روايات

امي تع.با.ن جدا اتصلو بالدكتور يجي

امي تع.با.ن جدا اتصلو بالدكتور يجي الدكتور يجي ويكشف علي امي خير يا دكتور اطمن ان شاء الله خير فين ابنها انا اهو تعال عايزك اتفضل يا دكتور امك لازم تروح المستشفي وتعمل عملية دلوقتي يروح المستشفي ومراتو مش بتحب حماتي وكانت مبسوطه وجوزه يخد بالو من كده

كان السكون يلفّ البيت في تلك الليلة الشديدة البرودة، قبل أن يمزقه صوت أنين خافت يأتي من غرفة أمي. قفزت من فراشي وكأن صاعقة ض.ربتني، وركضت نحو غرفتها لأجدها تتلوى من الألم، تضغط على بطنها بيدين ترتجفان، ووجهها شاحب كالأموات والشرق يغالب أنفاسها المتقطعة.
ارتجف قلبي رعباً وأنا أراها بهذه الحالة، رفعت رأسها بين يديّ وأنا أصرخ بنبرة يملؤها الهلع: “أمي! مالك يا أمي؟ حاسة بإيه؟”. لم تستطع الرد، اكتفت بنظرة عاجزة ورجاء صامت في عينيها. لم أتردد لحظة، التقطت هاتفي وأصابعي تتخشب من الخوف، واتصلت بطبيب العائلة فوراً. كان صوتي يتقطع وأنا أترجاه: “حقك عليا يا دكتور..

أمي بتمو.ت، الحقني بسرعة!”. مرت دقائق الانتظار وكأنها دهر، كنت أذرع الصالة جيئة وذهاباً وقلبي يدق كطبول الحرب. وأخيراً، رن جرس الباب. فتحت للبشرى، فدخل الدكتور بشنطته وعلامات الجدية تطغى على وجهه. ركضنا جميعاً خلفه إلى غرفة أمي. وضع سماعته، وبدأ يكشف عليها بتركيز شديد، يضغط على مكان الألم فتصرخ هي بصوت يفتت الصخر، وأنا أقف عند رأسها، أقبّل يدها وأدعو الله ألا يحرمني منها. أنزل الدكتور سماعته، وتنهد تنهيدة ثقيلة جعلت الدماء تتجمد في عروقي. نظرت إليه برجاء والتوسل يملأ عيني: “خير يا دكتور؟ طمني أرجوك.. إن شاء الله خير؟”.

نظر إليّ الدكتور بنظرة حادة ووقار يخبئ خلفه خطراً وشيكاً، ثم قال بصوت هادئ ومريب: “فين ابنها؟”. بلعت ريقي بصعوبة وقلت: “أنا اهو يا دكتور.. اتفضل معايا”. مشيت معه إلى الصالة بعيداً عن أمي، ألتفت خلفي بقلب مفزوع. وقف الدكتور، وضع يده على كتفي ونظر في عيني مباشرة وقال بنبرة حاسمة لا تحتمل الشك: “أمك لازم تروح المستشفى فوراً.. محتاجة تعمل عملية جراحية حالا، كل دقيقة تأخير فيها خطر على حياتها!”.

نزل الخبر عليّ كالصاعقة. انسحبت الدماء من وجهي، وشعرت بسقف البيت ينهار فوق رأسي. كنت مصدوماً بكل ما تحمل الكلمة من معنى، شلت حركتي ولم أستطع النطق لثوانٍ. أمي؟ سند حياتي بين الحياة والمو.ت؟ نفضت الذهول عني بسرعة وسرعت بالاتصال بالإسعاف، وفي دقائق كانت أضواء سيارة الإسعاف الزرقاء تملأ الشارع، والأطباء يحملون أمي على النقالة. كنت أركض في كل الاتجاهات، أجمع أوراقها وملابسها، ووسط هذا العبث والرعب الذي يجتاح روحي، كانت زوجتي تتنقل معي في الشقة.

ركبنا الإسعاف وانطلقنا بأقصى سرعة نحو المستشفى، صافرات الإسعاف تصرخ في ظلام الليل، وأنا جالس بجوار أمي، أحتضن يدها الباردة والدموع تتجمع في عيني، أقرأ ما تيسر من القرآن وأتوسل إلى الله أن ينقذها. وفي وسط هذا الكابوس، التفتُّ بالصدفة لأرى زوجتي الجالسة في المقعد المقابل. كانت زوجتي دائماً على خلاف مع أمي، تكرهها وتضيق بوجودها في البيت، لكنني لم أتوقع أبداً ما رأيته في تلك اللحظة.

لم تكن على وجه زوجتي أي ملامح حزن أو قلق، بل على العكس تماماً.. كانت هناك ابتسامة خفيفة ملعونة ترتسم على طرف شفتيها، نظرة تشفٍّ وانتعاش لم تستطع إخفاءها. عيناها كانت تلمعان ببريق الغبطة، وكأنها تنتظر هذه اللحظة منذ سنوات! لم تكن حتى تحاول إظهار المواساة، بل كانت تتابع جسد أمي المنهك بنظرات ملؤها الشماتة والارتياح.

في تلك اللحظة، اختلطت صدمتي بذهول أعمق. صدمة مرض أمي ونقلها للعمليات، وصدمة اكتشاف وجه زوجتي الحقيقي القاسي الذي لا يعرف الرحمة. شعرت بقشعريرة تسري في جسدي، وركزت نظري عليها. لاحظت هي أنني أنظر إليها، فتحولت ملامحها في كسر من الثانية إلى الحزن المزيف وادعت القلق، لكن الفأس كانت قد وقعت في الرأس.. لقد رأيت الحقيقة كاملاً. وصلنا إلى المستشفى، وركض الطاقم الطبي بنقالة أمي نحو غرفة العمليات فوراً. أُغلقت الأبواب الزجاجية المكتوب عليها “ممنوع الدخول – غرفة العمليات”، وإضاءة اللمبة الحمراء اشتعلت، لتبدأ أطول ساعات حياتي.

وقفت أمام باب العمليات، قلبي معلق بأمي في الداخل، بينما عيناي تصوبان سهاماً من الغضب والذهول نحو زوجتي الواقفة في أقصى الممر.. وكانت الليلة لم تبدأ بعد.كان الممر الطويل أمام غرفة العمليات هادئاً بشكل مرعب، لا يقطعه سوى صوت جهاز مراقبة ض.ربات القلب القادم من الداخل، وضجيج خطوات الأطباء المسرعة بين الحين والآخر. كانت اللمبة الحمراء المشتعلة فوق الباب كالجمرة الخبيثة التي تحرق أعصابي.جلست على أحد المقاعد المعدنية الباردة، أضع رأسي بين يديّ والدموع تسيل على خديّ بلا توقف.

كانت أفكاري تتضارب بين خوفي القاتل على أمي التي تقبع تحت سكاكين الجراحين، وبين الشك والاشمئزاز الذي بدأ يأكل قلبي تجاه المرأة التي شاركتني فراشي وسقفي لسنوات.رفعت رأسي بطبعه نحو أقصى الممر. كانت زوجتي تقف بالقرب من آلة القهوة، تتصفح هاتفها ببرود تام. لم تكن هناك قطرة دموع واحدة على وجهها، بل كانت تمسح على شعرها وتتنهد بقلة صبر، وكأنها تنتظر انتهاء مسرحية مملة لتذهب إلى النوم.لم أستطع الاحتمال أكثر. نهضت من مكاني وخطواتي ثقيلة كأنها سلاسل من حديد. اقتربت منها بخطوات متسارعة، وعندما شعرت بوجودي، رفعت رأسها وحاولت في كسر من الثانية أن ترتدي ماسك الحزن المزيف، وقالت بصوت اصطناعي:

“خير يا حبيبي؟ الدكتور خرج؟ أدعو لها ربنا يقومها بالسلامة…”.قطعت كلامها بصوت خافت لكنه كان أشبه بزمجرة وحش جريح: “وفري كلامك يا هدى.. المظاهر دي خلاص مابقاش ليها لازمة”.ارتبكت قليلاً، وتراجعت خطوة للوراء وهي تقوس حاجبيها: “قصيدك إيه يا أحمد؟ أنت بتكلمني كده ليه؟ أنا واقفة جنبك من الصبح!”.اقتربت منها أكثر، وضغطت على أسناي بغضب كتمته لسنوات: “شفتك.. شفتك في عربية الإسعاف وهي بتمو.ت بين إيديا. شفت الابتسامة اللي كانت على وشك، والنظرة اللي كلها شماتة وفرحة! أمي اللي كانت بتصارع المو.ت، أنتِ كنتِ طايرة من الفرحة إنها ممكن بتروح وما ترجعش!”.اصفرّ وجهها، وحاولت الإنكار بصوت متلعثم: “أنت اتجننت؟

أنت اكيد تهيؤات عشان خايف عليها! أنا ابتسمت؟ أنت بتتهمني بإيه؟”.قبضت على يدها بقوة، ونظرت في عينيها مباشرة والشرر يتطاير من عينيّ: “أنا مش مجنون ولا أعمى! طول العمر وأنا أقول معلش، مشاكل حموات وعرايس، وأقول بكرة تحبيها وتعرفي قيمتها. لكن توصل بيكي الدناءة والغل إنك تفرحي في مرضها ومو.تها؟ أنتِ معندكيش رحمة؟ معندكيش دين؟”.حاولت سحب يدها وهي تهمس بغضب مكتوم وخوف من الممرضات: “سيب إيدي يا أحمد! الناس بتتفرج علينا! وبعدين أيوة، ما أصلك مش شايف هي كانت بتعاملني إزاي! بس مش معنى كده إن…”.”بس!”.. صرخت فيها بصوت واطئ هز الممر: “ما تنطقيش ولا كلمة!

أمي دي هي اللي عملتني، هي اللي كبرتني وربتني عشان أكون الراجل اللي اتجوزتيه. الجوازة دي كانت أكبر غلطة في حياتي، ولو أمي حصل لها حاجة النهاردة.. قسم بالله ما ليكي قعدة معايا ثانية واحدة!”.تجمدت هدى في مكانها، وعيناها متسعتان من الصدمة، إذ لم ترني يوماً بهذه القسوة أو الحسم.وفجأة.. انفتحت أبواب غرفة العمليات بقوة، وانطفأت اللمبة الحمراء!تركني جسمي وهرولت كالمجنون نحو الباب. خرج الدكتور وهو ينزع كمامته الطبية، ووجهه يفرز العرق، والجهد والتعب يتضحان في كل انحناءة من ملامحه.قفظت أمامه وأنا ألهث وأرتجف: “طمني يا دكتور!

أرجوك قول لي إنها عايشة!”.توقف الدكتور، ونظر إليّ بابتسامة هادئة أزاحت جبالاً من الهموم عن صدري، وقال: “الحمد لله يا بني.. ربنا كتب لها عمر جديد. كانت الزائدة الدودية على وشك الانفجار والتسبب في مسمم دموي خطير، لكن ربنا ستر وقدرنا نشيلها في آخر لحظة. العملية نجحت، وحالتها المستقرة دلوقتي، نص ساعة وهتتنقل الأوضة العادية”.سقطت على ركبتيّ في صالة المستشفى، وسجدت لله شكراً والدموع تبلل البلاط البارد، أردد: “الحمد لله..

الحمد لله يا رب، رجعت لي أمي!”.رفعت رأسي لأرى زوجتي واقفة على مسافة، وجهها شاحب كالملح، وقد أدركت أن كيدها قد خاب، وأن وجودها في حياتي وحياة أمي أصبح مقطوعاً بلا رجعة.تنفست الصعداء، وقمت وأنا أستعد للبدء في مرحلة جديدة من حياتي؛ مرحلة أرد فيها لأمي اعتبارها، وأطهر بيتي ممن لا يحفظ الجميل ولا يعرف الرحمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى