ابويا كان واقف في نص مطبخي في بيتي وطلب مني يستلف ألف جنيه، وإيديه الاتنين كانوا بيترعشوا من كسفته وإحساسه بالإهـ,ـانة.
وقبل ما يلحق حتى يشرحلي هو محتاج الفلوس في إيه، مراتي بصت عليه من آخر المطبخ وقالت بنبرة جافة من غير ما يرفلها جفن:
”قوله يشوفله شغلانة تانية.. إحنا مش بنك سلفيات هنا.”
اديتله الفلوس على أي حال.
بعدها بتلت أيام، جالي تليفون من المستشفى.
أبويا بياخدوه لعملية جراحية خطيرة في القلب بين الحياة والمـ,ـوت.
وقبل ما الدكاترة ينيموه للبنج، سابلي جواب مقفول ومختوم مع وصية واحدة صريحة وواضحة:
”إياك تخلّي مراتك تشوف الجواب ده.”
أبويا حاج رجب المرشدي جه بيتي يوم التلات الضهر عشان محتاج يستلف ألف جنيه.
رجب المرشدي كان من نوعية الرجالة اللي يمـ,ـوتوا من الجوع ولا إنه يمد إيده أو يطلب المساعدة من حد.
فمجرد إنه يجيلي لحد بيتي ويطلب طلب زي ده، كانت إشارة إن فيه مصيبة كبيرة بتحصل.
بس قبل ما يلحق يفتح بقه ويشرح، نادين مراتي هانته وإدته على دماغه في قلب مطبخنا.
”قوله يروح يشوفله شغلانة تانية،” قالتها بصوت عالٍ ومسموع من غير حتى ما تكلف نفسها وتوطي صوتها.
”إحنا مش فاتحين بنك هنا.”
أبويا كان واقف جنب ترابيزة المطبخ، إيديه الخشنة المشققة المليانة شقا وشغل مقفولة على بعضها بقلة حيلة قدامه.
كتافه كانت منحنية لجوة.
عينيه كانت متثبتة في الأرض مش قادر يرفعها في عين حد.
أنا عمر ما شفت أبويا بالشكل ده.. عمري ما شفته مكسور ولا صغير كده.
أبويا قضى أكتر من تلاتين سنة شغال فاعل وفي المقاولات والبناء تحت شمس مصر الحارقة.
يشيل أسمنت وطوب لحد ما ظهره يتقوس.
يصب خرسانة في عز برد يناير وثلجه.
يطلع يرمم أسطح في عز حر أغسطس.
ومع كل التعب ده، ولما كان يرجع البيت مهدود ومش قادر يشيل طوله، كان يقعد معايا يراجعلي دروسي ويطمن إن أملي في بكره كبير، ويجهزلي أكل المدرسة للصبح.
ماعرفتش حجم التضحيات اللي عملها عشاني غير لما كبرت وبقيت راجل.
باع الموتوسيكل الوحيد اللي حيلته عشان يدفعلي مصاريف كلية الهندسة.
ولما كان عندي تسع سنين، باع البدلة النظيفة الوحيدة اللي يملكها عشان يشتريلي جزمة جديدة أروح بيها المدرسة.
هو عمره ما جه حكالي التفاصيل دي بنفسه ولا اتباهى بيها.
الناس هي اللي كانت بتحكيلي.
أبويا كان كده..
يدي ويضحي في الصمت، من غير ما يعمل هيصة ومن غير ما يستنى كلمة شكر.
والنهارده واقف في مطبخي شكله مكسوف وخجلان، عشان ولأول مرة في حياته محتاج مني حاجة.
قالي بصوت واطي ومبحوح: “الفلوس مش ليا يا كريم.. أنا محتاج أطلع صور طبق الأصل من مستندات وأوراق رسمية، ومحتاج مشورة قانونية، وفيه تحليل لازم أعمله.”
نادين مربعة إيديها وبصتله بقرف: “أصل دايماً الناس اللي مش بتعرف تدير فلوسها بتطلع عندهم طوارئ غريبة وفجأة.”
لتفت ليها وبصلتها بغضب: “نادين.. خلاص، اسكتي!”
لوت بؤها ودارت وشها للرخامة.
أخدت أبويا وخرجنا برة في الجنينة قبل ما الموضوع يتطور.
الجو كان دافي، بس أبويا كان بيحك كفوفه ببعض كانه بردان وبتعصر.
قالي: “أنا ماكنتش عايز أعمل مشاكل بينك وبين مرتك يا كريم.. لو مش هتقدر، أنا مقدر وفاهم.”
”أوراق إيه دي يا أبا اللي محتاج تطلعها؟”
تردد ثواني، وبعدين قال: “أوراق وتبني قديمة من المجمع والنيابة.”
بصلتله بذهول: “تبني مين؟”
عينيه راحت ناحية البيت بثواني وقال: “لازم يكون معايا إثبات وأتأكد الأول قبل ما أقولك أي حاجة.”
”إثبات إيه يا أبا؟”
بلع ريقه بصعوبة: “عشان لو اتكلمت دلوقتي..
ممكن يتقال عليا كبرت وخرفت وسني أثر عليا.. أو يتهمني إني ببوّظ بيتك وعايز أعمل فتنة بينك وبين مرتك.”
معدتي اتعصرت من الخوف: “ومين اللي ممكن يتهمك بحاجة زي دي؟”
أبويا أخد نفس طويل، وحط إيده الخشنة على كتفي: “أنا بحاول أديك حاجة كان المفروض أدهالك من سنين طويلة يا ابني.”
الطريقة اللي قال بيها الجملة خلت قلبي يقع في رجلَي.
كان فيه نبرة استعجال وخوف مستخبي ورا كلامه.. خوف حقيقي، بس كان بيحاول على أد ما يقدر ما يظهروش قدامي.
وأنا عارف كويس أبويا داس على كرامته وكبريائه أد إيه عشان يجي بيتي ويطلب قرشين.
الراجل ده أفنى عمره كله بيضحي عشاني.. مش أنا اللي هسيبه واقف في الشارع يبررلي هو محتاج ألف جنيه ليه.
”عنيا ليك يا أبا.. هجيبهم لك فوراً.”
ملامحه ارتاحت ونزل عليها أمل: “هردّهملك أول ما ربنا يفرجها.”
”ترد إيه بس يا أبا! الفلوس دي جزمتك برقبتها.”
دخلت المكتب بتاعي وفتحت الخزنة الصغير تحت المكتب، طلعت ظرف فيه فلوس الطوارئ.
وأنا بطلعه، لقيت نادين واقفة على باب الأوضة ومربعة إيديها:
“أنت بجد هتديله الفلوس؟”
”أيوه.”
”إحنا متفقين إن أي مصاريف أو مبالغ تطلع لازم نتكلم فيها الأول!”
”ما إحنا بنتكلم أهو.”
”لا يا كريم! أنت أخدت القرار خلاص وطنش رأيي!”
”دا أبويا، وعمره في حياته ما طلب مني مليم!”
”وده مش معناه إنها مش هتبقى عادة وياخد على كده!”
بصلت لها بزهول وقرف: “بقولك أبويا!”
ردت ببرود: “وده بيتنا إحنا!”
الكلام وقّفني في مكاني.. لأنها طبيعياً وشرعياً كدابة.
البيت ده بيتي أنا.
من سنين، أبويا هو اللي دفع معظم مقدم البيت ده لما باع حتة الأرض الوحيدة اللي ورثها عن أمه في البلد عشان يجوزهولي.
ونادين عارفة كده كويس.. وعارفة التفاصيل دي حافظاها.
أخدت الفلوس وخرجت للباب واديت الظرف لأبويا. إيديه كانت بترعش وهو بياخده.
”أسف يا ابني.. تعبتك معايا.”
”تأسف على إيه بس يا أبا! ربنا يخليك ليا.”
بص من فوق كتفي ناحية نادين اللي كانت واقفة بعيد، وبعدين حط الظرف جوة جيب الجاكيت.
في العادة، أبويا كان بياخدني في حضنه قبل ما يمشي.. الليلة دي، ما حضننيش.
اكتفى بإنه طبطب على كتفي ونزل السلم وراح ناحية عربيته النقل القديمة.
أول ما قفلت الباب، نادين هجمت عليا: “أنت تصرفك ده خلي شكلي زي العبيطة قدامه!”
”أنتِ اللي أهنتيه الأول من غير سبب!”
”هو حتى ما رضيش يقولك الفلوس دي رايحة فين ولا عشان إيه!”
”لما يكون جاهز هيقولي.”
”أنت دايماً بتفضل أبوك عليا وبتاخد صفه!”
بصلتها في عينها بصرامة: “أبويا قضى عمره كله بيفضلني على نفسه!”
بعد الليلة دي، قضينا باقي اليوم تقريباً مش بنتكلم.
بعدها بتلت أيام، تليفوني رن برقم غريب مش متسجل.
”أستاذ كريم المرشدي معايا؟” بصوت ست بتسأل.
”أيوه أنا.. مين؟”
”أنا بكلمك من مستشفى دار الفؤاد.. الحاج رجب المرشدي هنا وحاطط رقمك كجهة اتصال في الطوارئ.”
قمت من على الكرسي بسرعة لدرجة إنه اتطوح وورايا: “فيه إيه؟! أبويا جراله إيه؟!”
”جالنا الصبح بعد ما أغمى عليه فجأة.. الدكاترة اكتشفوا إن عنده تمدد خـ,ـطير في الشريان الأورطي ودخلوه فوراً غرفة العمليات في جراحة طارئة.”
إيدي اتعلمت على التليفون من مسكته: “هو.. هو عايش؟!”
”حسب آخر تقرير كان مستقر لما دخل غرفة العمليات.”
طلعت نفس طويل كنت حابسه في صدري.. بس السكرتيرة كملت كلامها:
”قبل ما والدك ينزل عليه البنج.. ساب معانا ظرف مقفول بختم، وطلب ندفعهولك إيد بإيد.”
سكت في مكاني والجسمي قشعر: “ظرف؟”
”أيوه.. وفيه كمان أستاذة محامية مستنياك هنا من بدري عشان تقابلك وتسلمك أوراق.”
”محامية؟! محامية مين؟”
”أستاذة فريدة حماد.”
سحبت مفاتيح العربية من على الرخامة وجريت.. بس قبل ما تقفل السكة، الست أضافت جملة أخيره خلت الدم يتجمد في عروقي.
”والدك ساب تعليمات مشددة ومحددة جداً يا أستاذ كريم.”
وقفت في مكاني: “تعليمات إيه؟”
”قال بالحرف:
إياك تتناقش أو تورّي نادين مرتك محتوى الظرف ده، غير لما تقعد الأول في جلسة مغلقة مع الأستاذة فريدة المحامية.”
المكان لف بيا.. قلبي بقى يدق زي الطبول في صدري: “ونادين مراتي مالها ومال الموضوع ده اصلاً؟!”
”آسفة يا فندم، والدك ماشرحش اكتر من كده.”
سقت عربيتي للمستشفى بسرعة جنونية.. ماكنتش شايف قدامي ولا فاكر أي ملف أخدته في الطريق.
كل اللي في دماغي صورة أبويا وهو متخـ,ـدر وتحت كشافات العمـ,ـليات بين الحياة والمـ,ـوت..
والظرف المقفول اللي مستنيني..
الظرف اللي شكله قعد أسابيع بيجهز فيه ويجمع أوراقه..
الظرف اللي مربوط بأوراق تبني قديمة..
واللي أبويا صمم، وهو بيمـ,ـوت، إن مراتي نادين إياها تشوفه أو تعرف عنه أي حاجة!وصلت مستشفى دار الفؤاد والركنة تحت كانت زحمة، بس أنا سبت العربية في أي مكان ودخلت أجرِي. الريحة المألوفة للمستشفيات، المطهرات والأرضيات الممسوحة ببرودة، كانت بتزود الخنقة في صدري. أول ما دخلت الاستقبال، سألت عن الحاج رجب المرشدي وعن الأستاذة فريدة. الموظفة وشها كان محايد، شاورتلي على صالة الانتظار جنب العناية المركزة. هناك، كانت قاعدة ست في أواخر الأربعينات، لابسة بدلة رسمية كحلي وواقفة ماسكة الشنطة بتاعتها بقوة. أول ما شافتي جاية باتجاهها بتلهث، وقفت وقربت مني:
“أستاذ كريم؟ أنا فريدة حماد.. محامية والدك.”
مسكت إيدها بتوتر شديد: “أبويا عامل إيه؟ الدكتور قال إيه؟” فريدة هزت رأسها بهدوء محاولة تطمني: “هو جوة في العمليات، الدكتور القائم بالعملية كبير جراحي القلب، وقال إن الشريان كان على وشك الانفجار، بس لحقوه في آخر لحظة.. الأدعية هي اللي فاضلة دلوقتي يا كريم.” سحبت نفس عميق وبصيت لإيدها، كانت ماسكة ملف أصفر سميك، وجواه ظرف أبيض مقفول بختم شمع أحمر، زي الأظرف القديمة. طالعتني بنظرة جادة وقالت: “والدك أصر إني ما أسلمكش الملف ده إلا وأنت لوحدك تماماً. وحذرني أكتر من مرة إن مدام نادين ما تعرفش طريق للمستندات دي ولا تلمسها.”
جلسنا على كرسيين بعيد عن زحمة الانتظار. صوابعي كانت بترتعش وأنا بستلم الظرف. الشمع الأحمر كان مكتوب عليه الحرفين الأولانيين من اسم مكتب المحاماة. “أبويا محتاج ألف جنيه عشان أوراق تبني ومحامية؟” سألتها وبصوت طالع بفيزياء غريبة من صدري. “أستاذة فريدة.. هو فيه إيه؟ أنا مين؟ هل أنا ابن الحاج رجب فعلاً؟” فريدة ابتسمت ابتسامة خفيفة فيها حزن ونفت برأسها: “أنت ابن رجب المرشدي صلباً وجيناً يا كريم. ما تشكش في ده لحظة واحدة. أبوك أفنى عمره عشانك وأنت ابنه الشرعي والوحيد.”
