روايات

الخاتم المفقود كان بيت العائلة يستعد لسهرة الجمعة الأسبوعية كالمعتاد

الخاتم المفقود
كان بيت العائلة يستعد لسهرة الجمعة الأسبوعية كالمعتاد. في الشقة الكبيرة الخاصة بالحموات، كانت “هبة” (الزوجة الأصغر) و”نجلاء” (الزوجة الأكبر) تتشاركان في إعداد العشاء للجميع. كانت نجلاء دائماً ما تملك طيبة قلب وفطرة سليمة، في حين كانت هبة تشعر بغيرة خفية تجاهها؛ فبالرغم من بساطة نجلاء، إلا أنها كانت محبوبة جداً من الجمع، وحماتها دائماً ما تثني على حسن أخلاقها وهدوئها. الشرارة في الجمع العائلي
وسط ضحكات الأقارب واجتماع العمات والأخوال بعد العشاء، خرجت هبة فجأة من الغرفة الداخلية وهي تصرخ وتلـ,ـطم خدها:

“خاتمي الذهب! خاتمي الألماس اللي جابهولي جوزي مش موجود! كان على التسريحة هنا ودلوقتي اختفى!” ساد الصمت المفاجئ في الصالة، وبدأ الجميع في التساؤل والبحث. تحولت ملامح هبة سريعاً من الصدمة إلى نبرة حادة ووجهت نظراتها مباشرة نحو نجلاء، وقالت بصوت عالٍ أمام العائلة كلها: “ما حدش دخل الأوضة دي غيرك يا نجلاء لما كنتِ بتجيبي طرحتك! الخاتم كان موجود قبل ما تدخلي مباشرة، وما حدش في البيت غريب غيرنا!”

نزلت الكلمات كالصـ,ـاعقة على نجلاء. اتسعت عيناها من الذهول، ووقفت ترتجف وهي تقول:
“أنا؟ أنا أمد إيدي على حاجة مش بتاعتي يا هبة؟! ربنا يعلم إني ما شفتوش أصلاً ولا قربت ناحية التسريحة!” لكن هبة لم تتوقف، بل زادت في الهجـ,ـوم:
“بلا تمثيل بقى! تصرفاتك وطيبة قلبك المزيـ,ـفة دي مش هتدخل عليا، ترجعيلي الخاتم بدل ما ألم عليكي الشارع وأعملك فضيحة!”

تداخل الأزواج والحماة للتفريق بينهما، وحاولوا تهدئة الموقف، لكن هبة أصرت على اتهامها المباشر وصارت تردد الكلام أمام كل من اتصل يسأل، مما أدى إلى جرح كرامة نجلاء وزوجها جرحاً عميقاً، وغادرت نجلاء البيت وهي تبكي بحـ,ـرقة ويدها على قلبها تدعو: “حسبي الله ونعم الوكيل، ربنا يظهر حقي.” الحقيقة المنكشفة
مرت ثلاثة أيام، وكانت العلاقة بين الأخوين على وشك الانهيار الكامل بسبب ما حدث. نجلاء رفضت الخروج من شقتها، وهبة تتنقل بين الجارات والأقارب وتردد: “سـ,ـرقتني وحاطة عينها على اللي في إيدي!”

في صباح اليوم الرابع، كانت هبة تقوم بتنظيف شقتها هي الخاصة، وتحديداً في الغرفة المجاورة لسرير طفلها الصغير. أثناء تحريكها للمكتبة الخشبية الثقيلة لتنظيف ما وراءها… لمعت قطعة ذهبية تحت الضوء. انحنت هبة بصدمة، لتجد خاتمها المفقود يلمع وسط الغبار! تذكرت فجأة؛ لقد خلعته هي بنفسها يوم الخميس قبل الذهاب لبيت العائلة حتى لا يضيع، وسقط منها خلف المكتبة دون أن تنتبه! الموقف الأصعب
سقط الخاتم من يد هبة على الأرض، وتملكها رعب حقيقي. لم يكن الرعب من فقدان الخاتم، بل من الفضـ,ـيحة والباطل الذي رمته على سلفتها أمام العائلة كلها.

حاولت في البداية أن تكتم الأمر وتتظاهر بأنها وجدته بالصدفة في الشارع أو عند الصائغ، لكن حماتها دخلت عليها بالصدفة ورأت الخاتم في يدها ورأت ملامح وجهها الصفراء. سألتها الحماة بحدة: “ده الخاتم يا هبة؟ لقيتيه فين؟!” تعلثمت هبة ولم تستطع الكذب تحت نظرات الحماة الصارمة، واعترفت أنها وجدته خلف مكتبتها في شقتها هي، وأنه لم يغادر بيتها أساساً! الحساب والمواجهة
نادت الحماة على العائلة كلها في الصالة، بما فيهم نجلاء وزوجها.

أخرجت الحماة الخاتم ووضعته على الطاولة أمام الجميع، وقالت بنبرة شديدة:
“الخاتم أهو يا جماعة.. اتلقى في بيت هبة وورا مكتبتها. هبة ظلمت نجلاء واتهمتها في شرفها وأمانتها بالباطل قدامكم كلكم.” ساد الذهول بين الأقارب، ونظر الجميع لهبة بنظرات ازدراء واستكار. وقفت هبة مطأطأة الراس، تحاول أن تعتذر بصوت خافت: “أنا آسفة يا نجلاء.. الشيطان شاطر وما كنتش أقصد…” لكن نجلاء رفعت رأسها بثبات، والدموع في عينها ولكنها دموع كبرياء، وقالت لها بنبرة هادئة هزت القاعة:

“الشيطان مش هو اللي اتهم، أنتِ اللي كان جوة قلبك غل وحقد مستني أي فرصة عشان تطلعيه عليا. الخاتم كان اختبار، وربنا أظهر براءتي قدام الناس اللي شغلتيهم بالباطل.. بس الجرح اللي حطيتيه في قلبي وفي كرامتي، الخاتم مش هيرجعه.” غادرت نجلاء الصالة وهي مرفوعة الرأس، بينما بكت هبة من الخزي والخجل بعد أن أصبحت هي المحاصرة بنظرات الشك والابتعاد من الجميع، وأدركت متأخرة جداً أن الاتهام بالباطل سهم يرتد دائماً إلى صدر صاحبه.

العبرة: الظلم ظلمات يوم القيامة، والسرعة في اتهام الناس في أماناتهم وأعراضهم تصرف لا يمحوه مجرد “اعتذار”، فالأمانة والسمعة إذا جُرحتا لا تعودان بسهولة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى