حكاية “عم عماد”.. حارس الحطام والأسرار كان الجراج القديم الواقع في قلب الحي التجاري النابض بالحياة أشبه بقطعة منسية من الزمن. جدرانه الإسمنتية الرمادية تتخللها شقوق تحكي سنوات طويلة من الإهمال، ورائحته تمزج بين عادم السيارات ورطوبة الأقبية المظلمة. في هذا المكان الموحش، كان يعيش “عم عماد”، سايس الجراج ورجل الستين عاماً الذي لا يعرف أحد اسمه الحقيقي على وجه الدقة؛ فالجميع ينادونه بـ “العماد” أو “السايس”.
كان عماد رجلاً طويلاً، نحيلاً، يرتدي دائماً جلباباً مهندماً فوقه سترة صوفية داكنة بغض النظر عن حالة الطقس. وجهه المحفور بتجاعيد الزمن كان ينم عن وقار وغموض في آنٍ واحد. لا أحد يدري كيف وصل إلى هذا الجراج قبل عقد من الزمان، ولا أين كان يعيش قبله. كان يقضي ليله ونهاره جالساً على كرسي خشبي متهالك بجوار بوابه الدخول، حاملاً في يده صفارة نحاسية قديمة لا يفارقها، ومصباحاً يدوياً قديماً.
روتين الغموض لم يكن عماد مجرد سايس عادي ينظم السيارات ويأخذ الأجرة، بل كان يشبه “حارس بوابة” يراقب كل شيء بصمت مطبق. كان يحفظ كل سيارة، وكل ركن، وحتى أسرار أصحاب السيارات المنتظمة. إذا نسي أحدهم شيئاً ثميناً داخل سيارته، كان يجده في اليوم التالي موضوعاً بعناية على مكتبه الصغير وكأن شيئاً لم يكن.
لكن، أكثر ما كان يلفت انتباه الجميع هو ركن بعيد ومظلم في أقصى زاوية من الجراج، تغطيه ملاءة بلاستيكية سميكة يكسوها الغبار الكثيف. لم يكن مسموحاً لأحد بالاقتراب من تلك الزاوية، وكلما سأله أحدهفضولاً: “إيه اللي تحت الغطا ده يا عم عماد؟”، كان يكتفي بابتسامة غامضة وهادئة وهو يرد بصوته الأجش: “دي عربية الحكاية يا بيه.. لسه مقتهاش جت”. الليلة الفاصلة في ليلة شتوية مطيرة وعاصفة، كانت الرياح تعوي في الشوارع الخالية، وانقطعت الكهرباء عن الحي بأكمله فغرق الجراج في ظلام دامس لم يكسره سوى ومضات البرق الخاطفة.
في تمام الساعة الثانية صباحاً، توقفت سيارة سوداء فارهة ومغبرة أمام بوابة الجراج بصورة مفاجئة. هبط منها رجل يرتدي معطفاً طويلاً، يخفي وجهه تحت قبعة سوداء، وبدا التوتر والخوف واضحين على حركاته. نظر حوله برهبة شديدة ثم تقدم نحو عم عماد الذي كان جالساً كعادته في هدوء تام على كرسيه، يمسك مصباحه اليدوي. قال الرجل بصوت مرتعش وهو يلقي بمفاتيح ثقيلة على الطاولة: “اسمعني جيداً.. أريد أن أركن هذه السيارة في أبعد زاوية.. ولا أريد لأي مخلوق أن يراها أو يقترب منها لمدة أسبوع كامل. هذه ألف جنيه مقدم، ولك مثلها لاحقاً”.
