روايات

كان يوم عادي جداً، أو دا اللي كنت فاكراه.. كنت واقفة بقـ,ـميص البيت

كان يوم عادي جداً، أو دا اللي كنت فاكراه.. كنت واقفة بقميص البيت، رابطة شعري فوق، ولابسة طرحة خفيفة عشان التراب، ومشغلة أغاني وشغالة تنضيف في الشقة من حتة لحتة. البيت كان محتاج “روقة” تمام من زمان. دخلت على أوضة المكتب، الأوضة اللي جوزي -أحمد- ديماً يقفلها ويقولي: “دي فيها أوراق شغلي ومشاعري وما بحبش كركبة فيها”. قلت في سرّي: “والله لأروقهالو وافاجئه”. بدأت ألم الكراكيب، وأفتح الأدراج.. ووصلت لدرج مقفول بنصف تكّة كده. شدّيته جامد، فتح. كان فيه ملف أسود شكله غريب بين أوراق الشركة. فتحته بعفوية، وأنا متوقعة ألاقي فواتير أو عقود شغل..

فجأة، عيني وقعت على ورقة رسمية.. ورقة بختم نسر ومأذون.
قريت اسمها.. وثيقة زواج.
اسم أحمد كُتب بعريض.. وجنبه اسم واحدة تانية خالص! اتجوزها من سنة وثلاث شهور! الدنيا لفت بيا.. ركبي ما شالتنيش وقعدت على الأرض في نص الأوضة، والورقة في إيدي بترتعش. “أحمد؟ جوزي؟ ابن ناسي وحبيبي اللي بنيت معاه كل حاجة؟ اتجوز عليا؟”

ألف فكرة وفكرة جُم في دماغي في ثانية.. أصرخ؟ أكسر البيت؟ أستناه لما يرجع وأولع فيها وفيه؟
بس فجأة، سمعت صوت ولادي بيضحكوا في الأوضة التانية.. “عمر” و”نور”.. ضحكتهم رنت في ودني وزي ما تكون فوقتني على واقع تاني خالص. لو اتكلمت دلوقتي وعملت مشكلة، البيت هيتهد، والعيال دول هيدفعوا الثمن. بلعت غصتي، وحطيت الورقة مكانها بالظبط، وقفلت الدرج.. ومسحت دموعي اللي نزلت غصب عني، وقررت أسكت.. أسكت عشان ألم البيت وأحافظ على ولادي، ويمكن.. يمكن أكون بحلم أو فيه حاجة أنا مش فاهماها.

عدّت أسابيع، وأنا عايشة في جحيم ساكت. باكل وأشرب وأضحك في وش أحمد وأنا حاسة إن سـ,ـكينة مروية محطوطة في قلبي. كل حركة بيعملها بقيت أراقبها، كل مرة يمسك فيها الفون قلبي يقف. ولحد ما جه اليوم الموعود.. كان قاعد في الصالة بالليل، ولادي ناموا خلاص، والهدوء مالك المكان. أنا كنت في المطبخ بعمل شاي، وخرجت بالصينية، ولقيته ماسك الموبايل.. حاطط السماعات في وذانه ومندمج بزيادة. مش بس كده.. ده كان بيضحك! ضحكة صافية من قلبه، ضحكة أنا محرومة منها بقالي فترة. قربت بخطوات هادية، ولمحت الشاشة.. كانت فيديو كول، ووش واحدة باين بوضوح وهي بتضحك هي كمان!

أنا دموعي تحجرت في عيني، والصينية إيدي كانت هترميه على الأرض. حطيتها على الترابيزة بصوت مكتوم، ووقفت قدامه، شال السماعة وبصلي وهو بيحاول يداري الابتسامة. قلتله بصوت هادي بس طالع بالعافية:
– “بتكلم مين وبتضحك أوي كده؟” رد عليا ببرود تام، وهو بيبص في الموبايل وبيقفله:
– “ده واحد صاحبي يا حبيبتي.. شغل وكلام فارغ كدة، بتسألي ليه؟” كذب في وشي.. بنظرة ثبات انفعالي تخوف! سكت شوية.. الثواني دي مرت عليا زي السنين. بصيت في عينه دايركت، وطلعت من جيبي كارت صغير كدا كنت صورته بالموبايل للورقة، وقلتله بنفس الهدوء اللي يخوف:

– “صاحبك؟ تمام.. طب أنا لقيت الأوراق دي وأنا بروق الأوضة من فترة.. أوراق بتقول إنك متجوز واحدة تانية رسمياً.. ممكن تقولي مين هي اللي اتجوزتها عليا دي؟ ومين اللي كنت بتكلمها حالا فيديو كول؟” أحمد وشه اتخـ,ـطف.. الألوان راحت منه، ومبقاش عارف يقول ايه. قام وقف فجأة: “انتي.. انتي بتفتشي في حاجتي؟ ومن فترة كمان وساكتة؟” ضحكت ضحكة وجع، ضحكة واحدة جاب أخرها:

“بفتش؟ هو ده كل اللي فارق معاك؟ إني بفتش؟ ما سألتش نفسك أنا كتمت في قلبي ليه كل ده؟ سكت عشان ولادي! سكت عشان كنت فاكرة إن فيه أمل أو إن دا كابوس وهأفوق منه! بس تصدق؟ أنا اللي غلطانة.. سكت لحد ما بقيت بتخـ,ـوني في بيتي وعيني عينك وبتقولي ‘صاحبي’!” بدأ يلخبط في الكلام، يحاول يبرر: “يا جيهان افهمي.. دي ظروف شغل.. دي جوازة كدة وكدة عشان مصلحة.. انتي الأصل وانت الحب كله، والعيال..”

قطعت كلامه بصوت قاطع لأول مرة في حياتي، صوت ست خلاص مبقاش عندها حاجة تخسرها: “بس! بس وماتكملش تبريرات رخيصة.. العيال اللي أنا سكت عشانهم، هما نفسهم اللي مش هسمح إنهم يتربوا في بيت مبني على الكذب والخـ,ـيانة.. هما مش هيشوفوا أمهم مكـ,ـسورة ورخيصة في عينك!” “انتي هتهدي البيت عشان نزوة؟ انتي عاقلة؟” “أنا عاقلة أوي يا أحمد.. البيت ده انت اللي هديته يوم ما كتبت اسم واحدة تانية جنبي في سرك.. والبيت ده مابقاش ينفعني. أنا مش هعيش نص ست، ولا هقبل يترمى لي الفتات وأنت عايش حياتك.”

دخلت أوضتي، لميت هدومي وهدوم ولادي في شنطتين. كان واقف برة بيحاول يوقفني، يتأسف مرة ويتحول يهـ,ـددني بياخد العيال مرة.. بس أنا كنت بقيت زي الحديد. ولا كأني أسمعه. فتحت باب الشقة، وبصيت له آخر بصلة وقيلتله:
– “ورقتي توصلني على بيت أبويا يا أحمد.. ويا هتم بالمعروف وتسيب العيال في حالهم، يا المحاكم بيننا.. وأنت عارف إن معايا الورق اللي يثبت كل حاجة.”

نزلت السلم وأنا شايلة ولادي في حضني.. دموعي كانت بتنزل، بس لأول مرة من سنة وثلاث شهور.. حسيت إني قادرة أتنفس صح. الوجع كان كبير، بس كرامتي وراحتي النفسية كانت أكبر بكتير من إني أعيش مع راجل بايعني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى