بعد وفـ,ـاة جوزي بقيت اروح اخدم اختي الكبيره بمقابل مادي علشان اصرف على عيالي ، ورغم اني اختها الوحيده لكن عمرها ما نسيت ان المرحوم جوزي اختارني انا وسابها، وفي عيد ميلاد بنتها بعتت جوزها ورايا لحد الحمام واللي عملته معايا قدام العيله كلها مستحيل يخطر على بال اقذر البشر!
بعد ما جوزي مـ,ـات، الدنيا اسودت في وشي فجأة. جوزي الله يرحمه كان شغال في مصنع، مركزه كويس وحالته المادية مستورة، ومكنّاش محتاجين لاي حد. عيشتنا كانت عال العال، لحد ما في يوم وليلة تعب، والأطباء قالوا عنده ربو شديد ومينفعش يرجع المصنع تاني.
قعد في البيت، وبدأت مصاريف العلاج تأكل في اللي حوشناه، وما كملش فترة قصيرة وتوفـ,ـاه الله.
لقيت نفسي لوحدي مع طفلين في المدارس، محتاجين مصاريف وأكل وشرب ومستقبل. تدوير الشغل مكنش سهل، ملقتش أي فرصة مناسبة تطلعني من الأزمة دي. وفي وسط الحيرة دي، ظهرت أختي الكبيرة. أختي سهام متجوزة واحد ميسور الحال ومبسوطين جداً، جت وعرضت عليا اشتغل عندها في البيت، أخدمها تنظيف وطبيخ، وهي هتديني أجر يكفيني أنا وعيالي.
الموضوع كان صعب أوي على نفسي، يجـ,ـرح ويوجـ,ـع، بس قولت:
“الظروف أحكام، ومفيش شغلانة أقيم من إني أأكل عيالي بلقمة حلال، دي أختي برضه، ومؤقتاً لحد ما ألاقي شغل تاني”.
بدأت اليوم الروتيني الشاق، أودي عيالي المدرسة الصبح، وأطلع على بيتها أخدمها. بس مع الوقت اكتشفت إن القصة مش مجرد مساعدة… أختي كان أكبر هواية عندها إنها تذلني، وتفهمني وتوريني كل لحظة “شوفي أنا فين وأنتي بقيتي فين!”.
هي مكنتش قادرة تنسى اللي حصل زمان. زمان، لما جوزي الله يرحمه سكن جارنا في العمارة، أختي سهام أول ما شافته أعجبت بيه وحطت أمل إنه يتجوزها.
ولما جه اليوم اللي قال لأبونا إنه جاي يزورنا ويقابله، أختي جهزت نفسها وتوقعت إنه جاي عشانها هي بصفتها الكبيرة. بس الصدمة لما قعد مع أبويا وقال بوضوح إنه جاي يطلب إيدي أنا… الصغيرة.
سابها وخطبني، واتجوزنا وعشنا حياتنا. ورغم إن السنين عدت، وهي اتجوزت راجل أغنى، وجوزي مـ,ـات وخلاص الدنيا اتبدلت، إلا إن النـ,ـار اللي في قلبها مكنتش عايزه تطفي. مكنتش قادرة تصفى ولا تسامح إن المرحوم اختارني أنا وسابها هي.
أنا كنت بستحمل إهـ,ـانتها ونظراتها المسـ,ـمومة والتقليل مني قاصدة، أبلع الإهـ,ـانة، وأقول لنفسي:
“معلش يا بت استحملي عشان خاطر العيال، بكره تفرج وتلاقي شغلانة تانية ورحمة ربنا واسعة”.
لحد ما جه اليوم اللي عملت فيه اللي ميتخيلوش عقل، ولا يخطر على بال أقـ,ـذر البشر…
كان عيد ميلاد ابنها، وعزمت العيلة كلها قرايبنا من كل حتة. من أول اليوم وأنا مهدود حيلي، أطبخ وأروق وأمسح ونضفت الشقة كلها وخليتها بتبرق. بالليل، استأذنتها اروح بيتي ألبس أنا وعيالي وأفرحهم، وأرجع تاني أساعدها في بقية الترتيبات ونستقبل الناس.
روحت، لبست عيالي أحسن ما عندهم، ولبست أنا كمان فستاني ونزلت أجرى عشان ألحق أقف معاها.
أول ما وصلت وقبل ما المعازيم يوصلوا بـ دقائق، لقيتها بتبصلي بنظرة غريبة وقالتلي ببرود: “ادخلي حمّي البت الصغيرة ولبسيها فستانها الجديد “.
بصيت لفساتني اللي لسه لابساه وقلتلها بنية صافية: “طب سهام كنتي قوليلي قبل ما ألبس الفستان كده هيتبل ويبوظ من المية”، ردت عليا بمنتهى البساطة: “مش مشكلة، ادخلي أوضتها اقلعي فستانك ده وجهزي الحمام، وأنا هبعتهالك وراكي، وابقي البسي تاني بعد ما تخلصي”.
صدقت كلامها، ما هي أختي الكبيره برضه، قولت ماشي… دخلت الأوضة، قلعت الفستان اللي عليا بقيت بهدومي الداخـ,ـلية بس، ودخلت جهزت الحمام والمية وسيبت الباب موارب مستنية البت تدخل.
وفجأة… الباب اتفتح.
بس اللي دخل مكنش البنت الصغيرة… اللي دخل كان جوزها! في اللحظة دي، الدنيا وقفت، والدـ,ـم اتجمد في عروقي، واللي عملته بعدها كان اوسـ,ـخ بكتير !!!!! اتسمرت في مكاني وأنا مش قادرة أنطق ولا أتحرك، سحبت فوطة الحمام بسرعة وحاولت أداري بيها جسمي وصوتي بيترجف: “أنت إيه اللي دخلك هنا يا إبراهيم؟! اخرج بره حالاً!”. الراجل اتخض ورجع خطوتين لورا وهو وشه أحمر من الإحراج وقال بتلعثم: “والله يا أم مروان، سهام هي اللي قالتلي ادخل الحمام بسرعة الحنفية مكسورة وبتغرق الأوضة!”.
وقبل ما ألحق أستوعب كلامه أو حتى ألم نفسي، لقيت صوت صريخ وصويت هز أركان الشقة كلها! سهام كانت واقفة على باب الطرقة بتلـ,ـطم على وشها وبتزعق بأعلى صوت: “تعالوا يا ناس شوفوا الفاجـ,ـرة! شوفوا الخـ,ـيانة اللي في بيتي! مدخلاها تاكل عيش معايا وبتخـ,ـطف جوزي في حمام بيتي!”.
في ثواني معدودة، كان باب الطرقة مليان بناس العيلة؛ خيلاني وخالاتي وعيالهم اللي كانوا لسه واصلين، كلهم بيبصوا عليا بنظرات ذهول واحتـ,ـقار، وأنا واقفة بالهدوم الخفيفة ودموعي نازلة زي الشلال من الصدمة والكسرة. سهام كانت بتمثل دور الضحية المنهارة ببراعة شـ,ـيطانية، تقرب مني وتزعق: “عشان كده مكنتيش طايقة تتجوزي بعد المرحوم؟ عينك كانت على جوزي من الأول؟!”.
كانت ناوية تدمر شرفي وسمعتي قدام الكل، وتدفعني تمن جرح قديم ماليش فيه أي ذنب. صرخت في وشها وأنا بنهار: “انتي اللي قولتيلي اقلعي عشان تحمي البنت! انتي اللي رتبتي القـ,ـذارة دي كلها!”. لكن وسط صوت بكاها وصريخها، محدش كان سامعني، وكل الأنظار كانت موجهة لإهـ,ـانتي… لحد ما حصل اللي قلب الموازين كلها. جوزها إبراهيم، اللي الكل كان متوقع إنه يداري على نفسه أو يسكت، زعق بصوت زلـ,ـزل المكان وقال: “بس! كفاية فجر بقى لحد كده!”. وبحركة واحدة طلع تليفونه من جيبه، وشغل التسجيل الصوتي.
إبراهيم كان عارف نية مراته المريضة من كتر ما سمعها بتغـ,ـل وبتتـ,ـوعد في السر، وكان مسجل المكالمة اللي بينهم قبل نص ساعة بس، وصوت سهام كان طالع واضح وضوح الشمس وهي بتقوله بإصرار مريب: “ادخل الحمام اللي في الأوضة الجوانية حالا، الحنفية بتنقط، ومتخبطش عشان البت نايمة جوه!”. السكوت عم الصالة كلها، والوجوه اللي كانت بتبصلي باحتـ,ـقار اتحولت فجأة لسهام بنظرات قـ,ـرف وصدمة. إبراهيم بص لسهام باحتـ,ـقار وقالها قدام الكل: “أنا كنت شاكك في حركاتك وغـ,ـلّك، بس مكنتش متخيل إنك توصلي للوسـ,ـاخة دي وتبيعي شرف أختك الوحيدة وتستغلي بيتي عشان حقد دفين جواكي!”.
في اللحظة دي، دخلت الأوضة لبست فستاني، وخرجت راسي مرفوعة، مسكت إيد ولادي وقولتلها بكلمة واحدة هزت كيانها: “ربنا اختارني زمان عشان قلبي نضيف، والنهاردة كشفك عشان انتي سواد من جوه… وحسبي الله ونعم الوكيل فيكي”. خرجت من البيت وأنا سايباها بتغرق في فضـ,ـيحتها قدام العيلة كلها، ومن اليوم ده ربنا فتحها في وشي؛ لقيت شغل شريف ومحترم في حضانة قريبة، وبقيت أصرف على ولادي بعزة نفس وكرامة، وعرفت إن الحق مهما اتداس عليه، ربنا دايماً بينصره في اللحظة الأخيرة.