نظر عماد إلى المفاتيح ثم إلى الرجل بعينين نافذتين لا ترفان، وقال بصوت هادئ ومطمئن: “الجراج أمان يا بيه، والسيارات هنا في حراستي.. بس شروطنا معروفة، اللي يدخل الجراج مش بيخرج منه إلا لما صاحبه الأصلي يجي بنفسه ويستلمه، مش العكس”. شعر الغريب بارتباك واضح، لكنه وافق سريعاً خشية أن يثير الشبهات، ومشى بخطوات سريعة نحو الخارج تحت المطر البارد، تاركاً السيارة دائرة المحرك. مفاجأة الزاوية المظـ,ـلمة لم يكتفِ عماد بالجلوس؛ بل دفعه حسّه الفضولي والأمني للاقتراب من السيارة المجهولة. فتح باب السيارة بحذر، وبواسطة ضوء مصباحه اليدوي، تفقد المقاعد الخلفية. وهنا تجمد الدم في عروقه!
كان هناك حقيبة جلدية مفتوحة ومبعثرة المحتويات، تظهر منها رزم من الأموال الطائلة، وبجانبها مسـ,ـدس حديث غير مرخص، ووثائق رسمية تخص شركة مقاولات كبرى في المدينة تعرضت مؤخراً لعمـ,ـلية سـ,ـرقة مسـ,ـلحة واختفاء أمين خزنتها في ظروف غامضة! أدرك عماد أن الرجل الذي يقف أمامه ليس مجرد عميل عادي، بل هو مجرم هارب تورط في جريمة كبرى. في تلك اللحظة، لمعت في عيني عماد نظرة أخرى تماماً، نظرة رجل أمن سابق أو شخص عاش حياة مختلفة كلياً عما يظهره للناس.
المواجهة قبل أن يتحرك عماد خطوة واحدة، انفتح باب الجراج الجانبي بقـ,ـسوة، وظهر نفس الرجل شاهراً مسـ,ـدسه بوجه عماد، وقال بشر وغضب: “كنت متأكد إنك مش مجرد سايس عجوز.. إنت بتلعب بالنار، ونهايتك جت يا عماد!” لكن، بدلاً من أن يرتجف عماد أو يرفع يديه استسلاماً، ابتسم بهدوء غريب ورفع مصباحه ليسلطه ليس على الرجل، بل على الزاوية البعيدة المغطاة بالملاءة البلاستيكية. قال عماد بصوت حاسم وقوي خلت منه أي عجزة:
“تفتكر إيه اللي تحت الغطا ده يا ابن الحلال؟ دي عربية بوليس قديمة، مجهزة بكاميرات مراقبة وتسجيل صوتي متصلة مباشرة بقسم الشرطة من 10 سنين، من يوم ما تقاعدت وقررت أراقب الحي ده بنفسي”. شحب وجه الرجل والتفت برعب نحو الزاوية، وفي تلك اللحظة بالضبط، دوت صفارة إنترنت عالية وصافرات سيارات الشرطة التي كانت تطوق الجراج من كل جانب، حيث استطاع عماد بذكاء أن يرسل إشارة طوارئ صامتة عبر جرس الإنذار القديم للجراج فور وصول الغريب.
الخاتمة ألقت الشرطة القبـ,ـض على اللمجـ,ـرم الهارب واستعادت الأموال والمسـ,ـروقات كاملة. وفي صباح اليوم التالي، نشرت الصحف المحلية خبراً عن “السايس الشجاع” الذي ساعد في كشف أكبر قضية سـ,ـرقة في الحي. عاد الجراج إلى هدوءه المعتاد، ووقف عماد عند بوابته يمسح مصباحه اليدوي بابتسامة هادئة، بينما وقف رئيس مباحث القسم يصافحه بحرارة قائلاً: “متأكد يا عم عماد إنك مش ناوي ترجع للخدمة الرسمية؟ رتبتك لسه محفوظة”. فنظر عماد إلى سيارات الجراج المرصوصة بعناية وقال بصوته الدافئ:
“أنا حارس المكان ده يا باشا.. هنا كل عربية ليها حكاية، وأنا مرتاح في حراسة حكايات الناس”.