اتفتحت أبواب الأسانسير، وكان الرجل اللي سابني من سنتين ونص واقف جواه، وإيده في إيد خطيبته الجميلة. لكن أول ما آدم المنشاوي شاف الولد اللي عنده 18 شهر على دراعي، وشاف عينيه الخضرا اللي مستحيل يغلط فيها لأنها نفس عينيه، رجل الأعمال الملياردير اللي كان قادر يسكت قاعات اجتماعات كاملة… نسي فجأة إزاي يتنفس. كانت أول حاجة سمعتها هي ضحكته. ضحكة واطية، سهلة، مليانة ثقة وكأن مفيش حاجة في الدنيا تهمه. كان آدم واقف جوه الأسانسير المطلي بالذهبي في فندق جراند القاهرة، لابس بدلة رمادي غامق غالبًا سعرها أغلى من أول عربية ركبتها في حياتي.
وبجانبه كانت سلمى فؤاد، وريثة واحدة من أشهر العائلات في القاهرة، واللي كنت أعرفها من صور المجلات. كانت لابسة فستان حرير بلون الشامبين، وخاتم خطوبتها الماسي يلمع تحت أضواء الأسانسير. الكل كان عارف إن آدم موجود في القاهرة علشان يقفل صفقة ضخمة بالمليارات على مشروع عقاري ضخم. لكن اللي هو ما كانش يعرفه… إني كنت موجودة هناك أنا كمان. والأهم من كده… إنه ما كانش يعرف إني كنت شايلة ابنه. ضميت ليو أكتر لصدـ,,ـــرى.
كان عنده 18 شهر، لابس جاكيت كحلي صغير وحذاء رياضي، ومش فاهم إطلاقًا إن الراجل الغريب اللي بيبصله دلوقتي هو السبب إن أمه قضت أكتر من سنتين وهي بتحاول تبدأ حياتها من جديد. آدم شافني الأول. اختفت ابتسامته فورًا. أنا ما عدتش البنت اللي عندها 24 سنة واللي سابها ومشي في شيكاغو. شعري كان مربوط في كعكة بسيطة، والفستان الأسود اللي لابساه هادي ومش ملفت، وأي ضعف أو رقة كانت زمان بتخليه يقدر يسيبني بسهولة… اختفت. وحل مكانها شيء أكثر هدوءًا. وأقوى. ثم ليو لف وشه. وتغير لون آدم. شعر أسود كثيف. ذقن صغيرة عنيدة. وعينان خضراوان. عيناه هو.
سلمى لاحظت فورًا. “آدم؟” لكنه لم يجب. فدخلت الأسانسير. لو كنت رجعت خطوة لورا، كان هيبان إني خايفة. وأنا وعدت نفسي من زمان إن آدم المنشاوي عمره ما هيشوفني خايفة منه تاني. اتقفلت الأبواب. وساد الصمت داخل الأسانسير. ثم مد ليو إيده ناحية رابطة عنق آدم. آدم فضل يبص لإيد ابني الصغيرة وكأنها ضــ,,ـــــربته في صدـ,,ـــره. “سارة…” خرج اسمي من بين شفايفه أخيرًا، بصوت شبه هامس. اتقبــ,,ـــــض صدـ,,ـــري أول ما سمعت صوتي على لسانه. “آدم.” سلمى قربت منه أكتر، وشبكت دراعها في دراعه. لكنني لاحظت أصابعها وهي ترتعش. وصل الأسانسير للدور الخامس عشر. اتفتحت الأبواب. خرجت من غير ما أبص ورايا.
وبعد ثوانٍ، سمعت خطوات ورايا. “سارة، استني.” ومن خلفه سمعت سلمى تصرخ: “آدم!” لكنه تجاهلها. وده لوحده كان كفاية علشان أفهم كل حاجة. وقفت في الممر. كنت تعبت من الهروب من مواجهات عاشت جوه دماغي سنين. اقترب آدم مني ببطء. “إزيك؟” لثانية واحدة، كنت على وشك أضحك. سنتين ونص من غير مكالمة واحدة… وأول سؤال فكر يقوله لي هو: إزيك؟ “مشغولة.” نزلت عينيه ناحية ليو. “هو…” “أيوه.” الكلمة خرجت مني ووقفت كل شيء. عدلت جاكيت ليو الصغير. ثم قلت: “ده ابنك.” رجع آدم خطوة للخلف فعلًا.
كان ده الراجل اللي بيشتري ناطحات سحاب، ويفسد صفقات، ويخلي رجال أعمال كبار يستنوا بالساعات قدام مكتبه. لكن دلوقتي… كان واقف قدامي تايه تمامًا. “اسمه إيه؟” “ليو.” ابتسم ليو له. “هاي.” خرجت الكلمة من آدم بصوت مكسور. رفع ابني إيده الصغيرة ناحيته. وبشكل غريزي، ضميت ليو أكتر لصدـ,,ـــرى. آدم شاف الحركة. وعبرت على وشه ملامح ألم واضحة. ثم رفع عينيه وبص لي مباشرة. “ليه ما قولتيليش؟” اتشد حلقي. لأن ده كان السؤال اللي تخيلته بيسألهولي ألف مرة. والإجابة… كانت موجودة داخل ظرف في أوضة الفندق. آخر جواب بعتهولي آدم قبل ما يختفي من حياتي.
وكانت كلماته فيه هي السبب الحقيقي اللي خلاني أخفي عنه وجود ابنه كل السنين دي رفعت ذقني وبصيت في عينيه بثبات، النظرة اللي اتدربت عليها ليالي طويلة قدام المراية عشان اللحظة دي بالذات. “أقولك إيه يا آدم؟” سألته بهدوء جليدي هز كيانه أكتر من أي صراخ. “أقولك إن شيك الـ 500 ألف دولار اللي سيبتهولي مع محاميك في شيكاغو وكتبت في ظهر الظرف بتاعه: ‘سارة، وجودك في حياتي غلطة هتدمر اسم عيلتي، خدي المبلغ وانسحبي بهدوء عشان مستقبلي’… كان ناقصه مصاريف حضانة؟”
اتسعت عيون آدم بصدمة حقيقية، وشه بهت كأنه شاف شبح، وهمس برعب: “شيك؟ جواب؟! سارة أنتي بتقولي إيه؟ أنا عمري ما…” “آدم!” صوت سلمى قطع كلامه وهي بتوصل الممر بكعبها العالي، عيونها بتبصلي بنظرات مسمومة بين الغيرة والقلق، وبصت للولد اللي في حــ,,ـــــضني بعدين لآدم: “مين دي؟ وإيه المسرحية اللي بتحصل دي بالظبط؟ المؤتمر الصحفي بتاع الشراكة هيبدأ تحت في القاعة بعد عشر دقائق ووالدي مستنيك!”
آدم حتى مابصلهاش، عينه كانت متثبتة عليا، إيده بتترعش وهو بيقرب خطوة تانية: “سارة… أنا فضلت شهور أدور عليكي في أمريكا بعد ما اختفيتي فجأة من الشقة… عمي قالي إنك سافرتي وقبلتي تسيبي كل حاجة مقابل…” سكت فجأة، والشرارة لمعت في عينيه كأنه ركب أجزاء اللعبة القذرة اللي اتلعبت عليه من سنتين ونص. عمه فؤاد… والد سلمى… شريكه اللي كان بيمــ,,ـــــوت عشان يتمم جوازه من بنته ويدمج الشركتين. “مبقاش يفرق يا باشمهندس.” قولتله وأنا بلف ضهري وبمشي ناحية جناحي. “الماضي اتحــ,,ـــــرق، وليو ملوش أب غير في شهادة الميلاد اللي خانتها فاضية.”
“سارة استني!” صوته جه من ورايا، لكن قفلت باب الجناح في وشه بالمفتاح، وسندت ضهري على الخشب وقلبي بيدق بجنون كأنه هيخرج من صدـ,,ـــري، بينما ليو كان بيضحك وهو بيلعب بخصلات شعري. دقايق معدودة، والتليفون الأرضي بتاع الجناح رن. رفعت السماعة بصمت. صوت راجل غليظ وعجوز جه من الطرف التاني: “مدام سارة… أظن الـ 500 ألف دولار كانوا كفاية عشان تفضلي بعيد، لكن ظهورك هنا غباء هيكلفك كتير. خدي ابنك واختفي من الفندق خلال ساعة، وإلا حضانة الولد مش هتكون في صالح واحدة معندهاش نفوذ عيلة المنشاوي وفؤاد مجتمعين.”
ضحكت بسخرية باردة لأول مرة، ورديت: “شكلك يا فؤاد بيه متعرفش أنا جاية مصر ليه، ولا مين رئيس مجلس إدارة الشركة الأجنبية اللي آدم مستني يوقع معاها صفقة المليارات بعد نص ساعة عشان ينقذ شركته من الإفلاس… نتقابل تحت في قاعة المؤتمر.” قفلت السكة، بصيت للمراية، مسحت أي أثر لدمعة قديمة، ولبست جاكيت البدلة الرسمية. المواجهة مكنتش مجرد صدفة أسانسير… الحرب الحقيقية كانت لسه بتبدأ.