“أومال أوراق التبني دي إيه؟ وليه نادين؟” فريدة اتنهدت وفتحت الملف اللي في إيدها: “أبوك من شهرين تقريباً، اكتشف بالصدفة الشديدة حاجة عن ماضي مرتك.. نادين.” حسيت كأن حد ضـ,ـربني بقطعة حديد على دماغي. “نادين؟” “والدك كان شغال في ترميم مبنى قديم تابع لإحدى دور الرعاية والجمعيات الأهلية المسجلة زمان في الجيزة. بالصدفة، وهو بيشيل أوراق ومحاضر قديمة من المخازن اللي بتتنقل، عينيه وقعت على دفاتر دار أيتام ملغية من سنة 2004.”
فريدة طلعت ورقة مصورة ودتهالي. كانت شهادة ميلاد قديمة، وورقة ثانية تحمل ختم “كفالة وتبني” قبل ما القوانين تتعدل للمسميات الجديدة. كملت فريدة كلامها بصوت واطي: “نادين مش البنت الأرستقراطية سليلة العائلات الغنية زي ما أقنعتك وأقنعت الكل من يوم ما اتجوزتها. نادين طفولة مكفولة.. اتربت في دار أيتام لحد سن ثمان سنين، وبعدين اتكفلت من العيلة اللي هي شايلة اسمهم دلوقتي مقابل تسويات مادية وورث.” أنا بقيت باصص للورقة ومذهول: “طب وده إيه علاقته بالألف جنيه؟ وليه أبويا يعمل كل ده؟ وليه خايف منها؟”
فريدة قربت مني أكتر وقالت بكل حسم: “المشكلة مش في إنها مكفولة يا كريم.. المشكلة في السبب اللي خلي أبوك يدور وراها. أبوك لاحظ من سنة تقريباً إن أوراق ملكية بيتك، والأرض اللي هو باعهالك عشان تشتري البيت ده، بيتكتب عليها توكيلات مريبة. نادين كانت بتستغل اسم عيلتها المتبناة وعلاقاتها في السجل العقاري عشان تنقل ملكية البيت والأصول بتاعتك تدريجياً لاسمها هي وعيلتها بالتبني!”
بلعت ريقي بصعوبة. الألف جنيه اللي أبويا استلفها.. كانت عشان يدفع رسوم استخراج صور طبق الأصل رسمية ومختومة من النيابة ومجمع المحاكم لملفات الدار القديمة، وعشان يستخرج كشف حد دلالة للسجل العقاري يثبت إن التوكيلات اللي نادين استخدمتها مزورة ومبنية على شخصية قانونية فيها تلاعب في الأوراق الرسمية!
فريدة كملت: “والدك عرف إن لو واجهك بالكلام ده من غير مستندات قاطعة ومختومة من الدولة، أنت ماكنتش هتصدقه. كنت هتقول عليه راجل كبر وبيخرف أو عايز يخرب بيتك زي ما هو خاف تماماً. نادين ست ذكية جداً ورست خطتها ببرود شديد. الألف جنيه اللي أخدها منك أول أمس، كانت الرسوم الأخيرة عشان نطلع النسخة المعتمدة من القضايا دي، والتي تثبت إن نادين مالهاش أي حق في إدارة أموالك، وإن التوكيل اللي مضتك عليه تحت مسمى (إدارة أملاك) كان عملية احتيال مكتملة الأركان.”
فتحت الظرف المكتوم بالشمع.
جواه كانت فيه ورقة مكتوبة بخط إيد أبويا.. خط الملاط والأسمت والحبر الرخيص، الخط المعوج اللي فيه شقا العمر كله.
الكتابة كانت بتقول:
“يا كريم يا ابني..
أنا عارف إنك زعلت مني عشان طلبت الفلوس قدامها. وعارف إنك اتكسفتلي. بس أنا يا ابني ما يهمنيش كرامتي تهون، المهم بيتك وحلالك ما يضيعوش. الست دي مش صاينا كدبت عليك في أصلها وفصلها عشان توصل لقرشينك وشقا عمرنا. أنا عملت التحاليل والأوراق ودفعت كل مليم عشان أأمنك. لو جرالي حاجة وأنا في العملية، الأستاذة فريدة معاها كل الحقوق والتوكيلات اللي ترفع بيها قضايا التزوير وترجعلك حلالك. سامحني يا ابني إني دخلت بيتك واستسخفت نفسي.. بس الراجل مننا يمـ,ـوت ولا يشوف ابنه بيتسـ,ـرق وهو يتفرج. خلي بالك من نفسك يا كريم.. أبوك رجب.”
الدموع نزلت من عيني زي المطر. الدموع ما كانتش بس حزن.. كانت قهر من نفسي.
فتحت عيني على الحقائق: نادين كانت طول الوقت بتتعامل مع أبويا بقرف وازدراء مش لمجرد إنه راجل بوسطاء وطيب.. هي كانت خايفة منه! خايفة من عينيه الخبيرة اللي حافظة الشارع والناس، خايفة إن الشقا اللي على إيديه يكشف القناع الملون اللي هي لبساه. في اللحظة دي، تليفوني رن.
اسم “نادين” كان ينور على الشاشة. رديت بصوت حاد ومكتوم: “أيوة يا نادين.”
قالت بنبرة فيها تمثيل القلق اللي حفظته: “كريم؟ أنت فين؟ نزلت بسرعة كده ليه ومكتوبلي على السفيرة إنك خرجت؟ أنت مع أبوك في المستشفى؟” بصيت للظرف اللي في إيدي، وللباب الفاصل بيني وبين غرفة العمليات.
“أنا مع أبويا يا نادين.. والحمد لله، أبويا سابلي كل حاجة كان محتاج يسبهالي.” سكتت ثواني على الناحية الثانية، ونبرة صوتها اتغيرت للشك: “سابلَك إيه؟ هو مش كان محتاج ألف جنيه سلف؟”
قلت لها بكل ثبات وبرود أبرد من أرضية المستشفى: “أبويا اشترى لي بالألف جنيه دي الحقيقة يا نادين. الحقيقة اللي أنتِ دفـ,ـنتي عمرك كله عشان تستخباي وراها وتسـ,ـرقيني بها. ما ترجعيش البيت.. عشان لما أرجع، مش هلاقي ليكي أي مكان فيه، ولا في حياتي كلها.” قفلت السكة في وشها قبل ما تنطق بكلمة. قعدت على الكرسي، حطيت الجواب على صدري، وبصيت للنور الأحمر المضيء فوق باب العـ,ـمليات.. ودعيت ربنا من كل قلبي إن رجب المرشدي يخرج لي بالسلامة، عشان بس أقدر أركع تحت رجليه وأبوس إيديه الخشنة اللي أنقذتني للمرة الألف في حياتي.
