حمايا جابلي عصير في نص الليل وأصر إني أشربه قدامه؛ شفت ترسبات غريبة في الكوباية، فبدلتها من غير ما أقول حاجة… وأخت جوزي شربته بالصدفة. لكن الصبح، الحقيقة اللي ظهرت كشفت هو كان مخطط لإيه فعلًا.
— لو مش هتشربي العصير ده يا مريم، هفكر إنك بتقللي من العيلة… والتعامل ده هنا ليه حساب كبير.
كان جابر واقف على باب الأوضة، ماسك كوباية عصير مانجا في إيده، وعلى وشه ابتسامة باردة. كانت الساعة قربت على 11 بالليل. المطر كان بيخبط على إزاز الشبابيك في بيتهم في التجمع، والشارع كان هادي تمامًا. أما عمر، جوز مريم، فكان مسافر إسكندرية بسبب شغل طارئ في الشركة. وحماتها نوال، كانت من الصبح راحت تزور قريبتها في المنوفية. وفي البيت ما كانش موجود غير 3 أشخاص: مريم… وحماها جابر… وأخت جوزها داليا، البنت اللي كانت دايمًا بتتعامل بتعالي مع كل اللي حواليها.
مريم بقالها سنتين متجوزة عمر. ومن بره، عيلة جابر كان شكلها مثالي جدًا ومحترم قدام الناس. جابر كان مدير مدرسة سابق، ونوال بتتكلم عن القيم في كل مناسبة، وعمر مدير في شركة نقل. لكن ورا الأبواب المقفولة، الحقيقة كانت مختلفة تمامًا. من أول ما مريم دخلت البيت، كانت بتلاحظ تصرفات جابر غير المريحة وضغطه المستمر عليها ومحاولاته لفرض سيطرته وإحراجها في كل فرصة تكون فيها لوحدها. كل ما كانت تحاول تتكلم، كانت نوال تدافع عنه وتلوم مريم، وعمر يعتبر الأمر مجرد سوء فهم.
في الليلة دي، جابر كان باين عليه التوتر والانفعال، وصوته فيه إصرار غريب: — يلا يا بنتي، اشربيه. هيريح أعصابك ويخليكي تنامي بسرعة. مريم بصت للكوباية، ولاحظت ترسبات بيضاء ناعمة في القاع ما دابتش بالكامل. معدتها اتقبضت، وحست إن فيه فخ بيتدبر لها عشان يغيب وعيها وتدخل في نوم عميق. ابتسمت بهدوء وحاولت تكسب وقت: — شكرًا يا عمي، سيبه على الكومودينو وأنا هشربه حالًا. جابر قرب بإصرار: — لأ… قدامي دلوقتي.
مريم مسكت الكوباية وإيدها ثابتة بالعافية، وقربتها من شفايفها… وفجأة، باب البيت الخارجي اتقفل بقوة، وصوت داليا ظهر وهي طالعة ومنهكة من السهر والتعب: — هو النور مطفي كده ليه؟! جابر ارتبك وبص ناحية السلم، وقال بصوت منخفض: — هشربك الباقي الصبح… وخرج وقفل الباب وراه. مريم قفلت الباب وسندت ضهرها عليه، وبصت للكوباية وهي متأكدة إن فيها مادة منومة قوية لتدبير مؤامرة ضدها. بعد دقايق، دخلت داليا الأوضة وهي مرهقة ومش قادرة تفتح عينيها: — هاتيلي مية بسرعة… همو.ت من العطش. مريم مدت إيدها بالكوباية بهدوء: — خدي العصير ده… أنا مش محتاجاه.
داليا أخدته وشربته في ثواني، وخلال دقايق كان مفعول المادة المنومة اشتغل تمامًا، واستغرقت في نوم عميق وثقيل. مريم أخدت تليفونها واللاب توب، وخرجت من الأوضة واستخبت في دولاب المفروشات في الممر وواربت الباب للمراقبة. بعد نص ساعة، ظهر جابر بيتسلل في الطرقة بتركيز وهدوء تام، متأكد إن مريم نايمة في سابع نومة. دخل الأوضة وقفل الباب وراه بهدوء، ومريم شغلت كاميرا التليفون لتسجيل اللحظة.
مرت ثواني معدودة، وانك.سر الهدوء بصوت صرخة مفاجئة وحركة عنيفة جوه الأوضة. جابر كان فاكر إن اللي على السرير مريم وهي مغمى عليها، لكن داليا فاقت جزئيًا من أثر الحركة المفاجئة وصرخت برعب وهي شايفة خيال بيهجم على السرير: — ابعد عني! الحقوووني! جابر شغل نور الأباجورة بهستيريا، وتراجع بصدمة وذهول لما لقى بنته داليا هي اللي قدامه! وفي نفس اللحظة، اتفتح باب البيت… عمر رجع فجأة بعد ما لغى مشواره، ودخلت معاه والدته نوال. اندفعوا على السلم نحو مصدر الصراخ، ليلاقوا مريم واقفة في الممر بهدوء وهي بتسجل، وجابر مرتبك تمامًا جنب سرير داليا المنهارة.
— إيه اللي بيحصل هنا؟! صرخ عمر بصدمة. جابر حاول يقلب الترابيزة كعادته: — مريم حطت مادة منومة ومضرة لداليا في العصير عشان تأذيها… وأنا جيت أنقذ بنتي! نوال هاجمت مريم بالصراخ، لكن مريم ما اتكلمتش… رفعت شاشة الموبايل. الشاشة كانت عارضة بث مباشر من كاميرا مراقبة صغيرة ثبتتها مسبقًا في المطبخ، وكان الفيديو بيوضح جابر وهو بيفرغ محتويات كيس غريب داخل كوباية العصير قبل ما يطلع بيها لأوضتها. عمر وقف مصدوم ووشه شحب وهو بيبص لأبوه: — الكوباية دي مكنتش لداليا… دي كانت لمريم! إنت كنت طالع لمريم عشان تفقد الوعي!
ساد صمت تام، وسقطت كل الأقنعة والمبررات. في الصباح، وصلت الجهات المختصة للتحقيق في الواقعة بعد تقديم الفيديوهات والتقارير الطبية للمادة المستخدمة، وخرجت مريم من البيت وهي ماسكة أوراق انفصالها، تاركة وراءها عائلة انهارت سمعتها المزيفة للأبد.