يقتـ,ـلها؟ ومنين تعرفي التفاصيل دي كلها؟!” سارة حطت إيدها على السلسلة الدهب، وفتحت القفل بتاعها بظفرها.. طلعت من جوه السلسلة شريحة ميموري صغيرة جداً، أصغر من أطراف صوابعها، ورفعتها في وشي: “أنا أخت ليلى من الأم يا عمر.. الأخت اللي هي خبت وجودها عنك وعن العالم كله عشان تحميني من القـ,ـذارة اللي كانت عارفة إنها عايشة فيها.”

الجملة نزل عليا زي الصاعقة. أخت ليلى؟ ليلى كانت بتقولي دايمًا إنها مقطوعة من شجرة، إن ملهاش حد في الدنيا غيري! سارة كملت كلامها ودمعة واحدة نزلت من عينها: “ليلى خبتني لأن أبوك الله يرحمه.. الحاج جلال الدمنهوري.. كان هو السبب في دمار عيلتنا زمان. لما ليلى اكتشفت الحقيقة بعد جوازكم بتبص في أوراق شركتك، عرفت إن النفوذ والفلوس اللي إنت قاعد عليهم دول، نصهم مجني من عرق ودـ,ـم ناس تانيين.. ومنهم أبويا. هي حبتك، حبتك بجد وما كانتش عايزة تخـ,ـرب بيتك، بس لما حملت في ملك، بدأت تتبعتلها تهديدات.”

استوعبت الكلام بالعافية.. أبويا؟ والتهديدات؟
قلت بصوت مخنوق: “تهديدات من مين؟” سارة قربت حطت شريحة الميموري على المكتب قدامي: “من الشريك المستخبي في شركاتك.. الراجل اللي إنت فاكره دراعك اليمين وبتقعده على سفره بيتك.. توفيق. توفيق هو اللي كان بيضغط على ليلى عشان تضغط عليك تتنازل عن خطوط الشحن البحرية لصالحه. ولما رفضت وأددت إنها هتقولك على كل حاجة.. عربيتها اتلعب في فراملها.” عقلي كان بيرفض يصدق، بس قلبي كان بيترعش. توفيق؟ توفيق اللي كبر معايا؟ اللي ماسك أمن الشركات معايا؟

كملت سارة كلامها وهي بتبصلي بثبات: “ليلى كلمتني قبل الحادثة بساعتين.. كانت حاسة إن نهايتها قربت. قالتلي: ‘لو حصلي حاجة يا سارة، عمر مش هيصدق إن أقرب الناس ليه خاين، عمر هينكسر.. خدي السلسلة دي، فيها كل التسجيلات والمستندات اللي بتثبت تورط توفيق. وخليكي بعيدة لحد ما ملك تكبر أو تحتاجك’. أنا درست تمريض، وغيرت اسمي وورقي كله بشخصية مزيفة، واستنيت اللحظة المناسبة. ولما عرفت إن ملك جالة المريض ده.. وإن الممرضات بيسيبوها بسبب ضغوط وبيجوا غيرهم.. عرفت إن ده وقتي.”

أنا قعدت على الكرسي.. الرؤية كانت بتغيم قدامي. كل حاجة حوليها كانت كذبة؟ نفوذي.. قسوتي.. الحراس اللي يحيطوا بيتي.. كل ده ما حمش مراتي؟ سارة حطت إيدها على المكتب وهمست: “ليلى ما ماتتش وهي خايفة منك.. ليلى ماتت وهي خايفة عليك وعلى ملك. الأغنية دي كانت الشفرة اللي بيني وبينها، والأغنية اللي علمتها لملك وهي صغيرة جداً عشان لما أقولها، ملك تعرف إن اللي قدامها أمان.”

قمت من مكاني، مسكت الشريحة بإيد بتترعش، وحطيتها في الجهاز المخصص للفك الشفرات في مكتبي. الشاشة نورت.. وعرضت فيديوهات وتسجيلات صوتية بصوت توفيق.. وصوت ليلى وهي بترفض تخونني أو تسلم أوراق الشركة. وفي أخر تسجيل.. صوت ليلى وهي بتبكي وبتقول: “يا سارة.. لو عمر سمع ده.. قوليله إني حبيته لأخر ثانية، وبنتي أمانة في رقبته ورقبتك.” دموعي نزلت لأول مرة من سنين. دموع رجل الأعمال اللي الناس كلها كانت بتخاف منه.. الرجل اللي كان فاكر نفسه يحكم كل حاجة، واكتشف إنه كان أعمى.

بصيت لسارة.. الممرضة اللي كانت بالنسبة لي مجرد عاملة جديدة.. ولقيت فيها ريحة ليلى، ثباتها، ونفس العينين الخضراء الهادية. قلت بصوت مبحوح: “توفيق.. هو اللي بيحاول يضعفني دلوقتي بمرض ملك؟” سارة هزت رأسها بالرفض وقالت: “مرض ملك حقيقي يا عمر.. الكيماوي والتعب حقيقي. بس توفيق هو اللي كان بيكتب للممرضات القدامى مبالغ عشان ينسحبوا ويسيبوا بنتك تتدمر نفسياً.. عشان إنت تنهار وتنشغل بمرضها وتوقع على تنازلات الشحن اللي بقالك سنتين رافض تمضيها.”

سارة قربت مني وربطت على إيدي بكفها الدافي: “أنا ما جيتش هنا عشان أنتقم.. أنا جيت عشان أنقذ ملك.. وأساعدك ترجع حق مراتك.” في اللحظة دي.. سمعنا صوت خبط خفيف على باب المكتب.
فتحنا الباب.. كانت ملك واقفة.
شكلها كان زي الملاك الصغير، لابسة البيجامة البيضاء، وماسكة عرستها القديمة. بصتلي.. وبعدين بصت لسارة.
ولأول مرة من سنتين.. شفايفها اتفتحت، وطلع منها صوت ضعيف، مبحوح، بس كان أجمل صوت سمعته في حياتي كلها:

“بـ… بابا…” جريت عليها وأنا بركع على ركبي، حضنتها بكل قوتي وبكيت زي الطفل. ملك حطت إيدها الصغيرة على وشي، وبصت لسارة ومدت لها إيدها التانية. سارة ركعت جنبنا وحضنتنا إحنا الاتنين. رفعت رأسي وبصيت لسارة في عينها، والخوف اللي كان ماليني تحول لشرار ونار مش هتهدى: “سارة.. من اللحظة دي إنتِ مش ممرضة في البيت ده.. إنتِ فرد من عيلة الدمنهوري. وبكرة الصبح.. إمبراطورية توفيق هتقع، وحق ليلى هيرجع.. كلمة بكلمة.”

وقفت وأنا ماسك إيد بنتي في إيد، وإيد أخت ليلى في الإيد التانية.. وعرفت إن الليلة دي كانت نهاية الخوف.. وبداية الحرب. عشان تكمل الأحداث وتشوف نهاية القصة: اكتب الفصل الثاني: مواجهة عمر لتوفيق وكشف الخـ,ـيانة اكتب الفصل الثاني: رحلة علاج ملك ورحلة خطة الانـ,ـتقام

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى