وقف الزمان لثوانٍ في الغرفة. كانت العلبة الصغيرة بين أصابعي أثقل من كل أعباء اليوم الذي قضيته في العمل. نظرت إليها ثم إليها، وكأنني أنظر إلى شخص غريب لا أعرفه، رغم أننا نتشارك السقف والمشاعر منذ سنتين ونصف. رددت بصوت يرتجف من الصدمة والغضـ,ـب: “إيه ده يا هانم؟ بتستغفليني؟” اتسعت عيناها بذهول، وشحب وجهها حتى أصبحت كالورقة البيضاء. حاولت أن تتكلم، لكن الحروف تجمعت في حلقها ولم تخرج. أخذت خطوة للوراء، وكأنها تمسك بمتلبس، لا العكس.
اقتربت منها والعلبة في يدي، وقلت بنبرة ألم أكثر منها غضب: “إحنا بقالنا سنتين ونص بنحاول، وكل شهر تقوليلي ‘خيرها في غيرها يا حبيبي’ ونزعل ونزعل… وإنتي في الحقيقة بتاخدي ده؟ ليه؟ أنا عملت إيه عشان تخدعيني بالشكل ده؟” سقطت دموعها فجأة، وبدأت شهقاتها تعلو. جثت على طرف السرير، ووضعت رأسها بين يديها. كانت تلك المرة الأولى التي أراها فيها مكسورة ومرعوبة بهذا الشكل. جلسُت أمامها على الركبتين، رغم كل الغضب الذي كان يغلي في صدري، لأن حبي لها كان لا يزال يحـ,ـارب في الداخلي. مسكت يديها بقوة وقلت:
“اتكلمي يا سارة… فهميني. الخيانة مش بس راجل وست تانيين، الخيانة إنك تخبي عليا حاجة بتمس مستقبلنا سوا.” رفعت رأسها، وكانت عيناها حمراوين من البكاء، وقالت بصوت متهدج: “أنا آسفة… والله العظيم أنا بحبك، بحبك أكتر من نفسي… بس أنا كنت خايفة!” قلت باستنكار: “خايفة من إيه؟ من الخلفة؟ إحنا مقتدرين والحمد لله، وأنا جنبك ومش هسيبك!” ترددت لحظات، ثم أخرجت زفيراً طويلاً محبوساً منذ أشهر، وقالت بصوت خافت جداً وكأنها تعترف بفيلم رعب تعيشه وحدها:
“أنا مش خايفة من الشيل والمئولية يا أحمد… أنا خايفة على جسمي وعلى نفسي. أنا بشوف صاحباتي وأخواتي بعد الخلفة… جسمهم بيتغير، بيجيهم اكتئاب، شكلهم بيبقى غير، وأزواجهم بيبدأوا ينفروا منهم أو يبصوا برة! أنا كنت مرعـ,ـوبة إنك تتغير من ناحيتي، مرعوبة تفقد شغفك بيا أو تشوفني مش حلوة زي ما اتجوزتني. أنا بحبك لدرجة إني اتعميت وما فكرتش غير في خوفي!” صمتُّ تماماً. لم أكن أتوقع هذا السبب أبداً. كل أوهامي عن خيانتها أو عدم حبها لي تبخرت، وحل محلها ذهول من كمية الخوف والضغط النفسي الذي كانت تعيشه وحدها خلف ابتسامتها كل يوم.
نظرت في عينيها وطال الصمت لثوانٍ كانت كالأدهر. جمعت أنفاسي، وأخذت علبة البرشام من يديها ووضعتها على الطاولة، ثم أمسكت بجهها بين يديّ وابتسمت بحزن وقلت: “كل الخوف ده عشان فاكرة إن حبّي ليكي مجرد ‘شكل’ أو ‘جسم’؟ يا سارة… أنا اتجوزتك إنتي، روحك، ضحكتك، ووجودك جنبي. الجسم بيكبر ويتغير بالوقت حتى من غير خلفة. لو أنا بحبك عشان جسمك بس، يبقى أنا ما عرفتش أحب أصلاً.” أكملت بنبرة حازمة ولكن دافئة:
“اللي زعلني مش إنك خايفة… اللي زعلني إنك ما وثقتيش فيا، وما شاركتينيش خوفك ده. كتمتي في قلبك ومشيتي في طريق غلط ولوحدك.” ارتمت في أحضاني وتبكي بحـ,ـرقة، كأنها كانت تنتظر هذه الكلمات لتتخلص من ثقل جبل كان يجثم على صدرها. ظلت تبكي وأنا أربد على ظهرها حتى هدأت تماماً. في تلك الليلة، لم ننم. جلسنا نتحدث حتى أشرقت الشمس، وضعت هي خططاً للتغلب على مخاوفها، ووضعت أنا خططاً لأكون سنداً أكبر لها وأماناً لا تحتاج بعده أن تخفي عني أي شيء.
كانت ليلة صعبة ومفتولة بالألم، لكنها كانت البداية الحقيقية لزواجنا.