كانت “منى” تبدأ يومها قبل أن تشرق الشمس؛ تطهو الطعام المفضّل لحماتها المقعدة، تطعمها بيدها بابتسامة حنونة، وتهتم بكل تفاصيل علاجها وراحتها دون أن تتذمر يوماً. كانت تفعل كل ذلك بحبٍ جمّ وصبرٍ جميل، لا لشيء إلا لتخفف عن زوجها “أحمد” أعباء الحياة، ولترسم البسمة على وجهه عندما يعود من عمله ويرى أمه في أفضل حال.
على مدار سنوات، نَسِيَت منى نفسها، وأهملت راحتها وصحتها، وكان كل همّها أن تكون السند لزوجها والابنة البارة لأمه التي كانت تدعو لها بالخير دائماً وتردد: “ربنا يجبر خاطرك يا بنتي زي ما جبرتي خاطري”.
في أحد الأيام، وبينما كانت منى تنظف غرفة النوم، وجدت علبة هدايا فاخرة مغلفة بأناقة ومخبأة بعناية داخل الخزانة. ابتسمت ابتسامة عريضة ودق قلبها بسرعة، وظنت للوهلة الأولى أن أحمد أعدّ لها مفاجأة ليُعبر لها عن امتنانه وتقديره لتعبها وسهرها طوال هذه السنين.
فتحت العلبة بفضول، لتجد داخلها طقماً ذهبياً راقياً، ومعها بطاقة صغيرة. فتحت البطاقة بشغف لتمرّ عيناها على الكلمات التي نزل صقعها عليها كالبلائة: “إلى حبيبتي ونور عيني.. أيام قليلة وتجمعنا بعش الزوجية، مبارك علينا طقم زفافنا.” وتجلّى اسمها الغريب الذي لم يكن اسمها!
سقطت العلبة من يدها، وتجمّدت الدموع في عينيها من هول الصدمة.
في تلك اللحظة بالذات، دخل أحمد الغرفة، لتلتقي أعينهما؛ هو بملامح ذهول وارتباك، وهي بنظرة تتداخل فيها الخيبة بالقهر. لم تجد منه سوى مبررات باردة وحجج واهية عن رغبته في التجديد، وكأن كل ما قدمته من تضحيات، وكل سهرها ورعايتها لأمه، لم يكن سوى واجب مفروض لا قيمة له في عينيه.
وقفت منى أمام المرآة تنظر إلى ملامحها التي أرهقها التعب والإيثـ,ـار، وتدرك أن أسرع طريقة لكسر الروح هي أن تعطي كل شيء لمن لا يبصر ولا يقدر قيمتك.
لم تكن تلك اللحظة نهاية لمنى، بل كانت الستار الذي أُسقِط عن مسرحية الخداع، والشرارة التي أشعلت في قلبها روحاً جديدة لم تكن تعرفها من قبل.
مسحت دموعها بمهل، ونظرت إلى أحمد بنظرة خلت تماماً من العتاب أو الانكـ,ـسار، نظرة شاحبة هادئة أربكته أكثر من أي صـ,ـراخ. لم تنبس بكلمة واحدة؛ جمعت أغراضها البسيطة في حقيبة صغيرة، وتوجهت نحو غرفة حماتها. جثت بجانب سرير عجوزها التي كانت تنظر إليها بوجل ورعب وكأنها تشعر بزلـ,ـزال يضـ,ـرب البيت. قبلت منى يدها وجبينها، وهمست في أذنها: “سامحيني يا أمي.. أمانتك عند ربنا، وأنا أديت الأمانة.” بكت العجوز بحرقة، وتمسكت بطرف ثوبها تدعو على ولدها بظلم شبابه، لكن منى ابتسمت ابتسامة باهتة وانسحبت برأس مرفوع.
خرجت منى إلى الشارع والجمود يغلف ملامحها، لكن داخلها كان يغلي. ذهبت إلى بيت أسرتها، وهناك لم تبكِ، بل أعلنت قرارها الحاسم: الطلاق، ولا شيء غير الطلاق. أقام أحمد الدنيا ولم يقرع باباً إلا وطرقه ليثنيها، متذرعاً بمرض أمه وحاجتها إليها، ومستعرضاً حججاً واهية عن “نزوة” عابرة، لكنه وجد أمامه جداراً من الفولاذ. كانت قد اتخذت قرارها ألا تكون بعد اليوم ضحية للإيثار أعمى. حصلت منى على طـ,ـلاقها، وبدأت رحلة التغيير التي لم يتوقعها أحد:
استعادة الذات: ألقت عن كاهلها التعب والإهمال، وعادت للاهتمام بصحتها ومظهرها وروحها التي أطفأتها السنون. الاستقلال المادي: أفرغت شحنة غضبها وقهرها في مشروع صغير للطهي المنزلي، متسلحة بالمهارات التي طورتها طوال سنوات في خدمة حماتها. النجاح والتوسع: في غضون عامين، تحول مشروعها الصغير إلى سلسة مطاعم شهيرة للوجبات المنزلية الراقية، وصار اسمها يتردد على كل لسان كرمز للنجاح والكرامة.
في المقابل، تدحرجت حياة أحمد إلى الهاوية. الزوجة الجديدة لم تكن مستعدة لحظة واحدة للتحمل أو خدمة والدته المقعدة، وسرعان ما دبت الخلافات بينهما واستهلكت طاقته وماله، حتى انتهت بالفرار وترك البيت فارغاً. وجد أحمد نفسه عاجزاً عن رعاية أمه، ومحاطاً بديون ذهبها ومصاريف زواجه الفاشل، يتخبط في بيت مظلم أعادت فيه الأيام كل حساباتها.
في أحد الأيام، تصادف أن التقيا في مجمع تجاري كبير. كانت منى تقف بكامل أنقاتها وثقتها، تحيط بها هالة من النجاح والمحبة، بينما كان أحمد يبدو أكبر بعشر سنوات، ينظر إليها بملامح حطمتها الندامة والحسرة. خطى نحوها بضع خطوات بتردد وكسرة، وجمع شتات نفسه ليقول بنبرة متهدجة: “منى.. أمي تعبانة، والبيت أظلم من بعدك.. أنا أخطأت في حقك، والندم يأكلني كل ليلة.”
توقفت منى، ونظرت إليه بتلك الابتسامة الهادئة نفسها التي تغادر بها القلوب عندما تكتفي، وقالت بنبرة حاسمة وصوت ثابث: “أمتك التي كانت تدعو لي بـ ‘ربنا يجبر خاطرك’ استجاب الله لدعائها.. جبر خاطري بعزتي وكرامتي، وأما أنت.. فكان درسك أن القلوب التي تُهدر لا تُستعاد، وأن العطاء دون تقدير هو الانتـ,ـحار الوحيد الذي لا يُغفر.” استدارت ومشت بخطوات واثقة، تاركة إياه خلفها يدرك متأخراً جداً أن اليد التي كانت تطعمه وتسنده، كانت هي السقف الذي يحمي حياته كلها من الانهـ,ـيار.