“لو بنتك اتعلمت القسوة، فده لأنك أنتِ اللي علمتها تكره.”
ده الكلام اللي قالهولي شريف الشبراوي قدام تورته عيد ميلاد بنتنا، في الوقت اللي اكتر من أربعين ضيف كانوا واقفين ساكتين تمامًا، سكون مرعب لدرجة إن اغاني الأطفال اللي شغالة كانت باينة كأنها اتطفت لوحدها.
فريدة بنتي كان عندها خمس سنين بالظبط. أنا قضيت الصبح كله بجهّز قاعة الحفلات في التجمع الخامس؛ بلونات بينك، وتاجات ذهبي، وعلب حلوى، ومكان مليان هدايا متغلفة بفيونات بتلمع. فريدة كانت مستنية اليوم ده بفارغ الصبر من أسابيع، خصوصًا إن باباها كان وعدها إنه هيجي بدري.
شريف جه فعلاً..
بس جه وجنبه ريناد ماسكة في إيده وكأنها ملكه.
ريناد دخلت وهي بتعيط، ماسكة فستان سواريه متقطع حتت في إيديها. وعلى كلامها، أنا اللي بعتّ فريدة تدمّر لها الفستان بالمقص عشان أحرجها قدام الحفلة السنوية لمجموعة شركات الشبراوي.
قالت إن الغيرة أكلت قلبي، وإني مستعدة أستغل طفلة بريئة لمجرد إني أكسرها.
“أنا ما عملتش حاجة!”.. قلتها بصوت يا دوب مسموع.
شريف حتى ما إدانيش فرصة أكمل.
مسكني من دراعي بقوة، وشدني بعيد عن الترابيزة وضربني بالقلم على وشي.. قلم جامد لدرجة إن التورتة اهتزت على المائدة. فريدة صرخت، والشمعة اللي برقم 5 وقعت على الكريمة واتطفت.
“مامي ما عملتش حاجة!”.. بنتي كانت بتعيط وتصرخ: “أنا شفت ريناد وهي داخلة الأوضة لوحدها!”
ملامح شريف اتغيرت.. مش بتردد ولا ندم، ده بغل وغضب.
“ما تكدبيش يا فريدة!”
بنتي جريت عليا، بس واحد من الحراس بتوع شريف وقف في طريقها. حاولت تفلت منه، اتكعبلت في صينية واقعة على الأرض وراسها خبطت في حرف ترابيزة قريبة.
الدم بدأ ينزل من فوق حاجبها.
في اللحظة دي.. في حاجة جوايا اتكسرت، وحاجة تانية فاقت. الخوف والرجا اختفوا تمامًا.
انطلقت ناحيتها، شيلتها بين إيديا وضغطت بمنديل على جرحها. شريف قرب خطوة ووشه أصفر، بس ريناد لزقت فيه وكأنها هي الضحية.
“شريف.. بص لدراعك!”.. ريناد كانت بتعيط بتمثيل: “هم كمان خربشوك!”
كانت مجرد علامة حمرا لا تذكر، بس هو بص ليها وكأنها إصابة حرب.
“شايفة بتصنعي إيه يا جودي؟”.. قالها وهو بيبصلي بقرف: “بتطلعي بنت عدوانية وكدابة.. شبهك بالظبط!”
على مدار ست سنين، أنا عشت باسم “جودي خليل”.. الزوجة الهادية اللطيفة لشريف الشبراوي. الست اللي ملهاش رأي في القعدات، اللي ما بتسألش في البيزنس، اللي بتبلع الإهانة في عزومات العيلة في الزمالك ويتعاملوا معاها كأنهم اشتروها مع البيت.
بس أنا اسمي الحقيقي ما كانش مجرد “جودي خليل”..
أنا اسمي جودي خليل السيوفي.
وعيلتي لا كانت فقيرة، ولا ملهاش ظهر، ولا قادرة على الضيم.
أنا اللي تنازلت عن مقعدي في مجلس إدارة مجموعة السيوفي المالية عشان بحب شريف.
أنا اللي خبيت اسم عيلتي وتقلها عشان ما يحسش إنه صغير جنبي. أنا اللي سبته يصدق إن كل اللي حيلتي هو شوية جميل ورضا باللي يديهولي.
ليلتها بس فهمت إن سكاتي ما خلاهوش يراعي ربنا.. سكاتي خلاه يستقوى أكتر.
شريف أمر الحراس ينزلونا البدروم بتاع الفيلا.
“هتقعدوا هنا لحد ما تتعلمي إزاي تتأسفي وترجعي لأصلك”.. قالها ببرود: “من غير تليفون، ومن غير دكتور، ومن غير أكل.”
الباب الحديد المقفول اترزع في وشنا.
فريدة كانت بتترعش في حضني، سخنة وبتعيط بصوت مكتوم.
مديت إيدي في الجيب المخفي في بطانة شنطتي، وطلعت تليفون ثريا صغيّر..
تليفون شريف عمره ما شافني بمسكه.
طلبت رقم ما اتصلتش بيه من ست سنين.
أخويا الكبير رد من ثاني رنة.
“جودي؟”
“حسام..”.. قلتها وأنا باخد بنتي اللي غرقانة في دمها في حضني: “أنا خلاص.. مش هالعب دور المسكينة تاني.”
كان فيه سكوت تقيل قوي على الناحية التانية.
“مين اللي لمسك يا جودي؟”
بصيت للباب الحديد المقفول وقلت:
“عيلة الشبراوي.”
صوت حسام اتقلب لحتة ثلج:
“أنا جاي لك.”
ولأول مرة من ست سنين.. ابتسمت من غير ما أخاف.
شريف الشبراوي ما كانش عنده أدنى فكرة هو حبس مين معاه في البدروم ده. البدروم كان رطب وريحته تراب ورطوبة قديمة، والأضواء الخافتة الصفرة كانت بتخلي الظلال على الحيطان شبه أشباح بتتحرك. فريدة كانت حاطة راسها على صدري، نفسها متقطع وسخونة جسمها بتزيد، وكل شوية تئن بوجع وهي بتلمس الجرح اللي فوق حاجبها. مسحت دموعها بطرف كمي، وبصيت لسقف البدروم.. الصدى فوق كان دبه أقدام وسحبة كراسي والموسيقى اللي اتطفت حل محلها صوت ضحكات ريناد المتدلعة وهي بتقنع شريف إنه يتجاهل اللي حصل ويخلي الضيوف يكملوا العشاء.
كانوا فاكرين إن الباب الحديد ده حابس ست مكسورة وبنتها.. ما كانوش فاهمين إن الباب ده كان الحجز الأخير بين شريف الشبراوي وبين الجحيم اللي هو بنفسه فتحه. ساعتين بالظبط مروا. فريدة نامت من التعب والإرهاق بين دراعاتي، وأنا قعدت ساندة ظهري على الحيطة الخرسانة، التليفون الثريا مقفول في قبضتي، وعيني مش مفارقة عقرب الثواني في ساعتي الذهب. كنت ببتسم.. ابتسامة هادية وباردة، نوع الابتسامة اللي ما عرفتوش جودي القديمة.
وفجأة، الصمت فوق اتكسر. مش صوت حركة عادية، ده كان صوت كسر مجلجل! زجاج بيتكسر وصوت فرامل عربيات تقيلة بتفرمل بره الفيلا في التجمع الخامس بأسلوب بيهز الأرض. بعدها بثواني، صوت صريخ ريناد الهستيري، وصوت حراس شريف وهم بيحاولوا يتكلموا قبل ما يتسكتوا تمامًا بأصوات ضرب مكتوم وسريع. فوق، كانت القيامة بتقوم. سمعت خطوات جزمة جلد ثقيلة وواثقة بتمشي في الصالة الرئيسية، خطوات أنا حافظاها كويس.. خطوات حسام السيوفي. صوت شريف طلع مزعور ومربوك وهو بيصرخ: “أنت مين يا جدع أنت؟! أنت فاكر نفسك داخل زريبة؟! حراس! يا هاني! يا زفت!”
صوت حسام جه هادي.. هادي لدرجة مرعبة، أبرد من التلج: “الحراس بتوعك بره بيتدربوا إزاي يوقفوا عدل يا شريف بيه. فين أختي؟” “أختك مين؟! أنت بتتهجم على بيت شريف الشبراوي! أنا هوديك في سجين!” سمعت صوت صفعة.. صوت كسر هيبة شريف في بيته وقدام أربعين ضيف من أكابر القوم اللي لسه واقفين متسمرين. حسام ما اتكلمش، كرر بس بنفس النبرة الميتة: “فين أختي وبنتها؟” ريناد صرخت: “المفتاح في المطبخ! المفتاح على البار والله!”
خلال ثواني، سمعت صوت حركة عند الباب الحديد.. الترابيس بتتفك بسرعة، والمفتاح بيلف في القفل. الباب اتفتح بقوة، والضوء الأبيض المباشر ضرب في عيني. كان واقف حسام.. ببدلته الكحلي المظبوطة بالمللي، وطوله الفارغ، وخلفه أربعة من رجالة السيوفي مسلحين وواقفين بثبات. أول ما حسام شاف الدم المتبقي على وش فريدة وهي نايمة في حضني، وشعرها المطفي، ووشي اللي معلم عليه القلم.. عينيه اتحولت للون أسود خالص. نزل على ركبته قدامي، شال فريدة بالراحة وكأنها قطعة زجاج غالية، وسلمها لواحد من رجالته: “على المستشفى فورًا، أحسن دكتور مخ وأعصاب ودكتور تجميل يكونوا مستنيين في الطوارئ.”
الراجل أخد فريدة وجري، وحسام مدلي إيده.. مسكت إيده وقمت. ركبي كانت ثابته، وظهرك كان مفرود لأول مرة من ست سنين. طلعت معاه للصلة الرئيسية.. المكان كان ساحة حرب هادية. الضيوف واقفين محشورين في زاوية القاعة، وشوه المنسقين والمنظمين باين عليها الذهول. شريف كان قاعد على الأرض، ماسك فكه اللي ينزف، وريناد مستخبية وراه وبتترعش، فستانها السواريه المتعرج كان باين أراجوزي في المشهد ده. أول ما شريف شافني طالعة جنب حسام، عيونه برقت بعدم فهم: “جودي؟ مين ده؟! أنتِ جايبة بلطجية في بيتي؟ أنتِ تجننتي؟”
حسام ما إدالوش فرصة ينطق حرف زيادة. طلع من جيبه الملف الأسود اللي كان شايله تحت دراعه، ورمى الأوراق على وش شريف وعلى التورتة المكسورة اللي كانت لسه على الترابيزة. “شريف الشبراوي..” حسام اتكلم وهو بيحط إيديه في جيوبه: “مجموعة الشبراوي للإنشاءات، اللي أنت فاكر إنك بتهدد بيها الدنيا.. 60% من أسهمها المرهونة للبنوك، التسهيلات المباشرة بتاعتها متغطية بشيكات من شركة ‘السيوفي للترست والحفظ’. اسم ‘جودي خليل’ اللي أنت جوزته وكان بيغسلك هدومك ويستحمل قرفك، هو الاسم المسجل بيه العقود دي كلها.”
شريف بص للأوراق، وشه تحول للون الرمادي.. عينيه كانت بتتحرك بين السطور، بين اسم جودي خليل السيوفي، وبين نسب الأسهُم والتوقيعات. “أنتِ.. أنتِ جودي السيوفي؟” شريف نطقها بصوت مقطوع، وكأنه بيدور على هواء. قربت منه خطوتين، وقفت فوقه وهو قاعد على الأرض مكسور. بصيت له بنفس النظرة اللي كان بيبصلي بيها كل يوم وأنا ساكتة.. نظرة احتقار هادي.
“أنا تنازلت عن كل حاجة عشان أعمل منك راجل يا شريف..” قلتها بصوت هادي سمع كل الحاضرين: “أنا سمحتلك تصدق إنك كبير، وإنك صاحب فضل، وإنك بتصرف عليا وعلى بنتك من جيبك.. عشان كنت فاكرة إن الحب بيستاهل التضحية. بس أنت ما كنتش محتاج زوجة ولا أصيلة.. أنت كنت محتاج جارية تسقفلك وتستحمل عقيلك ونقصك.” ريناد حاولت تتكلم وتصرخ: “أنتوا فاكرين نفسكم مين؟! الأمن هيجي حالا وهـ…” حسام بصلها بصة واحدة بس، أصلحها كتمت أنفاسها وما كملتش الجملة.
“من بكرة الصباح يا شريف..” حسام قال وهو بيمسك إيدي عشان نخرج: “أمر الاستدعاء من النيابة العامة بتهمة الخطف، الاحتجاز بدون وجه حق، والاعتداء الجسدي على طفلة وقاصر هيتوجه لك. ده غير إن الشيكات المرهونة هتتقدم للتحصيل الساعة تسعة الصبح بالدقيقة. لو ما اندفعتش.. الفيلا دي، والعربيات اللي بره، وشركتك، وهدومك اللي عليك دي.. هتكون ملك لمؤسسة السيوفي.” شريف حاول يقوم، مسك في رجلي بلهفة وذل: “جودي! جودي استني! أنا ما كنتش اعرف! ريناد هي اللي قالتلي! ريناد هي اللي لعبت في مخي! جودي عشان خاطر فريدة!”
نفضت رجلي من إيده ببرود تام.. نفس البرود اللي سابني بيه في البدروم. “فريدة اتعلمت اليوم درس مهم أوي يا شريف..” قلتها وأنا بلتفت ناحية الباب الخارجي ومستعدة للأيام اللي جاية: “اتعلمت إن اللي يمد إيده عليها أو على أمها.. بياخد القلم على وشه مضاعف مية مرة. أنت اللي علمتها الكره.. وأنا هعلمها إزاي تاخد حقها بالقانون والقدرة.” خرجت مع حسام، والأبواب العالية لفيلا الشبراوي اتقفلت ورانا للأبد. وفي العربية، وأنا شايفة أنوار التجمع الخامس بتعدي بسرعة، مسكت إيد فريدة النايمة بسلام بعد ما الجرح اتخيط.. وابتسمت.
رحلة الضعف انتهت.. واللعبة الحقيقية يادوب تبدأ.