زوجي تاجر وعنده فروع، جه في مرة قالي: “هاتى دهبك كله هبيعه عشان عايز أبدأ مشروع في مكان جديد”. وافقت بدون تردد ودخلت جبت علبة الدهب واديتهاله. أخد العلبة من إيدي وعينيه بتلمع بفرحة، باس راسي وقالي: “حقك عليا يا أم العيال، والله أول ما الفرع الجديد يقف على رجليه لأعوضك بالجرام وأجيبلك أفضل هدية مش بس دهب”. ابتسمت وطبطبت على كتفه، مكنش فارق معايا الدهب ولا الزينة، كان كل همي أشوفه ناجح وأكون في ضهره وسنده زي ما اتعودت.
مرت كام شهر وهو مسـ,ـحول في التجهيزات، يخرج من الفجر ويرجع وقت متأخر، والموبايل مبيفصلش رن. كنت بأعذره وأقول معلش الشغل في الأول بيبقى تقيل، وكنت شايلة البيت والولاد لوحدي عشان ميشيلش هم حاجة. لحد ما جه يوم الافتتاح.. لبست أحسن ما عندي وروحتله، المعرض كان آية في الجمال والفخامة، أنوار وديكورات والناس كلها جاية تبارك وتهني، وهو واقف بيستقبل الضيوف. لكن الصدمة.. مش لوحده، كانت إيدها متعلقة في دراعه بكل دلال.. واحدة متزوقة ولابسة فستان سهرة لافت، ودهب الدنيا كله بيلمع في إيديها ورقبتها، نفس الدهب اللي باع شقاي وتنازلي عشان يلبسهولها.
وقفت متسمرة في مكاني، عيني مش مصدقة اللي شايفاه، ورجلي كأنها اتغرست في الأرض من هول الموقف.
كان ماشي معاه، بيضحك في وش المعازيم ويشاور عليها بصوت واطي وواثق ويقول: “أحب أعرفكم بمدام نيرمين.. شريكتي في الفرع الجديد، وشريكة حياتي”. التصفيق والتهاني انهالت عليهم، وهي بترد بدلع وابتسامات وتبص للحاضرين. في اللحظة دي، عينه جت في عيني.. وشه اتخطف، والضحكة مـ,ـاتت على شـ,ـفايفه للحظة، لكنه بلع ريقه ورجع رسم نفس البرود على وشه وكأنه ميعرفنيش، ولا كأني الست اللي شالت معاه الصعاب من الصفر، وباعت دهبها عشان يفتح الباب اللي يدخل منه غيرها. حسيت بغصة بتقـ,ـطع في صدري، بس مسكت نفسي بالعافية، رفعت راسي ومسحت أي دمعة كانت هتنزل.
مين عايز يكمل القصة المشوقة دي؟ يعمل لايك ويكتب “تم” ولا تنسوا ذكر الله. صدمة الافتتاح وبداية المواجهة وقفت في مكاني أخد نفسي بصعوبة بالغة، حسيت إن الدنيا بتلف بيا والناس حواليا بقت عبارة عن أطياف ضبابية وصوت الزغاريط والموسيقى بقى عالي في وداني. بصيت لدهبي اللي في إيديها، حسيت إن كل جرام منه بينطق ويقولي: “دي جزاتك؟”. لكن جوة روحي إصرار كبير، إصرار الكبرياء وكرامة السنين اللي راحت. قررت إني مش هضعف، ومش هخليهم يشوفوا دمعة واحدة تكسرني.
الهدوء الذي يسبق العاصفة أخدت نفس عميق، وعدلت ملابسي بهدوء تام، ومشيت بخطوات ثابتة ومباشرة ناحيتهم. المعازيم كانوا منشغلين بالتهاني، وفجأة لقوا واحدة ست بملامح وقورة بتقف قدام “المهندس” وعروسته الجديدة بكل ثقة. نظرة عيونها: أول ما قربت، عينيه وسعت من المفاجأة وكأن حد فاجئه، ونيرمين كشرت ابتسامتها المصطعنة وقربت منه تسأله بصوت وطي: “مين دي؟”. صوتي الثابت: بصيت له مباشرة من غير ما أهـ,ـرب، وقولت بصوت هادئ لكنه واضح للكل لدرجة إن الموسيقى كأنها وطيت لوحدها: “مساء الخير.. مبروك الفرع الجديد، ومبروك عليك الشراكة والدهب.. بس نسيت تعرفهم بالصح يا أبو العيال.. ولا اسمي سقط سهوا وسط زحمة الاحتفال؟”
ارتباك ونظرات التساؤل الكل سكت فجأة، والتجار بقوا يبصوا لبعض في ذهول. وش زوجي تحول، وبدأ يتلعثم وحاول يمسك دراعي وهو بيضغط على سنانه: “تعالي.. تعالي على برا يا أم العيال، إنتي شكلك تعبانة.. تعالي أفهمك.” بعدت إيده بقوة ورفعت إيدي التانية، وقولت بصوت أعلى ونبرة حاسمة: “أفهم إيه؟ أفهم إنك باعت دهبي وسنين عمري عشان تلبسه لواحدة تانية؟ ولا أفهم إن الشراكة اللي هنا مدفوعة من حلالي ودـ,ـم قلبي؟ ألف مبروك، تتهني بمال الغير، بس اعلمي كويس إن اللي يبنى على الغـ,ـدر والظـ,ـلم، مصيره يتهد في أقرب وقت.”
البداية الحقيقية للحكاية نيرمين اتغيرت ملامحها ووشها اتقلب، وراحت تسحبه من دراعه وتقوله بصوت حاد: “إيه الأسلوب ده! مشكلتك دي تحلها بعيد عني!” وسابتهم ومشت وهي بتهز راسها بغضب. فؤاد وقف عاجز، لا هو عارف يمسك فيها ولا عارف يواجهني قدام الناس اللي بدأت تهمس وتتكلم وتلومه. بصيت له نظرة الوداع لكل سنين التعب، وقولتله: “الفرع ده وتعب سنيني كله هيبقى من نصيبي، والقانون هيجبولي حقي تالت ومثلث.. اصبر عليا.” مشيت من وسطهم ورأسي مرفوعة للسماء، وسبته واقف وسط حطام الموقف اللي بناه.
تابعوني في الحلقات الجاية عشان تعرفوا إزاي البطلة هتاخد حقها وتسترد أملاكها، وهل هيتعلم الدرس ولا الطمع هيعميه للنهاية؟ ولا تنسوا ذكر الله، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم.
الخروج الكبير وبداية المعركة القانونية سيبت المعرض ورايا وأنا سامعة همس الناس وصوت فؤاد وهو بينادي علي، بس مالتفتش ورايا أبداً. ركبت تاكسي وأنا حاسة إن ناري هديت شوية، بس العقل بدأ يشتغل والتفكير في ولادي ومستقبلهم هو اللي سيطر عليا. وصلت البيت، لقيت ولادي نايمين في أمان مش عارفين أبوهم عمل إيه ولا ضحى بإيه عشان خاطر شخص تاني. دخلت أوضتي، قفلت الباب على نفسي، وهنا نزلت دموعي.. بس مش دموع ضعف، دي دموع قـ,ـهر تحول لطاقة تخليني أحـ,ـارب لحد آخر نفس.
خطوة بخطوة لاسترداد الحق تاني يوم الصبح بدري، بدأت التنفيذ العملي من غير تضييع وقت: جمع المستندات: فتحت الأدراج وجمعت كل الورق اللي يثبت ملكيته للمحل القديم، وفواتير بيع الدهب، وشهادات الشهود من الجيران والتجار اللي كانوا عارفين بدايتنا. استشارة محامي خبير: نزلت رحت لمحامي شاطر وواعي، وحكيت له الحكاية من أولها لآخرها، من أول تنازلي عن الدهب لحد يوم الافتتاح وشراكة نيرمين.
المفاجأة القانونية: المحامي قالي بصوت مطمئن: “اطمني يا أم العيال، القانون معاكي.. بيع الدهب في فترة الشراكة الزوجية وتحت ستار إقامة مشروع مشترك بيعتبر حق للمرأة، وإحنا هنثبت إن رأس مال المعرض الجديد خرج من بيع دهبِك ومجهودك، وهنطالب بحقوقك كاملة.”
الانهـ,ـيار السريع ورد فعل الطرف الآخر مرت أسبوعين، وفؤاد كان بيواجه مشاكل متتالية. التجار بقوا يبعدوا عنه، ونيرمين أول ما لقيت المسائل دخلت في الإجراءات القانونية، قالتله بالحرف: “أنا مش فاضية للمشاكل دي، فلوسي هاخدها، وشراكتنا انتهت!” سابته وخلـ,ـعت زي ما دخلت، وفضل فؤاد لوحده، لا المعرض استقر، ولا الست اللي باع شقاي عشانها كملت معاه، ولا أولاده بقوا في صفه بعد ما الحقيقة ظهرت.
طوق النجاة ونهاية القصة في يوم، وأنا قاعدة مع ولادي بذاكر لهم، لقيت باب الشقة بيخبط. فتحت، لقيت فؤاد.. كان شكله تعبان، واقف مكسور الجناح وماسك شنطة هدومه وبيترجاني بنبرة ندم: “أوسوس لي الشيـ,ـطان يا أم العيال.. ضيعت نفسي وضيعتك وضيعت ولادنا.. سامحيني وارحمي وقفتي، والله لأكتبلك المعرض وكل ما أملك باسمك بس ارجعي البيت وخليني ألم شملنا.” بصيت له نظرة أخيرة، وقلت له بصوت هادئ وثابت: “الندم بعد فوات الأوان ما بينفعش يا فؤاد.. الدهب يرجع، والحق يرجع بالقانون، وأنا وولادي هنعيش مرفوعين الرأس.. القضاء بيننا هو اللي هيحدد حقوقنا.” قفلت الباب وأنا حاسة بسلام داخلي رهيب..
ستات كتير بيفكروا إن التنازل هو نهاية الحب، لكن الحقيقة إن الكرامة وصون الحقوق هما البداية الحقيقية للحياة. سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده.