روايات

بعد و.فاه عمى طـ,ـلقت بنته ورمتها من غير ما اعرف هيكون ايه مصيرها

بعد وفـ,ـاه عمى طلقت بنته ورمتها من غير ما اعرف هيكون ايه مصيرها
عمى قبل مايمـ,ـوت ضغط عليه اتجوز بنته عشان مالهاش حد غيره وانا مكنتش بحبها بس قررت بعد وفـ,ـاته أطلقها وفعلاً طلقتها وقولتلها خدى حاجتك وامشى قالتلى ماعنديش مكان اروحه قولتلها اتصرفى
بصراحه كنت عايز اعيش حياته واتجوز واحده على زوقى
حاولت معايا كتير انى ماتخلاش عنها او حتى اصبر عليها لحد ما تلاقى مكان بس انا رفضت كنت عايز اخلص منها بأى شكل لانى شايفها عبء
مرت الأيام، ونسيت “ندى” ووصية عمي، وانشغلت في حياتي مع “شيرين”.

كنت فاكر إن الدنيا ضحكت لي لما خلفت “ياسين”، ابني اللي مالي عليا الدنيا. وفي يوم، ياسين تعب جداً وسخن، والدكاترة قالوا لازم يتحجز في المستشفى كام يوم تحت الملاحظة.
دخلنا الأوضة، شيرين كانت بتبص لكل ركن بقرف وتقول: “إيه ده؟ الأوضة مش عجباني، الحيطان دي مطفية كدة ليه؟ أنا دافعة في الليلة الشيء الفلاني عشان ابني يقعد في مكان نضيف”. وبصت في الممر وقالت بصوت عالي ومستفز: “يا بتاعة النضافة! إنتي يا ست إنتي.. تعالي هنا فوراً!”
دخلت واحدة لابسة لبس عمال النظافة الأزرق الباهت، كانت شايلة جردل وماسكة مساحة، وموطية راسها للأرض..

أول ما رفعت راسها عشان تشوف الطلبات، الزمن وقف بيا..
ندى!
بنت عمي اللي رميتها وقولتلها “اتصرفي”. وشها كان شاحب، وتحت عينيها سواد من السهر والتعب، وإيدها اللي كانت زي الحرير بقت مشققة وناشفة من كتر الكلور والمطهرات. ندى بصت لي، وشفت في عينيها لمعة دمعة محبوسة، كأنها مش مصدقة إن ده أنا، ولا مصدقة إنها واقفة قدامي في المنظر ده.
شيرين مسبتهاش، وقفت في نص الأوضة وشاورت بصباعها بغطرسة:
“بقولك إيه.. الأوضة دي تتمسح بـ “ديتول” مركز خمس مرات قدامي، والكومودينو ده يتلمع لحد ما أشوف وشي فيه. أنا مش عايزة بكتيريا تقرب من ابني..

فاهمة يا شاطرة؟”
ندى ماردتش، بدأت توطي بوجع وتلمع الخشب وإيدها بترتعش. شيرين كملت بسماجة وهي بتمسك “اللانش بوكس” بتاع ياسين وبتاكل منه:
“شايف يا بيبي؟ الأشكال دي بتبقى بطيئة أوي في الشغل. وبعدين إنتي ليه ريحتك منظفات كدة؟ إنتي بتستحمي بكلور؟ ابعدي شوية عني وانتي بتمسحي عشان الريحة بتصدعني.. ريحة فقر بجد!”
حسيت بوجع في صدري، ندى كانت لسه بتمسح بكسرة نفس، بس شيرين كملت وهي بتطلع “عشرين جنيه” من شنطتها وترميها بضهر إيدها على الأرض تحت رجل ندى:
“خدي..

الفلوس اللى بتتباطيى فى الشغل عشان تاخديها هاتي لنفسك كريم للإيد، عشان لما تيجي تنضفي أوض الهوانم بعد كدة إيدك الخشنة دي متجرحش الخشب الغالي.. إنجزي بقى مش فاضيين للبطء ده!”
ندى بصت للعشرين جنيه اللي على البلاط المبلول، وبصت لي.. كانت نظرة “ذل” ممزوجة بوجـ,ـع قلب عميق. وطت ببطء، مش عشان تاخد الفلوس، عشان تلم جردلها وتمشي. انحنت بوجـ,ـع وكأن ضهرها هو اللي مكسـ,ـور من جوا مش مجرد تعب شغل.
وقفت ندى وبصت لشيرين بهدوء يقتـ,ـل، وقالت بصوت مبحوح:
“المكان نضف يا هانم.. والمنظفات اللي ريحتها “تصدعك” دي هي اللي بتخلينا نعيش بكرامتنا وما نحتاجش لحد..

ألف سلامة على ابنك يا أستاذ.”
خرجت ندى بضهر محني، وأنا وقفت زي الندل، مش قادر أنطق بكلمة. شيرين بصت لي وقالت بضحكة باردة: “شوفت الأشكال دي؟ فاكرين نفسهم بني آدمين بجد.. يالا يا بيبي رتب الهدوم في الدولاب”.
بصيت على ندى وهي ماشية في الممر بتمسح دموعها بـ “كم” اليونيفورم الخشن، وعرفت في اللحظة دي إن “العبء” الحقيقي مش ندى.. العبء هو الذنب اللي هيفضل عايش جوايا طول عمري.

الجملة نزلت على دماغي زي مية باردة، دموعها وهي بتمسحها بكم هدومها الخشنة كانت بتكويني. شيرين عمالة ترغي وتتأفف، وأنا عيني مع الباب اللي خرجت منه ندى، حاسس برجلي متسمرة في الأرض ومش قادر أتنفس. طلعت حجة لشيرين إني نازل أجيب علاج لياسين من صيدلية المستشفى، وجريت في الممرات أدور عليها زي المجنون. سألت مشرفة التمريض بصوت مهزوز: “فين البنت اللي كانت بتنضف الأوضة دي؟” ردت ببرود: “تلاقيها في أوضة المخزن تحت في البدروم بترتب الأدوات”.

نزلت السلالم خطوتين خطوتين لحد ما وصلت للبدروم، مكان كئيب وريحته كلور ورطوبة. لقيتها قاعدة على كرسي خشب مكسور، دافنة وشها بين إيديها المشققة وكتفها بيهتز من العياط المكتوم، وجنبها العشرين جنيه اللي رمتها شيرين لسه مرمية في جردل المية جنب رجليها. وقفت قدامها، صوت أنفاسي كان عالي، قولت بصوت بيترجف: “ندى…” رفعت راسها بسرعة، مسحت دموعها وحاولت تقف بجمود، بس عينيها كانت بتصرخ بالوجع: “نعم يا أستاذ؟ محتاجين حاجة تانية في الأوضة؟”

قربت خطوة وطلعت محفظتي بإيد مرتعشة، طلعت كل الفلوس اللي معايا ومديت إيدي: “ندى… أنا آسف. مكنتش أعرف إنك وصلتي لكده، خدي دول… أرجوكي خدي دول وسيبي الشغلانة دي فوراً، أنا هديلك شقة ومصروف شهري محترم، والله ما هسيبك تحتاجي لحد تاني.”

بصت للفلوس في إيدي، وابتسمت ابتسامة باهتة ومكـ,ـسورة، وقالت بهدوء يقص القلب: “فلوس؟ جاي تديني فلوس دلوقتي يا ابن عمي؟ بعد ما رميتني للشارع وأنا بتوسل لك تصبر عليا لحد ما ألاقي سقف يسترني؟ يوم ما قولتلي ‘اتصرفي’ والباب اتقفل في وشي، نمت ليلتين في الشارع قبل ما ست غلبانة تاخد بإيدي وتشغلني هنا في المستشفى وتخليني أنام في أوضة الخدمات.”

نزلت عيني في الأرض من الخزي، كملت وهي بتبص في عيني مباشرة: “أنا صحيح بمسح الأرض وبشيل الزبالة وريحة الكلور بتاكل في جلدي، بس باكل لقمة حلال بشرفي ومذلتش نفسي لحد. وفلوسك دي… زي العشرين جنيه اللي مراتك رمتها، متلزمنيش. كرامتي اللي داست عليها الهانم بتاعتك، متتشتريش بفلوسك.” سابتني وخرجت، وأنا واقف مكـ,ـسور ومهزوم، حاسس بحقارتي وصغري قدامها.

مرت ليلتين، وحالة ياسين ابني فجأة اتدهورت في نص الليل، الحرارة نطت للأربعين وابتدى يدخل في تشنجات. المستشفى اتقلبت، وأنا وشيرين بنصرخ في الممرات. في اللحظة دي، دخل استشاري كبير معروف إنه من أكبر جـ,ـراحي الأطفال في مصر ومعاه طاقم طبي متكامل، اتعامل مع حالة ياسين باحترافية وسيطروا على الوضع في دقايق وكتبوله بروتوكول علاج جديد أنقذ حياته. تاني يوم الصبح، دخل الدكتور ده يطمن على ياسين. شيرين جريت عليه تتملق فيه: “شكراً يا دكتور، أنا عارفة إن المستشفى دي فيها دكاترة كبار، وحضرتك أكيد عرفت إننا دافعين جناح خاص عشان كده جيت بنفسك!”

الدكتور ابتسم ببرود وبص لي وقال: “أنا مجيتش عشان الجناح الخاص ولا عشانكم… أنا نزلت مخصوص في نص الليل بناءً على طلب إنسانة عزيزة جداً وذات فضل كبير على والدي الله يرحمه.” الباب اتفتح، ودخلت ندى، بس المرة دي مكنتش لابسة اليونيفورم الأزرق المبهدل، كانت لابسة طقم بسيط ونضيف وراسها مرفوعة لفوق، ومعاها قرار موقع من إدارة المستشفى.

الدكتور كمل كلامه وقال: “أحب أقدملكم الأستاذة ندى… والدها، عمك يا أستاذ، كان ليه فضل في تعليمي وشراء أول عيادة ليا لما بدأت، ولما عرفت بالصدفة إمبارح باللي حصل معاها وظروفها، تم تعيينها مشرفة إدارية في إدارة العلاقات العامة بالمستشفى، وهي أول ما سمعت إن ابنك بيمـ,ـوت طلبت مني أتدخل فوراً عشان خاطرك وخاطر دـ,ـم عمها اللي بيجري فيك.” شيرين وقفت مذهولة والخرس صابها، وشها جاب ألوان وعينيها زاغت في الأرض. ندى بصت لياسين الصغير النايم على السرير بحنية، وقالت بهدوء وثبات: “الطفل ملوش ذنب في قسوة أبوه ولا غرور أمه… ألف سلامة عليه، وربنا يشفيهولك.”

خرجت ندى، وسابت وراها ريحة نقاء ورجولة وموقف عمره ما هيتمسح من ذاكرتي. بصيت لشيرين اللي كانت واقفة زي الصنم، وبصيت لنفسي، وعرفت إن الأيام بتلف، وإن اللي يرمي لحمه ويدوس على وصية أبوه وعمه، بيفضل طول عمره عايش في فقر حقيقي… فقر النفس والضمير. شوقه دى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى