روايات

كان “محمود” رجلاً تعود على شقاء الدنيا وعِرق الجبين

كان “محمود” رجلاً تعود على شقاء الدنيا وعِرق الجبين. عاش طوال عمره يؤمن بأن الرزق الحلال البحت يأتي بالتعب والبحث الشريف، وأن كرامة الرجل هي رأس ماله الحقيقي في هذه الحياة. البداية: ضيق الحال وباب الأمل الزائف
بعد سنوات طويلة من العمل الحر في ورش النجارة والبناء، توقفت الأحوال تماماً، وأغلقت الأبواب في وجهه. وجد محمود نفسه جالسًا في بيته بلا عمل، والديون تراكمت عليه من كل جهة، وإيجار الشقة يدق باب رأسه كل أول شهر.

كانت زوجته “سعاد” تتابع الهواتف والإنترنت طوال اليوم، ترى أشخاصاً بلا تاريخ ولا قيمة يحققون آلاف الجنيهات بين عشية وضحاها من خلال “البث المباشر” وتطبيقات الفيديوهات القصيرة. في أحد الأيام، وبعد مشادة كلامية طويلة حول نفقات البيت الفارغ، نظرت إليه سعاد وقالت بنبرة حاسمة: “يا محمود، انت عايش في العصر الجاهلي! الشغل بالشقى والشيلة مبقاش يجيب همّه. شوف الناس على التيك توك بيعملوا إيه؟ تعال نعمل لايفات، ونكبس ونشير، وقول للناس كلمتين حلوين، ولا اغنيلك كلمتين وخلي الناس تدعمنا بالهدايا.”

نظر إليها محمود مذهولاً وقال بصوت خافت: “لايفات إيه يا سعاد؟ وإزاي أطلع أهز جسمي ولا أغني وأنا راجل أصل وشنب؟ الناس هتقول علينا إيه؟” أصرت سعاد وضغطت عليه بكل الطرق، واستغلت حالة العجز المالي التي تسيطر على البيت، وقالت له بجفاء: “الكرامة مابتأكلش عيش يا محمود! الناس عايزين اللي يسلّيهم، واللي بيضحك عليهم، مش اللي بيشتكي. عايزين نرقص ونغني.. هو ده اللي بيجيب فلوس اليومين دول.” تحت ضغط الجوع والديون وإلحاح زوجته المستمر، وافق محمود مرغماً، وهو يمني نفسه بأنها “مجرد وسيلة مؤقتة” لتجاوز الأزمة.

السقوط في فخ الشاشة
بدأ الاثنان في فتح بث مباشر لأول مرة. في البداية، كان الحضور قليلاً جداً، ولم يدخل أحد تقريباً. لكن سعاد كانت تدفعه وتقول: “أنت ساكت ليه؟ اعمل أي حركة.. غني بصوت عالي.. تنطط شوية، خليهم يتفاعبوا!” وبالفعل، نزل محمود على رغبتها. بدأ يتمايل على أنغام موسيقى هابطة، ويقول عبارات بلا معنى، ويفعل حركات غريبة ليجذب “الكابس” و”الشير” والقلوب والهدايا الوهمية. وبدأت أعداد المشاهدين ترتفع.. وبدأت النقود الرقمية تتحول إلى أموال حقيقية تُسحب من التطبيق. فرحت سعاد وقالت:

“شفت؟ أنا ماكذبْتُكش! الفلوس بتيجي بسهولة أسهل من شيل الصخر!” الصفعة المدوية
لكن شيئاً فشيئاً، بدأ محمود يستعيد وعيه وهو ينظر إلى نفسه في الشاشة. لم يكن يرى سوى رجل غريب، مسلوب الهوية، يبيع كرامته واعتزازه بنفسه أمام آلاف الغرباء الذين يتابعون السيرك المجاني. في إحدى الليالي، وأثناء البث، ظهرت تعليقات قاسية وصادمة على الشاشة كالصـ,ـاعقة: “فين رجولتك وأنت قاعد تهز كده؟” “دي أشكال ماتستاهلش تكون رجالة!” “خسارة الشنب اللي في وشك.”

“بِعت كرامتك عشان القرش؟” توقف محمود عن الحركة فجأة. جحظت عيناه وهو يقرأ تلك الكلمات. دخلت الكلمات إلى أعماق روحه كالخـ,ـناجر الحامية. شعر أن كل قرش دخل جيبه من هذا الطريق كان يقتطع جزءاً من رجولته وكرامته أمام زوجته وأمام نفسه. نظرت إليه سعاد بغضب وقالت: “أنت وقفت ليه؟ كمل! الناس بدأت تتفاعل!” نقطة التحول
التفت محمود إليها، وبنظرة هادئة لكنها تحمل صرامة السنين، أغمض عينيه عن الشاشة وضغط على زر “إنهاء البث” فوراً.

قالت سعاد بصدمة: “أنت مجنون؟! قفلت ليه واحنا في عز الدعم؟” نظر إليها محمود وقال بصوت ثابت وواضح، يرتجف من قسوة الدرس: “أنا مش هعمل كده تاني يا سعاد.. كفاية. اتهزيت بما فيه الكفاية، وبعت نفسي رخيص.” حاولت أن تمنعه وتعيده لطريق السهل الممتنع، لكنه قاطعها بحسم: “الفلوس اللي تيجي بمرمـ,ـطة الكرامة ما تلزمنيش. أنا راجل، وتربيت على أن العرق هو اللي ليه طعم. أنا هقوم ألبس هدومي، ومن بكره.. هنزل الفجر ألف الشوارع وأدور على شغل حقيقي، ولو هشتغل حمال في السوق.”

تركها محمود واقفة أمام الهاتف المظلم، وذهب ليرتب حطام نفسه، مستعيداً رجولته وكرامته التي لا تُقدر بثمن، ومدركاً أن الشرف الحقيقي في شقاء اليد، لا في تصفيق الغرباء على شاشة زائفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى